"لم يكن لدينا خيار"... أيزيديات يتلقين تدريبات نفسية في إسرائيل

السبت 6 يوليو 201906:20 م

رغم عدم اعتراف العراق بإسرائيل، خضع وفد من الأيزيديات العراقيات لدورة تدريبية في مجال العلاج النفسي خلال الأسبوعين الماضيين، في تل أبيب، لمساعدة مجتمعاتهن على تخطي صدمة ما فعله تنظيم داعش بها، عقب عودتهن إلى العراق، حسبما كشف تقرير لصحيفة هآرتس.

وأوضحت الصحيفة أن الإعداد لهذه الدورة "شبه السرية" تطلب إجراءات معقدة، منها إعطاء وزارة الخارجية معلومات مفصلة عن كل امرأة عراقية ستأتي إلى إسرائيل قبل أشهر.

ولفتت إلى أن "النساء تلقين تدريباً على التعامل مع الاكتئاب والقلق والكوابيس واضطرابات النوم الأخرى، وزرن شواطئ تل أبيب وحائط البراق (الحائط الغربي) ومركز ياد فاشيم التذكاري للهولوكوست".

وضم الوفد العراقي إلى الدورة التي جرت في قسم علم النفس بجامعة بار إيلان بوسط إسرائيل 15 سيدة غالبيتهن أيزيديات وقلة منهن مسيحيات. وحاول التدريب الإسرائيلي مساعدتهن، وجميعهن ناشطات في وكالات إغاثة مختلفة، على "التكيف مع اضطراب ما بعد الصدمة المعقد" الناتج من الأسر أو الإيذاء الشديد.

كما هدف التدريب إلى إفادة هؤلاء النساء من بعض الأدوات المكتسبة خلال التمرين القصير في إسرائيل لمساعدة بقية مجتمعاتهن على تخفيف "الجروح العاطفية العميقة" التي خلفها احتلال داعش لمناطقهن.

ورغم أن أياً منهن لم يسبق لها دراسة أو ممارسة الطب النفسي، فإن عملهن في وكالات الإغاثة يضطرهن كثيراً لسماع قصص عن فظائع داعش. لذا أقدمن على تلقي هذا التدريب للمساعدة في شفاء آخرين.

منظمة إسرائيلية "تخدم" في العراق

وقال الرئيس التنفيذي لمنظمة "IsrAID" الحقوقية الإسرائيلية، يوتام بوليزر، "بدأنا العمل في العراق بعد شهر من غزو داعش لها وتحديداً في سبتمبر/أيلول عام 2014"، مردفاً: "فهمنا على الفور أن أكثر ما يمكن أن نساعد به هو تقديم علاج الصدمات والمساعدة النفسية. كانت هناك حاجة ماسة لذلك".

وأوضح أن المنظمة أرسلت إلى العراق، خلال السنوات القليلة الماضية، حوالى 20 خبيراً إسرائيلياً "يحملون جنسية مزدوجة" لعلاج هذه الجروح النفسية.

وكان عدد الأيزيديين المقيمين في العراق، بالقرب من الحدود السورية، قرابة 500 ألف شخص. ولكن، عندما سيطر "داعش" على المنطقة في أغسطس/آب 2014، فر غالبيتهم، إلا أن التنظيم المتطرف تمكن من أسر قرابة 6500 من النساء والأطفال. 

تمكن بعض هؤلاء الأسرى من الهرب أو التحرير بُعيد استعادة العراق للمنطقة المحتلة في عام 2018. لكن لا يزال قرابة 3000 منهم في عداد المفقودين. وهنالك ناجون يصارعون العديد من الاضطرابات النفسية بسبب "الأسر، والتعذيب، وقتل الأهل، والاستعباد الجنسي".

قال يعقوب هوفمان، وهو أحد ثلاثة باحثين مختصين درسوا الصدمات النفسية للأيزيديات وشاركوا في الدورة التدريبية: "عملنا لمدة عام ونصف العام على الإعداد لهذا، والتعرف على ثقافة الأيزيديين. حاولنا بناء نموذج مثالي للتدريب الفعال في هذه المواقف، ولكن في النهاية، فإن الأشخاص الذين يخضعون للتدريب ليسوا من علماء النفس وخبراء الصحة العقلية. لذلك لا يمكننا تحديد إلى أي مدى سيفيد هذا التدريب حقاً".

وذكرت الصحيفة أن "الإسرائيليين الذين يقفون خلف المشروع (التدريب)، طوروا علاقة قوية مع الشعب الأيزيدي، وهم متحمسون لأن جهودهم بدأت تفعل على الأرض آملين أن تحدث فرقاً".

"لم يكن لدينا خيار آخر"

لا يقيم العراق علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، ولا يعترف بها. لكن هآرتس نقلت عن الطبيب الأيزيدي والناشط الاجتماعي المقيم في ألمانيا ميرزا دناي، تعليقاً على خضوع السيدات لتدريب علاجي في إسرائيل، قوله: "لم يكن لدينا حقاً خيار".

وأضاف دناي، الذي يسهم في عدة مشاريع لمساعدة النساء والأطفال الناجين من أسر داعش: "مسألة العلاج النفسي بأكملها غير شائعة في العراق، كما في البلدان العربية الأخرى. هناك معالج نفسي أو اختصاصي اجتماعي لكل 300 ألف شخص في العراق. لذلك، كان علينا الاستفادة من كل ما هو متاح".

عنف وإذلال واستعباد جنسي

تحدثت الصحيفة مع واحدة من عضوات الوفد وهي لمياء آجي بشار، الوحيدة التي يمكنها الكشف عن هويتها لأنها لن تعود مع بقية عضوات الوفد إلى العراق إذ تقيم حالياً في ألمانيا كجزء من برنامج تأهيل.

عانت آجي بشار كثيراً بسبب داعش، وهي تتذكر جيداً يوم 15 أغسطس/آب من عام 2014، حين اجتاح مقاتلو التنظيم الإرهابي قريتها "كوتشو" وذبحوا 80 رجلاً واستولوا على حوالى 100 امرأة، وهذا ما تؤكده تقارير إعلامية وحقوقية.

تروي آجي بشار للصحيفة الإسرائيلية: "قبض علينا داعش أثناء محاولتنا الفرار. أعدم والدي واثنين من إخوتي على الفور". ولاحقاً فصل التنظيم آجي عن والدتها وشقيقتها الكبرى وقريباتها الأخريات، وبعد يومين في الموصل (شمال غربي العراق)، نقلت إلى سوريا.

أُرسلت بشار البالغة آنذاك 15 عاماً إلى قاعدة لداعش تضم 60 رجلاً تناوبوا على الاعتداء عليها جنسياً. تعرضت آجي وأيزيديات أخريات في القاعدة للضرب لرفضهن اعتناق الإسلام، على حد قولها.

بيعت الفتاة أيضاً في سوق للنساء، تقول: "جمعوا كل الفتيات الأسيرات ووضعونا في حفرة كبيرة. كان مثل السوق. جاء الرجال، تفحصوننا، واختاروا التي أرادوها من بيننا". واشترى مواطن سعودي منضم للتنظيم آجي بشار، وبعد أيام اشترى أختها مصادفةً. خلال ثلاثة أشهر قضتها في سوريا، حاولت بشار الهرب مراراً، قبل أن يبيعها خاطفوها لعراقي أعادها إلى الموصل لكن دون أختها.

مؤخراً، خضعت 15 سيدة عراقية، أيزيدية ومسيحية، لدورة تدريبية في مجال المعالجة النفسية في تل أبيب، وهآرتس تكشف عن تعاون بين الجانبين لسنوات في هذا المجال
تزعم منظمة تطوعية إسرائيلية أنها تعمل "داخل العراق" منذ 2014 في مجال تقديم الدعم النفسي للناجين من داعش

وتؤكد آجي بشار أنها كانت "في البداية سعيدة بالعودة إلى العراق ولأن من اشتراها كان عراقياً وله عائلة". لكن فرحتها سرعان ما تلاشت لتعرضها لـ"العنف والإذلال والعبودية والاعتداء الجنسي".

وبعد أربع محاولات فاشلة للهرب والبيع مراراً داخل العراق، انتهى بآجي بشار الحال لدى مدير مستشفى انضم لداعش و"كان يحب العبيد الجنسيين لذا اشترى فتاتين أيزيديتين أخريين معها".

عبر هاتف محمول، تواصلت آجر بشار مع أسرتها والتخطيط للهرب مع زميلتيها الأيزيديتين الأخريين. وبالفعل جمع أقارب الفتيات 10 آلاف دولار لكل واحدة منهن.

لتخطي نقاط تفتيش داعش، اضطرت الفتيات للعبور من طريق تتخلله الألغام، انفجر أحدها، وفقدت آجي بشار التواصل مع زميلتيها ولم تعلم إذا كانتا بقيتا على قيد الحياة أو تمكنتا من الهرب أو لا.

طوال السنوات الثلاث الماضية، عاشت آجي بشار في ألمانيا ضمن برنامج لإعادة تأهيل 1100 امرأة وطفل من الأيزيديين نجوا من أسر داعش. خضعت الفتاة لسلسلة من العلاجات والعمليات لاستعادة بصرها، الذي كانت فقدته إثر انفجار اللغم، غير أن علاج الآثار النفسية لمعاناتها بسبب داعش قد يطول.

حصلت آجي بشار، التي تدرس بالمرحلة الثانوية حالياً وتعيش مع شقيقها واثنتين من شقيقاتها، على جائزة سخاروف من البرلمان الأوروبي عام 2016 عن عملها في مجال حقوق الإنسان، لكن كل هذا لم يكن كافياً لتتخطى ما حدث لها على أيدي داعش.

جحيم داعش لم ينته بعد

وروت طيبة عراقية مسيحية (30 عاماً)، ضمن الوفد، للصحيفة الإسرائيلية "معظم عملي كان مع الأيزيديين الذين اضطروا إلى الفرار وترك منازلهم"، مشيرة إلى أن "عدداً كبيراً من الناس قتلوا. أُعدم الرجال، وأُسر مئات النساء والأطفال. حولوا النساء إلى عبدات جنسيات وغسلوا أدمغة الأطفال لتحويلهم إلى مقاتلين".

في النهاية، وجدت الطبيبة العراقية غير المختصة بالعلاج النفسي نفسها مضطرة لتقديم "علاج الصدمات"، مردفة "أصبح مرضاي أصدقائي. الكثير من الأيزيديات تحملن فظائع داعش. في المنطقة التي أعمل فيها، سمعت كثيراً من قصص الاغتصاب الوحشي".

أضافت: "من أسوأ هذه القصص، قصة فتاة رفضت ممارسة الجنس مع رجل، ولمعاقبتها، اغتصب شقيقتها البالغة من العمر 9 أعوام أمامها. هذا أحد أنواع ‘الندوب‘ التي نتعامل معها".

وتابعت: "الاغتصاب ليس أسوأ الأمور، هناك أشياء أبشع. نتحدث عن أشخاص فقدوا عائلاتهم وجذورهم وكل مكونات حياتهم. بعض النساء لا يزال لديهن أطفال في الأسر. كانت إحداهن تشاهد قناة ‘الدولة الإسلامية‘ على يوتيوب ورأت ابنها، البالغ من العمر 14 عاماً، يفجر نفسه في هجوم انتحاري بعد غسل دماغه".

طبيبة أخرى (25 عاماً) قالت: "ليس الأمر متعلقاً بعمليات الخطف والقتل والاغتصاب فقط. فبعد خمس سنوات من العيش في الخيام في ظروف رديئة، تقابل الكثير من الأشخاص المصابين بالاكتئاب الشديد والقلق ولديهم ميول انتحارية ويأس عام".

وأشارت إلى أنه رغم انسحاب داعش من المنطقة، لا تزال العائلات تعيش في المخيمات، وقالت: "من الصعب العودة. هناك منازل دمرت والبنية التحتية مدمرة كذلك. لا توجد خدمات طبية، وفي بعض الأماكن قاموا بزرع الألغام وهناك منازل مفخخة. لا تتعجل الحكومة في التعامل مع هذا المكان البعيد، لذلك تبقى العائلات في المخيمات".

الجدير بالذكر أن الأمين العام لنقابة الأطباء في العراق شريف عزت سبق أن صرح لرصيف22 في سبتمبر/أيلول عام 2016: "في العراق يوجد 93 طبيباً متخصصاً في الأمراض النفسية، والسبب يكمن في عزوف الطلبة عن هذا الاختصاص".

ونهاية أبريل/نيسان الماضي، حذرت مفوضية حقوق الإنسان في العراق من تزايد حالات الانتحار في البلاد، مؤكدةً تسجيل 132 حالة ومحاولة انتحار خلال الربع الأول من العام الجاري، عزتها إلى "الضغوط النفسية والتغيرات" التي يشهدها المجتمع.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard