كيف تعامل الباحثون والباحثات مع مسألة تاريخية النص القرآني؟

الجمعة 9 أغسطس 201905:55 م

تقدم المقالة مسحاً لأشهر الباحثين والنظريات المتداولة عن تاريخية النص القرآني. 

تعامل المسلمون عبر تاريخهم الطويل مع القرآن الكريم، على كونه النصَّ الإلهي المقدّس الذي لا يحتمل التشكيك أو الارتياب، كما أنه في الوقت ذاته المصدر الأوّل للتشريع والأحكام.

في العصر الحديث، ومع تطوّر الدراسات القرآنيّة المعاصرة على يد كثير من الباحثين المتأثّرين بعلوم الهيرمونطيقا والفيلولوجيا وتحليل النصوص، ظهرت مدرسةٌ بحثيّةٌ جديدة، يدعو أصحابها للنظر إلى النصِّ القرآني بوصفه نصّاً ذا طبيعةٍ إلهية-تاريخيّة مزدوجة، وعمل هؤلاء الباحثون على طرح نظرياتهم في تلك القضيّة بما يتوافق مع القيم الإنسانيّة السامية التي أكّد عليها القرآن نفسه في العديد من المواضع.

أبو زيد: الفصل بين النصّ المقدّس ومحيطه الثقافي

يُعتبر المفكّر المصري نصر حامد أبو زيد، واحداً من بين كبار الباحثين الذين تركّزت أبحاثهم العلميّة على مسألة تاريخيّة النصِّ القرآني ومراحل تطوّره المختلفة، وهو الأمر الذي تسبّب في محنته الشهيرة عام 1995م، عندما حُكم بالتفريق بينه وبين زوجته، وما استتبع ذلك من هجرته إلى هولندا حيث عمل هناك كأستاذٍ للدراسات الإسلاميّة بجامعة لايدن.

أبو زيد درس النصَّ القرآني في الكثير من مؤلّفاته العلميّة المهمّة، ومن أشهرها فلسفة التأويل، مفهوم النص: دراسة في علوم القرآن، وإشكاليات القراءة وآليات التأويل.

في كتابه "الإمام الشافعي وتأسيس الأيديولوجيا الوسطية"، يصف أبو زيد النصَّ القرآني بكونه النصَّ الذي يملك سيطرةً مطلقة في صناعة الثقافة الإسلاميّة قديماً وحديثاً، ويؤكّد أبو زيد على ضرورة الانعتاق من تلك السلطة، فيقول "وقد آن أوان المراجعة والانتقال إلى مرحلة التحرّر، لا من سلطة النصوص وحدها، بل من كلِّ سلطة تعوق مسيرة الإنسان في عالمنا، علينا أن نقوم بهذا الآن وفوراً قبل أن يجرفنا الطوفان".

يرى أبو زيد أن أحد أكبر المشكلات التي تمثّل عائقاً أمام المسلمين، هي تلك المتمثّلة في وقوع حالةٍ من حالات التماهي بين الدين والتراث في عقول المسلمين، ويفسّر الباحث المصري تلك الحالة بتصوّر المسلمين الخاطئ للنصِّ القرآني، والذي يذهب إلى أن القرآن قد غُلِّفَ بالطابع المقدّس في كلِّ مراحله، رغم أن نظرةً واحدةً عابرة في الكتب المختصّة بدراسة أسباب النزول، من شأنها أن تكشف الطابع الزمني للنصِّ القرآني، وهو، بالمُجمل، طابع دنيوي، لكونه قد ناقش ظواهر وعوارض طارئةً تعرّض لها المجتمع الإسلامي في أوقاتٍ بعينها.

عمل أبو زيد على تعميق تلك الفكرة في كتابه "مفهوم النصّ"، والذي ذهب فيه إلى أن النصَّ القرآني نصٌّ ثقافي بامتياز، وأن اللغة التي كُتب بها النصّ هنا، ليست أكثر من وسيطٍ لغوي، مهمّته الرئيسة هي تمثيل الواقع والكشف عنه، ومن هنا فقد اختار أبو زيد أن يلجأ لمنهج التحليل اللغوي لفهم النصّ الديني المقدّس، لأنه، وبحسب ما يعتقد، المنهج الوحيد الذي يمكنه دراسة النصِّ الديني دراسةً موضوعيّةً في ارتباطه بالواقع.


الطيب تيزيني وتدرّج مستويات التنزيل القرآني

في السياق نفسه، قدّم المفكّر السوري الطيب تيزيني، إحدى أهمّ الكتابات العربيّة في حقل الدراسات التاريخيّة للنصِّ القرآني، في عمله الشهير "النصّ القرآني أمام إشكالية البنية والقراءة

عرّج تيزيني إلى تفسير ما يقصده بتاريخيّة النصّ القرآني في واحدةٍ من مناظراته.

الشهيرة مع الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي، عندما أوضح أن هناك فرقاً واضحاً بين عمليتي إنزال القرآن وتنزيله، مستنداً في ذلك لبعض الشروحات اللغويّة المصطلحيّة الواردة في كتابات عددٍ من اللغويين المسلمين القدامى، من أمثال ابن منظور والزمخشري.

يذكر المفكّر السوري، أن النصَّ القرآني قد مرّ بمرحلتين متمايزتين في سبيل وصوله للمتلقّي، المرحلة الأولى، وفيها وقع إنزال الله للنصِّ القرآني جملةً واحدة إلى السماء الدنيا، بينما تنزّلت الآيات في المرحلة الثانية، مُنجمة، بحسب الظروف والمستجدات التاريخيّة على مدار ثلاثة وعشرين عاماً، هي زمن الدعوة المحمديّة، بشقّيها المكّي والمدني.

من هنا، فأن تاريخيّة النص عند تيزيني قد تبدّت في ثلاثة مستويات، وهي تنزيل الآيات على الرسول، تلقّف الرسول لها، والصدع بها باتجاه البشر.

مجتهد شبستري وتفكيك ظاهرة الوحي القرآني

بدأ الفيلسوف الإيراني محمد مجتهد شبستري دراساته الدينيّة في الحوزة العلميّة بمدينة قم المقدّسة، وكان من أكثر المتعاطفين مع الثورة الإسلاميّة عام 1979م، وبقائدها الخميني، قبل أن تتغيّر قناعاته الفكريّة شيئاً فشيئاً ليصبح من أبرز منتقدي أطروحة الدين المؤدلج.

كتب شبستري الكثير من الكتب التي اهتمّت بظاهرة القراءة التاريخيّة للنصِّ القرآني، ومن أشهرها: قراءة بشريّة للدين، ونقد القراءة الرسميّة للدين.

يرى شبستري أن ظاهرة الوحي القرآني تنقسم إلى قسمين متمايزين، الأوّل إلهي مطلق، وهو الذي يؤكّد على قيم الحرية والمسؤوليّة والعدالة، وهي بطبيعتها قيمٌ سامية، عابرةٌ للزمان والمكان، أما القسم الثاني، فهو بشري بحت، وهو الذي صيغت به الرسالة القرآنيّة في محيطها الاجتماعي والثقافي الأوّل.

هذا الطرح، دعا شبستري للقول بأن حقوق الإنسان التي ظهرت في عصر الحداثة، والتي تقوم بالأساس على صالح الإنسانيّة، هي بالأصل مرتبطةٌ ومتوافقةٌ بشكلٍ كاملٍ مع المنظومة القيميّة والأخلاقيّة القرآنيّة، وذلك رغم أن تلك المنظومة تبدو من خلال القراءة الظاهريّة وكأنها تقدّم حلولاً مختلفة، مثل العقوبات البدنيّة المغلظة والحدود، ومن المنطلق ذاته، فأن شبستري قد رحّب باتباع الممارسات السياسيّة الحديثة المنبثقة عن قيم الديموقراطيّة والعقد الاجتماعي، ورفض الاعتراف بالدلالة الظاهرة للنصوص القرآنيّة التي يُفهم منها ضرورة الانقياد المطلق لولاة الأمر، وفسّر ذلك بمحدوديّة وتاريخيّة تلك النصوص، وتعارضها الواضح مع القيم الإسلاميّة الأصيلة التي تدعو للحرية والعدل.

كيف ساعدت منهجية القراءة التاريخيّة للنص في تطوّر الدراسات النسوية المعاصرة؟

القراءة التاريخيّة للنصِّ القرآني كانت ذات تأثيرٍ واضحٍ وقوي في تطور الدراسات النسويّة، تلك التي عملت على العثور على حلول للمشكلات التراثيّة المرتبطة بالمرأة في التاريخ الإسلامي.

في هذا السياق، حرّرت الدكتورة أميمة أبو بكر، كتابها المهمّ "النسويّة والدراسات الدينيّة"، والذي جمعت فيه مجموعةً مختارةً من الدراسات النسويّة المهمّة التي اعتمدت بالأساس على منهج القراءة التاريخيّة للنصِّ القرآني.

الباحثة السورية ـ اللبنانيّة عزيزة الهبرى

من تلك الدراسات، دراسة الباحثة اللبنانيّة عزيزة الهبرى "دراسة في تاريخها الإسلامي: أو كيف وصلنا إلى هذا المأزق؟"، وتبني فيه الهبري مقاربتها على أساس أن هناك نسختين من الإسلام، الأولى مثاليّة عادلة مُنصفة للمرأة، والثانية تصطبغ بالإيديولوجيا الأبويّة، وهي التي استطاعت أن تفرض حضورها من خلال القراءة الحرفيّة غير الواعية بالنصِّ القرآني، بدون فهمه في سياقه التاريخي.

تشير الهبري في بحثها إلى العديد من المواضع القرآنيّة التي لطالما وُجِّهت إليها الاتهامات الخاصّة بعدم إنصاف المرأة، ومنها تعدّد الزوجات، وتسلّط الزوج على الزوجة، وعدم التكافؤ في الميراث.

تعمل الهبري على دراسة تلك النقاط من خلال الرجوع لعصر ما قبل الإسلام، لتؤكّد على أن ما ورد في القرآن الكريم في تلك المواضع قد مثّل تطوّراً مهمّاً في سبيل تحقيق المساواة، فعلى سبيل المثال، تذكر أن الرجل في الجاهلية كان له الحقّ في الزواج بشكلٍ غير مقيّد، فقد كان يحقّ له الزواج من 100 امرأة، وكانت الزوجات جزءاً من الميراث بعد وفاة الزوج، وكان من حقِّ الابن الوارث أن يتزوجهن فيما عدا أمه، أو أن يحبسهن حتى يتنازلن عن أيّة ممتلكات لهن، مقابل الحصول على حريتهن، أو أن يزوجهن لرجلٍ أخر ويحصل على مهورهن.

في السياق نفسه تؤكّد الهبري على أنه لم يكن من حقِّ النساء الحصول على أيّ جزءٍ من الميراث، وأنهن بشكل عام لم يعرفن الامتلاك الخاص، فقد كانت ممتلكاتهن الضئيلة تأتي من مقايضة سلعٍ صغيرة مثل الدجاج والبيض واللبن.

إن فتح النص القرآني أمام تفسيراتٍ متعدّدةٍ له، يسمح باعتباره نصّاً متطوّراً يتجاوب مع عصره، ويُخاطب لا المجتمعات الإسلامية وحدها، بخطاب ومفاهيم إنسانية

من نصر حامد أبو زيد إلى آمنة ودود: كيف تعامل الباحثون والباحثات في العصر الحديث مع مسألة تاريخية النص القرآني؟

الباحثة الباكستانيّة الأصل رفعت حسن

في السياق نفسه، تناولت الباحثة الباكستانيّة الأصل رفعت حسن، أستاذة الدراسات الدينيّة والعلوم الإنسانيّة في جامعة لويسفيل، في بحثها "النساء المسلمات وإسلام ما بعد الأبويّة"، مسألة الاعتقاد التقليدي السائد في الأوساط الإسلاميّة، والذي يذهب إلى أن الرجال أعلى مكانةً من النساء. ترى الباحثة أن هناك ثلاثة ادّعاءاتٍ دينيّةٍ مرتبطةٍ بالنصِّ القرآني، قد تضافرت مع بعضها البعض للتأكيد على هذا الاعتقاد.

تلك الادعاءات الثلاثة هي أن الله قد خلق الرجل أوّلاً وليس المرأة، فهي مشتقّة منه من الناحية الوجوديّة، وأن المرأة هي المسؤولة عن الخروج من الجنّة، أما الادّعاء الثالث فهو أن المرأة ليست فقط مخلوقةً من الرجل، بل إنها أيضاً قد خُلقت من أجل الرجل، وهو ما يصبغ وجودها بصبغةٍ ذرائعيّةٍ لا وجوداً مهمّاً في ذاته.

ترى حسن، أن القراءة المتأنية للنصِّ القرآني من شأنها أن تحرّره مما لصق به من تفسيراتٍ كتابيّة، فالقول بأن حواء قد خُلقت من ضلع أدم، موجود بشكلٍ واضح في العهد القديم، ولكنه غير موجود في القرآن على الإطلاق، بل إن النصَّ القرآني لطالما تحدّث عن المساواة التامة بين البشر دون النظر للتفاوت الجنسي فيما بينهم.

أيضاً، فأن القرآن لا يقرّ بمسؤولية حواء عن الأكل من الشجرة المحرّمة، بل يؤكّد على أن الزوجين قد أكلا منها معاً، بمعنى أنهما كانا مشتركين في الذنب الذي أخرجهما من الجنة.

أما فيما يخصّ مسألة الادّعاء بأن الله قد خلق حواء من أجل آدم، فأن حسن تنفي ذلك، مستندةً إلى الكثير من الآيات التي تثبت أن الله قد خلق الخلق بالحقِّ، وأنه لم يخلقه لعباً أو لهواً، وأن الهدف من عملية الخلق هي عبادة الله وحده التي ترتبط بالتبعية بخدمة البشرية وبعمران الأرض.

وتكمل الباحثة طرحها من خلال مناقشة الوصف القرآني الشهير الذي يصف الرجال بأنهم قوّامون على النساء، حيث ترفض الباحثة الرأي التراثي الشائع الذي يذهب إلى أن الرجال أعظم شأناً من النساء، أو أن لهم السيطرة والسيادة عليهن، وتذهب إلى أن ذلك الوصف يعني أن الرجال ينبغي عليهم العمل لإعالة النساء، وهو أمر بديهي ومنطقي فيما يتعلّق بالبنية المثاليّة للأسرة أو المجتمع العربي الإسلامي المخاطَب بتلك الآيات.

الباحثة الأمريكيّة المسلمة آمنة ودود

الباحثة الأمريكيّة المسلمة آمنة ودود، والتي عملت كأستاذةٍ للدراسات الإسلاميّة في جامعة فرجينيا كومونولث، كانت من الباحثين المعاصرين الذين ركّزوا على ربط القراءة التاريخيّة للقرآن بالإشكاليات الجندريّة، ففي بحثها المعنون بـ "في القرآن والجنسانيّة"، تفرّق ودود في دراستها ما بين الغاية الأصيلة والنهائيّة للنصِّ القرآني، والمتمثّلة بتحقيق الهداية للبشر، من جهةٍ، والسياق الزمني الذي تنزّلت فيه الآيات القرآنيّة، من جهة أخرى.

على سبيل المثال، تستشهد ودود بالآية رقم 53 من سورة الأحزاب، والتي يَرِدُ فيها النهي عن الزواج من زوجات الرسول بعد وفاته، وتتساءل ودود عن ماهية الغاية الإلهيّة الثابتة من هذا النصّ، وهو الذي تناول مسألة انتهت تماماً منذ 1400 عام، ولم يبق لها أيَّ أثر في العصر الحالي.

ترى ودود أن تحرير النص القرآني من الأغلال التاريخيّة التي قيّدته، يفتح الباب أمام تفسيراتٍ متعدّدةٍ له، والأهمّ من ذلك أنه يسمح باعتباره نصّاً متطوّراً يصلح أن يُخاطب به الإنسان في كلِّ زمانٍ ومكانٍ دون تقييد.

في كتابها "القرآن والمرأة" تقدم ودود منهجاً جديداً لفهم النصِّ القرآني، ولا سيما في المواضع التي تثار فيها الإشكاليات الجندريّة، على سبيل المثال، تستشكل ودود المعنى الظاهر من الآية 34 من سورة النساء، والتي ورد فيها جواز ضرب النساء إن خالفن أمر أزواجهن بعد القيام بوعظهن وهجرهن في الفراش.

بحسب ما تذكر آمنة ودود فأن الدلالة الظاهرة للآية لا تستقيم البتة مع المبادئ الكليّة التي يؤكّد عليها النصُّ القرآني في الكثير من المواضع، والتي تحضُّ على العدالة والمساواة والتعامل برفقٍ مع النساء، ومن هنا فأن ودود ترى أنه من الواجب في تلك الحالة أن نبحث عن معنى مختلف للآية يستقيم مع المبادئ القرآنيّة، حتى لو تطلّب ذلك التنازل عن الدلالة اللغويّة المباشرة للفظة الضرب، خصوصاً وأن المعاجم اللغويّة العربيّة قد ذكرت العديد من المعاني اللغوية المختلفة لتلك الكلمة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard