نشروا مذاهبهم ومارسوا الدعاية لحكامهم وحاربوا معارضيهم... أدوار أمراء الحج السياسية

السبت 10 أغسطس 201905:10 م

في السنة التاسعة من الهجرة، أوكل الرسول إلى أبي بكر الصديق مهمة الإشراف على حج المسلمين، فسار بهم من المدينة إلى مكة، كأول أمير للحج في الإسلام، وفي العام التالي تولى الرسول الأمر بنفسه.

منذ ذلك الحين، أصبح تعيين أمير للحج سنّة متبعة وراح الخلفاء والحكام يقلدونها لأشخاص في حال عدم خروجهم بأنفسهم.

ويروي أستاذ التاريخ الإسلامي عبد الباقي السيد لرصيف22 أن أبا بكر الصديق كلف بعد توليه الخلافة سنة 11هـ عمر بن الخطاب بإمارة الحج بسبب انشغاله بحروب الردة، لكنه في العام التالي تولاها بنفسه.

وعندما تولى عمر بن الخطاب الخلافة سنة 13هـ ولى إمارة الحج لعبد الرحمن بن عوف، ثم تولاها هو شخصياً حتى توفي عام 24هـ.

أما عثمان بن عفان، فقد ولى إمارة الحج أيضاً في السنة الأولى لخلافته، عام 24هـ، لعبد الرحمن بن عوف، والسنة الأخيرة، عام 35هـ، لعبد الله بن عباس، وفي ما بينهما تولى أمر الحج بنفسه، ذكر السيد.

بعد ذلك تولى الخلافة علي بن أبي طالب الذي خالف سابقيه فلم يتول إمرة الحج بنفسه، وانما ولاها لابني عمه عبيد الله بن عباس، عامي 36 و37هـ، وقثم بن العباس عامي 38 و39هـ.

ويذكر أستاذ التاريخ الإسلامي أيمن فؤاد السيد لرصيف22 أن أمير الحج كان منوطاً به تنفيذ بعض المهام، منها شراء المؤن الغذائية وتوزيعها على القافلة، وحماية الحجاج من اعتداءات قطاع الطرق، وإلزامهم بأداء الصلاة في أوقاتها، والاهتمام بالفقراء والضعفاء من الحجيج، إضافة إلى فض المنازعات التي تنشب بينهم.

أول نزاع سياسي

بجانب ذلك، ظهرت مهام سياسية أخرى لأمير الحج. بحسب عبد الباقي السيد، كان أمير الحج ممثلاً للدولة التي يتبعها أو السلطة السياسية التي ترسله، لذا كان يمارس الدعاية السياسية لها، ويروج لمذهبها، ويحذر من الثائرين عليها ويحشد الحجاج ضدهم، لذا كان من المنطقي أن تشهد بعض مواسم الحج مشاحنات بين أمراء فرق ومذاهب دينية وسياسية مختلفة، خاصة أن كل فرقة كانت تستأثر بالإمارة لأحد المنتمين لها.

ويرصد سليمان صالح كمال في دراسته "إمارة الحج في العصر العباسي من سنة 132هـ إلى 247هـ"، أول نزاع سياسي ارتبط بمنصب إمارة الحج. كان ذلك سنة 39هـ. ونقل عن كتاب "تاريخ خليفة بن خياط" لخليفة بن خياط، أن علي بن أبي طالب عيّن قشم بن عباس أميراً للحج، وعين معاوية بن أبي سفيان يزيد بن شجرة الرهاوي، فاختلفا على مَن يتولى أمر الحجيج، ثم وقع الاتفاق بينهما على إسناده إلى محايد هو شيبة بن عثمان الحجبي.

ونظراً لأهمية منصب إمارة الحج وزيادة التنافس عليه، تولاه المغيرة بن ثعبة، عام 40هـ، بافتعاله كتاب تولية عهد على لسان الحسن بن علي بن أبي طالب، حسبما ذكر ابن خياط.

الأمويون... ترغيب وترهيب

كان أول حضور للسياسة في خطبة أمير الحج سنة 41هـ، حينما عيّن الخليفة معاوية بن أبي سفيان بعد تمكنه من إنشاء الدولة الأموية الوليد بن عتبة بن أبي سفيان أميراً للحج، وكان الناس حديثي عهد بالفتنة فخطب الوليد بالحجاج خطبة الحج، وصبغها بصبغة سياسية بيّن فيها وجهة نظر الدولة الجديدة، بحسب كمال.

ومنذ ذلك الحين، حرص كثيرون من الخلفاء والولاة على صبغ خطبة الحج بصبغة سياسية تؤيد دولتهم، بل وازداد عدد المتصارعين على منصب إمارة الحج، بعد أن أصبح مطلباً لكل حزب سياسي يحاول أن ينشئ دولة.

ففي سنة 68هـ، وقفت بعرفات أربعة ألوية: واحد بقيادة محمد بن علي بن أبي طالب المعروف بابن الحنفية، وثلاثة أخرى بقيادة كل من عبد الله بن الزبير، ونجدة الحروري (كان خارجي وصاحب مذهب الحرورية)، وبني أمية.

ورغم الصراع والتنافس على إمارة الحج، إلا أنه لم يجرِ بينهم أي قتال، بمسعى من الإمام الفقيه محمد بن جبير، واكتفى كل أمير بتسيير شؤون أتباعه، ذكر كمال نقلاً كتاب "تاريخ الأمم والملوك" لابن جرير الطبري.

وأدى التنافس على الإمارة أحياناً إلى عدم تمكين الناس من إتمام الشعائر كما حدث سنة 72هـ، حين استولى على إمارة الحج الحجاج بن يوسف الثقفي وانتزعها من ابن الزبير، فلم يحج ابن الزبير ذلك العام ولا أصحابه، كما أن الحجاج لم يطف حول الكعبة ولم يسعَ بين الصفا والمروة لأن ابن الزبير منعه.

وكان الحجاج يحاصر ابن الزبير، واتخذ جبل أبي قبيس المشرف على مكة مقراً له يرمي من فوقه بالمنجنيق على الأخير وأصحابه.

ولولا تدخل عبد الله بن عمر في ذلك النزاع لما تمكن الناس من إتمام  الشعائر، فقد أرسل للحجاج وطلب منه أن يكف عن رمي الحجارة على الناس حتى يقضوا ما عليهم من شعائر، فتوقف الرمي حتى عاد الحُجاج من عرفة وطافوا وسعوا، كما لم يمنع ابن الزبير الحجيج من الطواف والسعي، فلما فرغوا من طواف الزيارة نادى منادٍ فيهم أن انصرفوا إلى بلادكم فإنا نعود بالحجارة على ابن الزبير، حسبما نقل كمال عن الطبري.

وبعد تمكن عبد الملك بن مروان من القضاء على ابن الزبير والسيطرة على الحجاز، تولى إمارة الحج بنفسه بعد ذلك بعامين وتحديداً سنة 75هـ، وخطب في الناس مبيّناً وجهة نظره السياسية ومهدداً كل مَن تسول له نفسه الخروج عليه بالقتل، روى كمال.

لكن موسم 129هـ كان على موعد مع حدث فريد من نوعه. فبينما كان الحُجاج في عرفة تحت إمرة عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك، طلعت عليهم أعلام وعمائم سود على رؤوس الرماح تحت زعامة رجل يدعى أبو حمزة الخارجي، أحد خطباء مذهب الأباضية، فلما كان النفير الأول تعجل ابن سليمان ونفر فيه وترك مكة للخارجي الذي دخل مكة وخطب بالحجيج خطبة طويلة بيّن فيها مذهبه، وبذلك كان لابن سليمان دور في تجنب القتال، ذكر ابن الخياط في كتابه.

العباسيون... صراع الفرق الدينية والسياسية

عندما قامت الخلافة العباسية، سنة 132هـ، عين الخليفة أبو العباس السفاح عمه داود بن علي العباس أميراً للحج، وعند بلوغه مكة خطب في الحجاج وبيّن وجهة نظر الدولة الجديدة، كما خطب على منبر المدينة المنورة.

في تلك الحقبة، كانت إمارة الحج هدفاً لكل الطامعين من علويين وخوراج وغيرهم لنشر آرائهم السياسية وبيان دعوتهم، باعتبار ذلك يسرع في انتشارها في الأقطار الإسلامية ويساهم في نجاحها.

في موسم 169هـ، ولى الخليفة موسى الهادي إمارة الحج إلى سليمان بن أبي جعفر، وخرج عليه الحسين بن علي بن الحسن الطالبي من المدينة المنورة ومعه أنصاره، واقتتل هو وأمير الحج يوم التروية حتى تمكن سليمان من قتله وبعض مَن كانوا معه في وادي فخ (يبعد عن مكة ثلاثة أميال) فيما هرب الباقون واختلطوا بالحجيج، روى كمال نقلاً عن ابن خياط.

ظهرت مهام سياسية مختلفة لأمير الحج. كان يمثل الدولة التي ترسله، فيمارس الدعاية السياسية لها، ويروج لمذهبها، ويحذر من الثائرين عليها ويحشد الحجاج ضدهم، لذا شهدت بعض مواسم الحج مشاحنات بين أمراء فرق مختلفة
كان أول حضور للسياسة في خطبة أمير الحج سنة 41هـ، حينما عيّن الخليفة معاوية بن أبي سفيان، بعد تمكنه من إنشاء الدولة الأموية، أميراً للحج خطب خطبة صبغها بصبغة سياسية وبيّن فيها وجهة نظر الدولة الجديدة

وعلى غير المعتاد، منع الثائرون والخارجون على الدولة العباسية أمير الحج من الخطبة في عرفة سنة 199. في ذلك العام، أرسل الخليفة المأمون سليمان بن داود بن عيسى بن موسى أميراً على الحج، فخرج عليه الحسين بن حسن بن علي بن أبي طالب، والمعروف بـ"الأفطس"، فاضطر أمير الحج إلى التنحي ولم يمضِ إلى عرفة، وسار الحجاج إلى عرفة ثم إلى المزدلفة بدون أمير عليهم، حتى أن صلاة العيد حين حضرت في عرفة صلاها الحجاج بدون خطبة، حسبما روى ابن الخياط.

لكن في الموسم التالي، تولى إمارة الحج أخو الخليفة عبد الله المأمون، أبو إسحاق المعتصم بالله، وتمكن من القضاء على حركة ابن الأفطس والقبض عليه.

المماليك... التدخل في شؤون مكة

في العصر المملوكي، أخذت إمارة الحج بُعداً آخر، تمثل في التدخل في شؤون مكة. يذكر حسن فرحان عبد الساتر عطية في دراسته "الدور السياسي والحضاري لأمراء الحج المصري في مكة في العصر المملوكي" أن منصب شريف مكة اتسم بعدم الاستقرار والانقلاب عليه دائماً من الأشراف الآخرين.

وبحسب عطية، بدأ دور أمراء الحج المماليك السياسي يظهر في الصراع بين الأشراف بعد وفاة أبو نمى بن قتادة بن إدريس سنة 701هـ. وقتها كان يتمتع بحماية مملوكية وجراية تدفع له مقابل التنازل عن استقلاله الذاتي، إذ كان يحكم بموجب تقليد ممنوح له من السلطان المملوكي.

وقبل أن يموت أبو نمى، أمر بأن يُدعى لولديه حميضة ورميثة على قبة زمزم بصفتما شريكين له في إمارة مكة دون باقي أبنائه. وبعد وفاة أبيهما استمرت مشاركتهما في الحكم لمدة عشرة أشهر، نازعهما فيها محمد بن إدريس بن قتادة من جهة، وأخواهما أبو الغيث وعطيفة من جهة أخرى.

وكانت لهذا الخلاف آثار كبيرة على سياسة مكة الداخلية وعلى وضعها الأمني، فانقسم الناس في تأييد الإخوة، ومال بعض أمراء الحج إلى تأييد بعضهم دون بعض، ما أدى إلى تطور النزاع واستمراره لفترة طويلة.

وفي موسم الحج سنة 701هـ، اجتمع أبو الغيث وعطيفة مع أمير الحج بيبرس الجاشنكير، وتم الاتفاق على توليتهما إمرة مكة، وعزل حميضة ورميثة، ولم يكتفِ الجاشنكير بذلك بل قبض على الأخيرين وسجنهما في مصر، روى عطية نقلاً عن كتاب "الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة" لابن حجر العسقلاني.

وعندما لم يستطع كل من أبي الغيث وعطيفة ضبط الأمور في مكة، أرسل السلطان الناصر محمد بن قلاوون مرسوماً بعزلهما والقبض عليهما سنة 704هـ، وذلك مع أمير الحج المصري عز الدين أيبك خازندار الذي اصطحب معه حميضة ورميثة إلى مكة وأجلسهما على عرش الإمارة، واستمرا في حكم مكة حتى عُزلا سنة 713هـ، روى عطية نقلاً عن كتاب "اتحاف الورى بأخبار أم القرى" النجم محمد بن فهد.

وسنة 752هـ، طلب الشريف ثقبة بن رميثة من أمير الحج المصري طيبغا المحمدي أن يحارب معه أخاه أمير مكة الشريف عجلان، ولكن المحمدي رفض، فما كان من ثقبة إلا أن استعد لمحاربة أخيه، ولكن أمير الحج المصري أرسل وفداً إلى الشريف عجلان، وتفاوض معه درءاً للشر على أن تكون إمارة مكة مشاركة بينه وبين ثقبة، ثم توجه الوفد إلى ثقبة وعرض عليه الأمر فوافق.

وبحسب عطية، لم يستمر الوفاق طويلاً بين الإخوة ثقبة وعجلان. ففي سنة 754هـ شكا عجلان إلى أمير الحج المصري زين الدين عمر شاه الحاجب من أخيه ثقبة، فطلب الأمير من بعض الأمراء الذهاب إلى ثقبة ومعهم عجلان من أجل الصلح، لكن ثقبة رفض، فأمر الأمير بالقبض عليه ومَن معه من إخوته وبني عمهم وكبّلوا بالحديد، ثم أحضر الشريف عجلان وألبسه الخلعة وأقره على حكم مكة، ثم ذهب أمير الحج بالمقبوض عليهم إلى مصر.

غير أن النفوذ المصري لم يمنع من وجود منافسة شرسة بين أمراء الحج المصريين والآخرين القادمين من الشام والعراق واليمن، من أجل مد نفوذ دولهم على مكة، ما أدى إلى مناوشات متبادلة، ذكر عبد الباقي السيد.

ويروي السيد أن الملك المجاهد الرسولي ملك اليمن أدى مناسك الحج سنة 751هـ، وأراد أن ينزع كسوة الكعبة المصرية ويكسوها بواحدة من بلاده، فلما علم بذلك شريف مكة عجلان بن رميثة أخبر أمير الحج المصري فارس الدين البكي، فقبض على الملك وحمله إلى القاهرة.

ولم تكن اليمن وحدها الطامعة في الحصول على نفوذ سياسي لها في مكة بل شاركها أيضاً ملوك المغول في العراق. فسنة 877هـ، منع أمير الحج المصري برسباي الأشرفي المحمل العراقي من دخول مكة، ولتحقيق مراده أمر أمير الحج الشامي بالنزول بجميع حجاج الشام بين الحجونين وهي منطقة في أعلى مكة.

وبحسب عطية، اتجه أمير الحج المصري بعد ذلك بعساكره ومعه شريف مكة محمد بن بركات إلى أمير الحج العراقي وقبضوا عليه وعلى نائبه، وقيّدوهما ودخلوا بهما مكة وحجوا بهما وهما مقيدين.

ويروي عطية نقلاً عن ابن فهد، أن أمير الحج المصري طلب من حجاج العراق ترك المحمل في وادي سرف والدخول إلى مكة لأداء المناسك، وبعد انتهاء الحج اصطحب  أمير الحج المصري نظيره العراقي ومحمله، بعد أخذ كسوته وزينته، إلى مصر.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard