"شفتاك تقطران شهداً"...قطعة غزليّة من الكتاب المقدس

الخميس 8 أغسطس 201903:35 م

قد سبيتِ قلبي يا أختي العروس، قد سبيتِ قلبي بإحدى عينيك، بقلادةٍ واحدةٍ من عنقك. ما أحسن حبّك يا أختي العروس، كم محبّتك أطيب من الخمر، وكم رائحة أدهانك أطيب من كلِّ الأطياب. شفتاك يا عروس تقطران شهداً، تحت لسانك عسلٌ ولبنٌ، ورائحة ثيابك كرائحة لبنان.

ما مضى ليس نثراً أدبيّاً، يعبّر عن تغزّل عشيقٍ بمعشوقته، بل جزء من الكتاب المقدّس (العهد القديم)، وبالتحديد سفر "نشيد الإنشاد" المنسوب للنبي والملك سليمان الحكيم.

“نشيد الإنشاد” به 8 إصحاحات، أغلبها أحاديث غزليّة بين رجلٍ وامرأة، أو عنهما، ظاهرها يجعلها عرضةً للهجوم، إذ كيف تحظى هذه الأحاديث الجنسانيّة بقداسة إلهيّة؟

اختلف حول تفسير هذه الآيات تاريخيّاً، حسبما رصدت دراساتٌ مختلفة، منها دراسةٌ للباحثة في تاريخ المسيحيّة بجامعة شيكاغو الأمريكية Rachel Fulton Brown، عنوانها: "MIMETIC DEVOTION, MARIAN EXEGESIS, AND THE HISTORICAL SENSE OF THE SONG OF SONGS" ودراسةٌ أخرى بعنوان: "Desire: the Resisting Power against Death" للباحث في الآداب العبريّة Wonje Jung، ومن خلال الدراستين نلقي الضوء على بعض تفسيرات النشيد، التي اتخذت منحى صوفيّاً باطنيّاً.

العروس هي الكنيسة.. التفسيرات الأولى للنشيد

البعض اقترح أن النشيد وُضع لغرضٍ تعليمي، لإكساب بني إسرائيل الفضائل المثاليّة في الحبِّ والزواج، والدليل أنهم كانوا ينشدونه في حفلات الزفاف حتى بداية القرون الوسطى، ويلاحظ وصف العروس بـ"الأم، والأخت"، وقد كانت تلك الأوصاف للمحبوبة شائعةً في بعض حضارات الشرق الأوسط القديمة كالحضارة المصريّة.

ولكن، لا يوجد دليل على أن النشيد يحكي قصّة زوجين، وإلى جانب ذلك، فالتعليمات الأخلاقيّة ليست واضحةً بما فيه الكفاية، بحسب Wonje Jung.

الرصد التاريخي يبيّن أن التفسيرات المجازيّة التي حوّلت الغزل الجنسي في النشيد إلى معانٍ أخرى مقدّسة، ظهرت بعد تقديس النشيد لا قبل تقديسه، فالتفسيرات كانت تجيب عن السؤال: لماذا نقدّس أشعاراً ترصد علاقة حبِّ امرأةٍ برجل؟

البعض اعتبر أن النشيد يرصد علاقة الله ببني إسرائيل، باعتبار الربّ هو الرجل، والأنثى بنو إسرائيل، وحين جاءت المسيحيّة تطوّرت التفسيرات، لتشمل الربّ، الكنيسة، المسيح، والعذراء، كعناصر أساسيّةٍ يتناولها النشيد، رغم أن أسماءهم لم تَرِد مطلقاً في النص.

وفي مقدّمة تفسيره للنشيد، أكّد اللاهوتي الشهير أوريجانوس الإسكندريّة (تـ 253)، أن النشيد هو أغنيةٌ زواجيّة، يبدو أن سليمان كتبها بشكلٍ درامي، ولكن ما فيها هو كلام الله، هو كلام محترق بالحبِّ السماوي، يعبّر عن عاشقٍ يحبّ بعمقٍ، سواء كانت المحبوبة هي الروح، أو الكنيسة.

مريم العروس تتزوّج بالربِّ وابنه

وحتى القرن الثاني عشر كان الثابت أن العروس في النشيد هي الكنيسة أو الروح، والعريس هو المسيح في الحالتين، ولكن بدأ التغيّر في الفهم يحدث منذ القرن التاسع، حين بدأت بعض آيات النشيد تتردّد في المحافل الطقوسيّة لصعود ومولد العذراء.

كانوا يفعلون ذلك قبل تفسير الآيات على أن المقصود بالعروس هو مريم، وأن العريس هو المسيح. إلى أن أجاب البابا هونوريوس الثاني عام 1100 في كتابه " Sigillum beatae Mariae in answer" عن السؤال: لماذا يقرأ نشيد الإنشاد في أعياد مريم، رغم عدم وجود علاقةٍ بين نصِّه والحدث الذي يُقرأ فيه؟ فأجاب جوابين، الأوّل: إن مريم كنيسة، فهي أم والكنيسة أم، وعذراء والكنيسة عذراء.

أما الثاني: فهو أن نشيد الإنشاد بمثابة دراما تحكي قصّة لمِّ شمل مريم بالمسيح في الجنّة، ولذلك يُقرأ النشيد في عيد صعودها .

ثم قدّم هونوريوس تفسيراً آخر لنشيد الإنشاد عام 1132، بعنوان "Expositioin Cantica canticorum"، اعتبر خلاله أن العرس أو الزفاف في النشيد يُفسَّر بطريقتين، الأولى هي الاتحاد الجسدي الكامل، كما في حالة سليمان وابنة فرعون، والثانية تعبّر عن اتحادٍ على طريقة الخطوبة فقط، كما في حالة مريم ويوسف النجّار.

اعتبر يوسف النجّار أباً أرضيّاً ليسوع في المعتقد المسيحي، ومن خلاله يُنسب يسوع أرضيّاً للنبي داوود، ولكنه مجرّد أبٍ افتراضي، حيث اكتفى يوسف بخطوبة العذراء دون أن يمسَّ جسدها، بل كان حارساً لعذريّتها، ومربياً للمسيح الذي حملت به العذراء.

قبل ست أو سبع سنوات من بدء هونوريوس كتابة تفسيره الأخير، فسّر رئيس البينديكتين Rupert of Deutz روبرت ديوتز (تـ 1129) النشيد كقصيدة حبٍّ في مديح الجسد الذي حمل يسوع، جسد السيّدة العذراء، معتبراً أن النشيد كان بشارةً لسليمان بنزول الله إلى السيّدة العذراء لتنجب له ابنه المسيح.

وقال روبرت إن مريم هي العروس الحقيقيّة للصديق الأزلي، أي الله الأب، ومع ذلك هي أيضاً عروس وأم المسيح، وهي كذلك معبد المحبة الشريف (الكنيسة).

ودعم التفسير الماضي بل تجاوزه تفسير اللاهوتي الشهير Philip of Harvengt (تـ1183م)، حيث اعتبر خلاله أن النشيد كان بمثابة نبوءةٍ لسليمان، توقّع خلالها ميلاد ابن الربِّ من نسله (نسل سليمان)، من عذراء محدّدة، فصنع لها محراباً أو هيكلاً تتعبّد فيه، وكان هذا المحراب أيضاً بمثابة غرفةٍ للزواج.

من دراما النشيد: قبلات فمٍ للمسيح في ميلاده ودعوته للهروب وقت صلبه

وفقا للتفسيرات الماضية يمكننا أن نستشفَّ أكثر من حبكةٍ دراميّةٍ في النشيد، بين الربِّ والمسيح والعذراء، ننقل منها عن Rachel Fulton Brown هذه الحبكة، والتي تعبّر عن بانوراما سريعةٍ مختزلةٍ لحياة مريم ويسوع:

مريم العذراء تلد المسيح على الأرض فتبتهج، وتردّد الآية الأولى من الإصحاح الأول (1:1): "ليُقبّلني بقبلات فمه، لأن حبّك أطيب من الخمر".

وحين يصعد المسيح إلى الجنة تتوق العذراء للانضمام إليه، فيستجيب لها، فتقول: أجاب حبيبي وقال لي قومي يا حبيبتي يا جميلتي وتعالي. (2:10).

فتوصلها الملائكة إلى السماء وتحفّها بالغناء، مردّدةً: من هذه الطالعة من البرية كأعمدةٍ من دخانٍ معطّرة بالمرِّ واللبان وبكل أذرة التاجر. (6:3).

في هذه اللحظة يحيي الأب والابن العذراء: هلمّي معي من لبنان يا عروس، معي من لبنان انظري من رأس أمانة، من رأس شنير وحرمون، من خدور الأسود من جبال النمور. (8:4).

تتوّج العذراء كملكةٍ، وتُوجِّه الكنيسة في الأرض، وتتوسَّل للرب نيابةً عن شعبها، عن اليهود، ليتحوّلوا إليها. ومع نهاية الدراما، تتوقّع العذراء ما سيحلّ بيسوع من صلب، فتقول له:

اهرب يا حبيبي وكن كالظبي أو كغُفر الأيائل على جبال الأطياب.

إطلالة على الكتابات العربية لنشيد الإنشاد 

بجانب الدراسات اللاهوتية المسيحية للنشيد، كدراسة القسّ عادل حنين، و"خمائل الطيب: دراسة في سفر نشيد الإنشاد" لمتى بهنام، وغيرها من الدراسات، كان النشيد في العالم العربي مدخلاً للتنابز الديني، واستخدمه البعض في سردية "تحريف" العقيدتين المسيحية واليهودية، بالتشكيك أولاً في مَتْنِه الغزلي الذي، برأيهم، لا يليق بأن يكون إلهياً، ثم التشكيك في نسبه إلى النبي سليمان، وهناك كتابات كثيرة في هذا الإطار، يقابلها كتابات قامت على دحض هذه الشبهات.

ولكن المثير، أنه رغم التشكيك في صحته، قام الباحث الهندي أحمد ديدات، باستخدمه لإثبات أن الكتاب المقدّس بشَّر بالنبي محمد، باعتبار أن هناك كلمة بالنشيد في العبرية تلفظ "محمديم"، وتترجم عادة على أنها صيغة الجمع من الشيء المحمود، يصرّ ديدات بأن المقصود بها هو اسم رسول الإسلام.

وتعامل معه الكثيرون بشاعرية مرهفة، كالأديب توفيق الحكيم الذي قدّم ترجمةً عربيةً له مفعمة بالرومانسية، ووصفه قائلاً: "لعله أجمل صوت خرج من قلب الإنسان لتحية الحب والربيع منذ أقدم الأزمان"، وقال: "تخيّرت عن عمد هذا اليوم الذي ينشر فيه روح الشر جناحيه على الأرض لأنشر أغنية النبي سليمان المعطرة بروح الحب والجمال"، وكان ذلك عام 1940 مع قيام الحرب العالمية الثانية.

ما السرّ في نشيد الإنشاد من الكتاب المقدس، الذي ألهم الشعراء والفنانين، وكتب عنه توفيق الحكيم: "لعله أجمل صوت خرج من قلب الإنسان لتحية الحب والربيع منذ أقدم الأزمان"؟

كذلك كان النشيد ملهِماً لنسج أعمالٍ أدبية من وحيه، ككتاب "نشيد الإنشاد الذي لنا"، لـعزمي بشارة، الذي يحاكي أو يعارض نص "نشيد الإنشاد"، من خلال عاشقة يصور الكاتب علاقتها بمحيطها الإنساني.

ومن الدراسات الأدبية الحديثة التي تناولت النشيد، تلك التي أعدّتها الباحثة التونسية هدى بحروني، بعنوان: شعرية الجسد من خلال "نشيد الإنشاد" و"إنجيل لوقا"، وقدمت خلالها مقاربة جمالية وقفت على الأسرار الفنية التي توخّتها نصوص النشيد في تشكيل صورة الجسد وفي فهم الممكنات الدلالية التي ينفتح عليها، معتبرةً أنه المشترك الإنساني الأكبر وساحة اللقاء بين ما هو طبيعي وما هو ثقافي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard