بينهم مشايخ وقساوسة... أشخاص يدعمون سراً مرضى الإيدز في مصر

الأربعاء 7 أغسطس 201907:23 م

طرد مشفى حكومي بالعاصمة المصرية القاهرة الحالة "جورج ب"، بعدما كان يتلقى رعاية طبية، بعد إصابته بكسر في الساق وإجراء عملية جراحية له، وذلك على خلفية تحليلٍ أكّد إصابته بفيروس (HIV) أو الإيدز، في واقعة كنتُ شاهداً عليها عام 2016.

وتقدّمَت آنذاك الحقوقية أمينة عجمي بعدة خطاباتٍ وشكاوى إلى وزير الصحة، ومدير البرنامج الوطني لمكافحة الإيدز، تشكو فيها من رفض مستشفيات الوزارة قبول حالة "جورج ب".

ولم تشفع مخاطبات عجمي لصالح "جورج" في أن يحصل على الخدمة الصحية في أي مستشفى حكومي، بعدما تحجّجت جميعها إمَّا بِعَجز الخدمات أو عدم وجود أسرّةٍ خالية، حتَّى ارتقت روح "جورج" لخالقها في 12 سبتمبر 2016، بعد رحلة معاناةٍ قاربت الشهرين، كان فيها موصوماً بسبب الإيدز.

"جورج" واحد من 16 ألف متعايش مع الإيدز في مصر، حسب إحصاءات، وواحد ممَّا يزيد على 200 ألف متعايش بالفيروس في مصر، حسب ما تؤكّده بعض المراكز والجمعيات المتخصصة في تقديم الدعم لمرضى الإيدز، فانتشار فيروس نقص المناعة المكتسب يُقارب نسبة الوباء (5%)، ومن بين الفئات الأكثر عرضة للفيروس متعاطو المخدَّرات عن طريق الحقن، والمثليون.

ما يتعرّض له مرضى ومتعايشو الإيدز في مصر من اضطهادٍ في المستشفيات والعيادات الصحية، ومن وصم المجتمع، دفعهم للبحث عن بدائل أخرى في الخفاء، في أواخر عام 2015 وزّع برنامج "الحرية من الإيدز" كُتيباتٍ محدودة العدد على حاملي فيروس HIV، تحوي أرقاماً وعناوين أطباء وحقوقيين وشيوخ وقساوسة وجمعيات أهلية، يقدّمون كافة أشكال الدعم بسرّية للمتعايشين.

الكُتيب أو الدليل، وهو الأول من نوعه في مصر، غير مسموح بتداوله تماماً خارج نطاق المتعايشين، ويأتي بعد ثمرة 3 سنوات من العمل لـ"برنامج الحرية"، كمؤتمرات وورش عمل وحملات توعية، حسب ما أكّده مدحت ماهر، مدير قطاع الوصول بالبرنامج.

يقول ماهر لرصيف22، إنه يوجد دليل آخر بالاشتراك مع 25 جمعية لخدمات المتعايشين، ولكن يحظر توزيعه على المتعايشين بناءً على رغبة من وافقوا على تقديم الخدمة فيه لمرضى الإيدز، حيث أن التوصيل بين المتعايشين ومُقدِّم الخدمة يتم مباشرة عن طريق 7 جمعيات فقط.

خدمات الجمعيّات المدنيّة

تُقسم الخدمات المقدمة للمتعايشين في الكُتيب إلى صحيّة، بتوفير أطباء باطنية، وأسنان، نساء، توليد، حميات، جلدية، تناسلية، وجراحة عامة، إضافة إلى ممرّضين، ونشطاء مسؤولين عن التشبيك بين المتعايشين والجمعيات.

وتُقدّم خدمات قانونية، حيث يوجد محامون يقدمون الاستشارات والدعم القانوني، وهيئات وجمعيات أهلية لإعداد لقاءات وحملات توعية. يشترك في تقديم تلك الخدمات قادة دينيون، يقع على عاتقهم الدعم النفسي والديني والمشورة الروحية ودعوة المتعايشين للوقاية.

وتأتى محافظة "الشرقية" على رأس قائمة المحافظات التي تقدم الدعم بأنواعه لمتعايشي الإيدز بـ45 شخصاً موزعين بين أطباء وممرضين ومحامين، كما تصدرت القائمة أيضاً بـ12 فرداً من القادة الدينيين. وتأتي في المرتبة الثانية محافظتا القاهرة والغربية بـ35 شخصاً لكل منهما، وتحتل القاهرة مقدمة المحافظات من حيث عدد الأطباء الذين يقدمون الخدمة الصحية للمتعايشين بعدد 23 طبيباً، تليها محافظة البحيرة بـ17 شخصاً، ثم 16 آخرين في محافظة الإسماعيلية.

فيما وصل عدد الأشخاص القائمين على الخدمة السرية للمصابين بالإيدز في محافظات جنوب مصر: المنيا وأسيوط وسوهاج وقنا والأقصر وأسوان إلى 10 أفراد لكل منهم، بدون وجود أي من القادة الدينيين، وتذيلت القائمة محافظة البحر الأحمر بـعدد 5 أطباء.

"هكذا يتفاعل الطبيب مع مريض الإيدز"

إيهاب الخراط، عضو مجلس الشورى السابق ومدير برنامج الحرية من الإيدز، قال إن الكُتيب قطرة في بحر، وردُّ فعل على تعنّت الأطباء والمستشفيات في تقديم الخدمة الصحية للمتعايشين، وأنه لطالما كانت الوقاية خير من العلاج، فإن الحدَّ من انتشار فيروس نقص المناعة البشري (الإيدز)، يبدأ من حصول المتعايشين بالإيدز على حقوقهم الإنسانية وحقهم في الخدمة الصحيّة، لأن الحفاظ على تلك الحقوق خير سبيل للوقاية من المرض على المدى الطويل.

إيهاب الخراط مدير برنامج "الحرية من الإيدز": الحدَّ من انتشار الفيروس يبدأ من حصول المتعايشين بالإيدز على حقوقهم الإنسانية والصحية، الحفاظ على تلك الحقوق خير سبيل للوقاية

وأشار الخراط إلى أنَّ برنامج الحرية قام بتدريب عددٍ من الأشخاص في خمس محافظات بالتعاون مع المنظمة الدولية لقانون التنمية (IDO) لتجميع أفراد في كافة المجالات، لديهم الوعي والاستعداد لتقديم الخدمات للمتعايشين. ورغم أن نتائج "الدليل" مبشرة حتى الآن إلا أن بعض مرضى الإيدز تكون حالتهم الصحية معقّدة وتتطلب رعايةً خاصة في المستشفيات، والتي دائماً ما تتحجّج بنقص إمكانياتها، للتهرب من تقديم الرعاية الصحية.

"ما أقدّمه في عيادتي للمتعايشين بالإيدز لا يختلف عما تقدمه أي عيادة باطنة وكبد أخرى" هذا ما شدد عليه عاطف باخوم، استشاري الكبد والجهاز الهضمي ومدير البحث العلمي في برنامج "الحرية".

وأضاف باخوم لرصيف22 أن درجات التعقيم داخل عيادته "عادية" لأن فيروس الإيدز تقتصر طرق انتقاله على دم وجنس غير آمنين، ولكن يتمثّل الاختلاف في الخبرة العلمية للطبيب حتى يتعامل مع المتعايشين بدون وصم، لتقديم العلاج ومتابعة الجرعات والأعراض الجانبية والتعامل مع المضاعفات.

وبالرغم من أن عيادة الباطنة العامة لـ "باخوم" تستقبل حوالي 25 متعايش إيدز شهرياً، إلا أنه جزم بعدم معرفته إن كان المرضى العاديون القادمون إليها على علم بأنه أحد الأطباء الذين يقدّمون الخدمة الصحية للمتعايشين، موضحاً: "أنت عمرك ما هتميز المتعايش بالإيدز عن المريض العادي، لما بيقعد قدامي فقط بيقول لي أنه HIV، قبلها ما اعرفش".

ولأن  الإيدز يندرج تحت أمراض الباطنه، فجميع من يقصد عيادة "باخوم" يشتكون من كل مراحل المرض، بدايةً من السلوك الخاطئ، وصولاً للأعراض الجانبية. ونوّه باخوم بأن المميزات المادية للمتعايشين المقدمة في عيادته تعتمد على حالتهم المادية قائلاً: "مش هنبقى إحنا والزمن عليهم"، فبعضهم يخصم له نصف ثمن الكشف وبعضهم أقل، مشيراً إلى أن طريقة معرفة حالتهم المادية تعتمد غالباً على الجمعية الأهلية أو المركز الذي يتعامل معه.

"أمر غير لائق أن أسأل المتعايش عن كيفية أصابته بالإيدز أو منذ متى"

ويتابع باخوم: "أمر غير لائق أن أسأل المتعايش عن كيفية أصابته بالإيدز أو منذ متى، إلا لو صرّح هو بنفسه عن ذلك، كما أن العلم حتى الآن لم يكتشف وسيلة لمعرفة سبب الإصابة أو موعدها بالضبط، فقد يظل الشخص حاملاً للفيروس 10 سنوات دون أن يعلم، لعدم إجرائه تحاليل أو حدوث مضاعفات". مؤكداً أن الإعلام بكافة صوره، المسؤول الأول عن رفع التوعية بالإيدز للحدِّ من انتشاره، لأن المصاب به مريض يحتاج إلى عناية، وأنه يلتمس العذر للأطباء الذين يمتنعون عن تقديم خدماتهم للمتعايشين بحكم جهلهم به ولعدم دراستهم الكافية عنه في كليات الطب.

رجال دين يعظون ويساعدون

الشيخ أشرف العطار، واعظ أول بمحافظة الإسماعيلية، وأمين عام لجنة الفتوى بها، قرر أن يكون واحداً من القادة الدينيين الذين يقدمون الدعم الديني لمرضى الإيدز مع بداية الشهور الأولى من عام 2016، بعدما رشحته المنطقة الأزهرية التابع لها في 2014 بأن يكون متحدثها الرسمي بأحد المؤتمرات عن الإيدز، ليقوم بعدة مشاركات لاحقة، تعلم ودرس فيها عن المرض أكثر.

"الإيدز مرض زي أي مرض، لا يشترط أن تكون الإصابة به نتيجة علاقة "غير شرعية"، والناس عليها أن تتعامل مع مرضاه بطريقة عادية، لأن الرسول نهى أن يكون هناك وصم وتمييز بين فئة وأخرى" الشيخ العطار أزهري وواعظ أول في محافظة مصرية

يقول العطار لرصيف22: "الإيدز مرض زي أي مرض، لا يشترط أن تكون الإصابة به نتيجة علاقة غير شرعية، قد يكون عن طريق الدم الملوث أو من الأم لأبنها في الحمل، والناس عليها أن تتعامل مع مرضاه بطريقة عادية، لأن الرسول نهى أن يكون هناك وصم وتمييز بين فئة وأخرى، وأوصانا بالحسنى في التعامل مع المريض، والله سبحانه وتعالى قال (وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم) والعبرة هنا ليست بإنسان مريض أو صحيح".

مشيرًا إلى أن ما يقدّمه للمتعايشين من دعم عبارة عن الكلمة الطيبة وحثهم على الصبر والأخلاق الطيبة، وأنه يأكل ويشرب معهم ويستمع إلى شكواهم ويناقشها للوصول إلى حلول، مؤكداً أن معظم من قابلهم من المرضى حتى الآن كانت مشكلاتهم نفسية، بسبب أن واحداً تركته زوجته وآخر أهله قطعوا علاقتهم به وثالث تعثر في إيجاد طبيب لمرض آخر يعاني منه.

العطار استخدم منبر المسجد أكثر من مرة ليخطب في الناس عن حرمة النفور من أصحاب الفيروسات بأنواعها، وحثهم على التعامل مع مرضى الإيدز بطريقةٍ عادية، بالإضافة لحديثة إلى زملائه من الأئمة في الاجتماع الشهري الخاص بالمنطقة الأزهرية لتصحيح بعض المفاهيم عن الإيدز، وتوزيع بعض كُتيبات التوعية بالإيدز على المصلين في المساجد.

"كل من يمتنع عن تقديم خدمة صحية للمتعايشين بالإيدز يقع عليه جُرم كبير"  الشيخ العطار

ويضيف: "كل من يمتنع عن تقديم خدمة صحية للمتعايشين بالإيدز يقع عليه جُرم كبير لأن ربنا قال (وتعاونوا على البرِّ والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) وفي الرفض تعاون صريح على الإثم، ومريض الإيدز في النهاية يستحق الخدمة الصحية".

مؤكّداً أن تعامله مع متعايش الإيدز لن يختلف إذا ما أكّد له أن سبب إصابته بالفيروس علاقات غير شرعية، ويوضح: "الإنسان ليس معصوماً عن الخطأ، إحنا مش أنبياء، إحنا بشر نخطأ، وربنا قال في حديث قُدسي (لو لم تخطئوا وتذنبوا وتستغفروني لأتيت بأناس يخطئون ويذنبون ويستغفرونني)، ودورنا هو أن ننصحهم بالتوبة وندعوهم للتقرب إلى الله حتى لا ينتقل المرض إلى غيرهم".

فيما قال القس تواضروس عبيد، كاهن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بإيبارشيه البحيرة، إن خبرته في العمل لمدة 23 سنة بمراكز تأهيل المدمنين، كانت سبباً في أن يكون واحداً ممن يقدمون الدعم الروحي والديني للمتعايشين مع الإيدز مُنذ حوالي 4 أعوام، بعدما دُعي إلى إحدى ورش العمل والتوعية بالإيدز، لحقها بتردّده على عدد من المؤتمرات عن معاناة المتعايشين بالفيروس.

ويكمل لرصيف22: "أعتقد أن تشعر بآلام مريض الإيدز وبالتمييز الذي يقابله في حياته هو أكبر دعم نفسي وديني للمتعايش، أن تجامله وترشده وتُخرجه من يأسه ووحدته وتحاول أن تمنع الوصم هو ما نحاول أن نقدّمه للمتعايش، فأنا شخصياً لا استخدم نصوصاً دينية في تعاملي مع متعايش بالإيدز، بقدر ما أسعى إلى الإحساس بآلامه، خاصة أن نظرة المجتمع إليه حادة بسبب المفاهيم المغلوطة، ودوري أن أقلل من تلك النظرة وأمنعها، وأن أرشده إلى طريق التوبة إذا ما كان سبب إصابته بالإيدز علاقات غير شرعية".

مختتماً حديثه، بأن ثمة عبء كبير يقع على عاتق الأطباء لتغيير مفاهيم التعامل مع حاملي فيروس الإيدز ودعمهم بتقديم الخدمة الصحية اللازمة، بعيداً عما يقوم به بعض الأطباء والمستشفيات من رفضٍ كامل لمساعدة هؤلاء المرضى لكسب ثقة مرضى آخرين أيضاً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard