المدّ والجزر السريالي الذي يحدث داخلنا لحظة اكتمال القمر

الأربعاء 7 أغسطس 201904:41 م

"إنه خطأ القمر. لقد اقترب من كوكبنا أكثر مما يجب، وتسبّب بجنون الناس"، هذه العبارة وردت في مسرحية أوتيلو (عطيل) للكاتب الإنجليزي الشهير ويليام شكسبير، وتبناها الكثير من الناس عبر قرونٍ من الزمن، عن طريق ربط بعض الأحداث الغريبة والقصص الشعبية بظاهرة اكتمال القمر.

فقد اهتمّ العرب قديماً بتأثير القمر على الإنسان، سواء أكان ذلك على حالته الصحية أو وضعه النفسي، بحيث أنهم كانوا يحذّرون من لدغة العقرب في الليالي القمرية، كما أنهم كانوا يخشون من الذئاب في هذه الليالي، لاعتقادهم بأنها تكون في قمّة شراستها.

وفي وقتنا الحاضر، لا يزال بعض الناس يشعرون بوجود علاقةٍ خفيةٍ وسريالية بينهم وبين القمر، ويعتقدون اعتقاداً جازماً أن الاعترافات، الأمراض النفسية، حوادث المرور، جرائم القتل والانتحار، جميعها تكثر لحظة إكتمال القمر.

خرافات وأساطير

يُعدُّ القمر أوضح أجرام السماء وأكبرها، باستثناء الشمس، والجرم السماوي الوحيد الذي هبط عليه البشر بأقدامهم.

عُرف القمر باللغات السامية القديمة، ومنها العربية، باسم "سنين" ومنه اشتُق اسم شبه جزيرة سيناء وجبل صنين في لبنان.

بروز القمر في السماء المظلمة ليلاً ودورته المنتظمة، كلها عوامل عزّزت من أهمية القمر على مرِّ العصور القديمة وتأثيره الثقافي على اللغة، الفنون، والأساطير القديمة المتمثلة في آلهة القمر، على غرار خونسو في الديانة المصرية القديمة.

وقد تبنّى البعضُ الفرضيةَ التي تقول بأن القمر حين يكون بدراً كاملاً يؤثر على عقول الناس ويدفع بعضهم إلى الجنون، حتى أن كتّاب الروايات وصنّاع الأفلام ركّزوا على هذه المسألة في أعمالهم، ولعلّ أهمها رواية فرانكنشتاين للكاتبة ماري شيلي في العام 1816، والتي استوحت أحداثها من ضوء القمر الذي صار بدراً فغمر بحيرة جنيف في سويسرا.

في وقتنا الحاضر، لا يزال بعض الناس يشعرون بوجود علاقةٍ خفيةٍ وسريالية بينهم وبين القمر، ويعتقدون اعتقاداً جازماً أن الاعترافات، الأمراض النفسية، حوادث المرور، جرائم القتل والانتحار، جميعها تكثر لحظة اكتمال القمر

ما هي أبرز الأساطير التي ارتبطت بظاهرة اكتمال القمر؟

الجنون: لقرونٍ عديدة كان الناس يعتقدون أن القمر يؤثر على السلوك البشري، فكلمة lunacy التي تعني الجنون، مشتقة من الكلمة اللاتينية lunaticus التي تعني moonstruck أو شارد الذهن/حالم.

وبالتالي فإن الأسطورة الأكثر شيوعاً تشير إلى أن اكتمال القمر يجعل الأشخاص يتصرّفون بجنون، وهي نظرية نشأت منذ بداية التاريخ البشري، بحيث ربط الناس القمر الكامل بالفوضى والسلوك الخاطئ.

وقد اعتقد العديد من الفلاسفة والمفكرين أمثال أرسطو أن الجنون والصرع سببهما القمر، وبأن البدر يتسبّب في حماقة بعض الأفراد، معللين ذلك بأن الدماغ يحتوي على كميةٍ كبيرةٍ من المياه، وبالتالي لا بدّ أن يتأثر بالقمر وبقوته المؤثرة في المدّ والجزر.

الدورة الدموية والإنجاب: ربطت العديد من النظريات في الحضارة القديمة بين مراحل القمر ودورة الطمث عند النساء، على اعتبار أن دورة القمر ثابتة في حوالي 29,5 يوماً والدورة الشهرية تحدث كل 28 يوماً في المتوسط.

وبالمثل، اعتقدت الحضارات القديمة أن القمر يلعب دوراً هاماً في مسألة الخصوبة ويُشاع أن النساء الحوامل أكثر عرضةً للإنجاب عند اكتمال القمر، ففي دراسةٍ تمّت في اليابان، قام الباحثون بتتبع حوالي 1000 ولادة في مستشفى خاص في كيوتو، ووجدوا بأن المزيد من الأطفال ولدوا عندما كان القمر في أقرب نقطةٍ إلى الأرض، حيث كانت الجاذبية أقوى.

النزيف: يقول بعض الباحثين إن 82% من نوبات النزيف الدموي الحادّ تحدث عند اكتمال القمر، لذلك يتجنّب بعض الأطباء إجراء العمليات الجراحية في هذه الفترة.

الحيوانات: البعض يعتبر أن القمر الكامل لا يؤثر فقط على البشر بل على الحيوانات أيضاً، فانطلاقاً من أسطورة البدر الذي يجلب الذئاب الضارية، يعتقد بعض الأشخاص أن تأثير القمر من الممكن أن يطال أيضاً حيواناتهم الأليفة، والتي قد تتصرّف بشكلٍ مختلفٍ عن المعتاد عند اكتمال القمر.

القمر وتأثيره على مزاجنا اليومي

منذ آلاف السنين كان هناك اعتقاد بأن القمر له تأثير معيّن على السلوك البشري، على مزاج الأفراد وعلى قراراتهم التي يمكن أن تتغير بالطريقة نفسها التي تتغير بها مراحل القمر.

في كتابه How the Moon Affects You (كيف يؤثر القمر عليكم)، يقدّم عالم النفس الأميركي أرنولد ليبر، بعض الأدلة التي تكشف أن القمر لا يؤثر على البيئة الجيوفيزيائية للإنسان بل على سلوكه اليومي أيضاً.

فقد أوضح ليبر أن القمر في فترة اكتماله يؤثر بشكلٍ كبير على مزاج الإنسان، معلّلاً ذلك بالقول إن جسم الإنسان مكوّن من حوالي 70% من الماء، وبما أن القمر هو السبب في المدّ والجزر في البحار والمحيطات، فإنه من المؤكد أن تتأثر أعضاء الجسم بتلك التأثيرات التي يصنعها القمر على المياه في الجسم، ما قد يؤثر على الحالة المزاجية للإنسان.

في مرحلة المراهقة، بدأت الشابة اللبنانية نور (38 عاماً) تختبر بنفسها تأثير القمر الكامل على مزاجها، وفق ما تكشفه لرصيف22 بالقول: "بلّشت القصة من أنا ومراهقة، كنت لاحظ إنو بفترة الـfull moon ما بكون فيي نام، بحسّ بأرق وبإنو في شي غريب بالغرفة وبإنو جسمي كلو واعي ورافض يستسلم للنوم".

عندما أخبرت نور قريبتها بالموضوع، كشفت لها هذه الأخيرة أنها تعاني بدورها من هذه "التقلّبات" والتي تبيّن لها أنها مرتبطة إلى حدٍّ ما باكتمال القمر.

وبعد الاطلاع أكثر على الموضوع، أصبحت نور على درايةٍ أكثر بكيفية تأثير ظاهرة اكتمال القمر على مزاجها، والتي تُشبّهها بلحظة الحقيقة، أي اللحظة التي تتعزّز خلالها مشاعرها: "إذا كنت رايقة قبل هالفترة وقتها يكتمل القمر بشعر بتجانس رهيب بيني وبين نفسي، وفي حال كنت متوترة بزيد التوتر والغضب بهالفترة".

من هنا بدأت تتعلم كيفية الاستعداد بكل قواها لهذه المرحلة، عن طريق تهدئة نفسها والابتعاد عن المشاكل حتى تمرّ هذه المرحلة على خير.

تعتبر نور، التي تعمل كمهندسة مناظر طبيعية، أن للقمر طاقة قوية قادرة على تغيير حياتنا والتأثير على حالتنا النفسية ومزاجنا، نظراً للعلاقة القوية والمتينة التي كانت تربط الإنسان القديم بالقمر: "تخايلوا قديه من زمان كانوا البشر يعتمدوا على القمر مثلاً لتحديد الوقت، وبالتالي كان مفهوم الوقت متجانس مع الطبيعة ومتعلق بدورة القمر"، هذا وتعبّر عن أسفها لتحوّل الإنسان الحديث إلى كائنٍ يعيش بعزلةٍ عن الطبيعة: "للأسف صرنا آلات بيتحكّم فينا الوقت يلي بالأساس نحنا اللي اخترعناه، وبسبب الحضارة ابتعدنا عن الطبيعة وبطلنا نشعر بضو القمر، من هون بلش جسمنا يستقبل الأمراض والـstress".

وبدوره، سلّط موقع بي بي سي الضوءَ على قصة شابٍ يبلغ من العمر 35 عاماً، اعتاد طوال حياته على حلّ المشاكل، إلا أنه لم يتمكن من إيجاد حلٍّ لمعضلته التي تتمثّل بتقلّب مزاجه، ما استدعى دخوله إلى جناح سياتل للطب النفسي في العام 2005.

كان الشاب يعاني من تقلبٍ حادٍّ في المزاج، مع ما يتضمنه ذلك من تخيّلاتٍ ودوافع للانتحار، أو رؤية أو سماع أشياء غير موجودة، أما بالنسبة إلى نمط النوم لديه فكان غير منتظمٍ على الإطلاق، ويتراوح بين الأرق شبه التام إلى النوم لـ12 ساعة متتالية.

في محاولة منه لفهم ما يدور في ذهنه، احتفظ الشاب بسجلّاتٍ دقيقةٍ لهذه الأنماط والتي أطلع عليها الأخصائي في علم النفس ديفيد أفيري، وتعجّب من إيقاعها، إذ بدا وكأن مزاج المريض وأنماط نومه تتعقّب دورات القمر.

وبعد مرور حوالي 12 عاماً على هذه الحادثة، نشر الطبيب النفسي توماس وير دراسةً وصف خلالها حالة 17 مريضاً يعانون من نوعٍ من أنواع اضطرابات ثنائي القطب، والتي ينتقل الناس فيها بين الاكتئاب والهوس بسرعةٍ أكبر من المعتاد، وتمرّ تلك الاضطرابات على شكل دوراتٍ منتظمةٍ بدقة، وهو ما دفع وير إلى القول: "الشيء الذي أدهشني بشأن هذه الدورات هو أنها بدتْ دقيقةً بشكلٍ غير طبيعي وبطريقة لا يتوقعها المرء من عمليةٍ بيولوجية، ما دفعني للتساؤل عما إذا كان هناك نوعٌ من التأثير الخارجي على هذه الدورات"، وأضاف وير لموقع بي بي سي: "بسبب الاعتقاد التاريخي بأن القمر يؤثر على السلوك الإنساني، فإن الشيء الواضح الذي يجب مراعاته هو ما إذا كان هناك تأثير قمري".

لسنواتٍ، تتبع توماس وير تواريخ نوبات مزاج المرضى، ووجد أنهم ينقسمون إلى فئتين: تقلبات مزاج بعض الأشخاص كانت تتبع دورة 14.8 يوم، في حين أن الآخرون يتبعون دورة 13.7 يوم، غير أن هذا لا يعني بأن مزاج هؤلاء يتحوّل إلى الاكتئاب أو الهوس كل 13.7 أو 14.8 يوم، إنما يعني أن هذا التقلب في المزاج يميل إلى الحدوث خلال مرحلةٍ معيّنةٍ من المد والجزر القمري.

موقف العلم

صحيح أنه من الناحية العلمية، لا يمكن لأحد تجاهل تأثير جاذبية القمر التي تسفر عن وقوع عمليتي مد وجزر المحيطات، غير أنه في المقابل وكما اشرنا في السابق هناك العديد من الأساطير والخرافات التي تحيط بالقمر الكامل، والذي يظهر عندما يكون كل من القمر والأرض والشمس في خطٍ واحدٍ مستقيم.

القمر الكامل كان يجسّد الخصوبة لدى المرأة، وبالتالي كان البعض يربط دورة القمر بالدورة الشهرية عند المرأة وبمسألة الإنجاب

فقد أوضحت الأخصائية في علم الفيزياء الفضائي الدكتور سيرين نعمة لرصيف22، أن القمر شغل بال الإنسان القديم والذي كان ينظر باستمرار إلى السماء، فيراقب النجوم ويتعقّب دورة القمر، مشيرةً إلى أنه في بعض الحضارات والديانات القديمة كان البشر يعبدون الشمس والقمر وكل ما يجهلونه، ويولون أهمية خاصة للقمر ويعتبرون أنه المسؤول عن الفيضانات والشتاء وغيرها من الظواهر الطبيعية، فيتفاءلون لحظة ظهوره ويتشاءمون عند حدوث الخسوف، فيُكثرون الصلاة ويقدّمون القرابين حتى يظهر القمر من جديد.

ولكونه أبيض وبدراً ويعكس النور، أشارت نعمة إلى أن القمر الكامل كان يجسّد الخصوبة لدى المرأة، وبالتالي كان البعض يربط دورة القمر بالدورة الشهرية عند المرأة وبمسألة الإنجاب.

وبالرغم من نظرية الماء التي يتكوّن منها جسم الإنسان، إلا أن سيرين أكدت أنه حتى الآن لا يوجد دليل علمي قاطع يدعم هذه المعتقدات والقصص الشعبية، ويثبت تأثير جاذبية القمر على جسم الإنسان وتصرّفاته وأفعاله، مشددةً في الوقت نفسه على الطاقة الكبيرة التي يمتلكها القمر والعلاقة الغريبة التي بناها الإنسان مع هذا الجرم السماوي النابض بالحياة.

أما بالنسبة إلى اختلاف النظرة إلى القمر بين الأمس واليوم، فقد اعتبرت نعمة أن الإنسان  القديم كان يعتمد على القمر لتحديد الوقت ولتنظيم بعض الأعمال خاصة في مجال الزراعة، في حين أن الإنسان الحديث، نتيجة عصر السرعة والثورة التكنولوجية، ابتعد عن الطبيعة والتي بدأت مؤخراً تنتفض وتثور عليه، وبالتالي ترجّح سيرين أن يستمع الإنسان المعاصر إلى نداء الطبيعة ويعود إلى أحضانها من جديد فيعيش بتجانسٍ معها ومع مكوناتها، فالطبيعة في نهاية المطاف هي بمثابة أمنا "بلاها ما فينا نعيش، هي الدواء وإذا ما انتبهنا عليها ما رح نكون مطولين على الأرض"، على حدّ قولها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard