أسرى سابقون يروون قصصهم مع الإضراب عن الطعام: موت بطيء من أجل أبسط الحقوق

الجمعة 5 مايو 201705:37 م

بتاريخ 17 أبريل، بدأ أكثر من 1500 أسير فلسطيني داخل السجون الإسرائيلية، من أصل 6500 أسير، بخوض إضراب مفتوح عن الطعام للمطالبة بتحسين ظروف حياتهم داخل الأسر.

يحاول الأسرى الفلسطينيون المحافظة على أبسط حقوقهم داخل المعتقلات، والتي حصلوا عليها بنضالاتهم وتضحياتهم على مر السنوات الماضية بطرق وأساليب مختلفة.

من أبرز الأساليب التي استخدموها الإضراب عن الطعام لأيام متواصلة، حتى تحقيق مطالبهم. ومن أبرز الأمثلة عن ذلك إضراب سجن عسقلان عام 1976 لمدة 45 يوماً، وإضراب سجن نفحة عام 1980 لمدة 33 يوماً، وإضراب سجن جنيد بمشاركة ثلاثة آلاف أسير لمدة 20 يوماً، وإضراب عام 1992 بمشاركة سبعة آلاف أسير لمدة 22 يوماً، وإضراب عام 2012 بمشاركة 1500 أسير، وإضراب 2014 الذي استمر 63 يوماً.

فما هو بالضبط الإضراب عن الطعام؟ وكيف يتم؟ وكيف تتعامل إدارة السجون الإسرائيلية مع الأسرى المضربين عن الطعام؟

إدارة السجون

منذ اليوم الأول للإضراب، قامت إدارة السجون بتنفيذ اقتحامات يومية لتفتيش المساجين بعد تعريتهم. وراحت تصادر الملح، تقدم الطعام للأسرى رغم إضرابهم، تصادر الملابس والمقتنيات الشخصية وتبقي فقط على ملابسهم التي يلبسونها. كما جرى تجريدهم من كافة حقوقهم كالزيارات والنزول إلى ساحة السجن خلال ساعات النهار.

الأسير السابق جهاد أبو صبيح، 21 عاماً، من مخيم الجلزون، قضى عاماً كاملاً داخل السجون الإسرائيلية، وخرج من الأسر في اليوم العاشر من إضراب الأسرى الحالي، وكان أحد الأسرى المشاركين في الإضراب.

يروي أبو صبيح لرصيف22: "أخرجنا في اليوم الأول جميع المعلبات والخضار وكل ما له علاقة بالطعام وسلمناه لإدارة السجن، وفي اليوم الثاني صباحاً، أخرجتنا إدارة السجن من القسم الذي نقبع فيه إلى قسم آخر، وبعد تفتيش قسمنا، أعادونا".

وتابع: "أعادونا كلٌ على حدة، فتشونا ونحن عراة".

هكذا بدأت إدارة السجون معاقبة الأسرى على إضرابهم.

مع عودتهم إلى القسم القديم، لم يجد الأسرى أي من مقتنياتهم وأغراضهم. "الشامبو، معجون وفرشاة الأسنان، المرايا، وحتى الوسادات تمت مصادرتها"، قال أبو صبيح. لم يجد الأسرى سوى فرشة وغطاء واحد لكل أسير.

ورغم مصادرة جميع مقتنيات الأسرى منذ اليوم الأول استمرت إدارة السجون في تنظيم حملات تفتيش يومية. وجرى التعامل مع المضربين بطريقة استفزازية. "مثلاً حين يفتشك يقترب منك كثيراً ويقول لك: اخلع ملابسك، بطريقة غريبة"، بحسب أبو صبيح.

يضطر الأسير المضرب إلى تحمل استفزازات إدارة السجن حتى لا يتم عزله أو الاعتداء عليه بالضرب. "أحد الأسرى معنا بالقسم لم يحتمل استفزازاتهم ورد عليهم، فعزلوه في سجن انفرادي ثلاثة أيام ثم نقلوه إلى سجن آخر"، روى أبو صبيح.

[caption id="attachment_101984" align="alignnone" width="700"]إسرائيليون في حفل شواء على باب سجن عوفر حيث يضرب فلسطينيون عن الطعام... لا تعليق إسرائيليون في حفل شواء على باب سجن عوفر حيث يضرب فلسطينيون عن الطعام... لا تعليق[/caption]

تجربة سابقة

الأسير السابق عبد الرحمن اشتية، 32 عاماً، من قرية سالم بقضاء نابلس، له عدة تجارب في الإضرابات عن الطعام خلال اعتقاله لأكثر من مرة خلال السنوات الماضية. شارك في إضراب عن الطعام عام 2004، وفي آخر عام 2012 لمدة 28 يوماً، كما شارك في إضراب ثالث عام 2014 لمدة 63 يوماً.

يستذكر اشتية إضراب عام 2012، وهو شبيه بالإضراب الحالي من ناحية المطالب وعدد الأسرى الذين يخوضونه، ويقول لرصيف22: "أذكر أن مصلحة السجون وقتها، لم تستوعب فكرة إعلان أكثر من 1500 أسير خوض إضراب جماعي عن الطعام. كانت تتوقع فض الإضراب ولكنها تفاجأت من التزام هذا العدد من الأسرى بخوضه".

منذ لحظة الإضراب عام 2012، تم عزل المضربين ووضعوا في أقسام مختلفة لعزل بعضهم عن بعض، وجرى التعامل معهم "بشكل مهين وبشكل دوني" بحسب اشتية الذي يضيف: "سحبت كل مقتنياتنا، وتم إبقاء غطاء واحد لكل أسير رغم برودة الأجواء وقتها".

وأوضح أن جميع الإجراءات التي اتخذتها إدارة السجون خلال الاضراب الحالي والتي تحدث عنها أبو صبيح، مورست على جميع الأسرى في الإضرابات السابقة سواء أكانت إضرابات جماعية أم فردية.

أسرى سابقون يروون قصصهم مع الإضراب عن الطعام.. أسلوب الفلسطينيين السلمي الذي ينجح في لي ذراع الإسرائليين
أسابيع بلا طعام... يشربون الماء فقط ويتناولون القليل من الملح ليحموا أمعاءهم من التعفن

مياه وملح

قد يقسو الأسير على جسده ويجازف بحياته من أجل الحصول على بعض الحقوق داخل السجن ولكن لا يمكنه أن يحيا لعدة أيام مضرباً عن الطعام دون أن يشرب الماء ويتناول القليل من ملح الطعام، الذي يحافظ على أمعائه ويحميها من التعفن.

وأوضح أبو صبيح، "رغم التفتيشات إلا أننا احتفظنا بالملح في مخبأ داخل القسم"، وهو غالباً الأمر الذي يدفع السجان إلى تفتيشهم يومياً، بحثاً عن الملح.

بشكل يومي، يتناول الأسرى القليل من الملح ويضعونه على ألسنتهم بالإضافة إلى شرب المياه لمحاولة الحفاظ على أجسادهم لأطول فترة ممكنة، وهو الأمر الذي أكده كل من أبو صبيح واشتية.

الحالة الصحية للأسرى

منذ اليوم الأول للإضراب عن الطعام وحتى اليوم الخامس تقريباً، يصاب جسد الأسير بالإرهاق، ويشعر بصداع شديد في الرأس، وألم في المعدة بسبب الجوع وعدم تناول الطعام، وانخفاض في نبضات القلب، وشعور بالدوار والغثيان ويفرغ معدته من بقايا الطعام.

يستمر الوضع الصحي للأسير بالتدهور، بالأخص بالنسبة للأسرى الذين يعانون من أمراض مزمنة مثل "السكري والضغط والقلب"، ويصاب العديد منهم بحالات إغماء مفاجئة، الأمر الذي يضطر زملائهم الأسرى إلى الضرب على باب غرفة السجن حتى يأتي طبيب لفحص المغمى عليهم.

"كنا نطلب من إدارة السجن طبيباً، ولكن كانوا يرسلون إلينا ممرضاً، ولم يكن يتعامل بشكل إنساني مع المريض"، يقول أبو صبيح ويتابع: "الممرض كان يرفض الدخول إلى غرفة السجن، كنا نسحب الأسير المريض على الفرشة إلى جانب باب الغرفة ونخرج يده من فتحة في أسفل الباب، والممرض كان يستخدم جهازاً لقياس النبضات عن طريق أصبع اليد، ويقول: ما في اشي رجعوه".

في بعض الأوقات كانت إدارة السجون تأخذ أحد الأسرى إلى العيادات لفحصه، ولكن هناك يتم وضع الطعام أمامه ويقال له: "إذا ما أكلت بتموت، ما في غير الأكل بيخفف وجعك"، بحسب ما روى أبو صبيح لرصيف22.

يشتد تدهور حال الأسير المضرب الصحية غالباً بعد 15 أو 20 يوماً من الإضراب عن الطعام، الأمر الذي يحتم على مصلحة السجون إعطاء المضرب بعض المدعمات. و"المدعمات لا تعتبر غذاء ولكن تعتبر مواد للحفاظ على استمرار عمل بعض الوظائف مثل الدماغ، وبعض الأسرى كانوا يرفضون أخذها"، قال اشتية.

الأمر لا يتوقف هنا، ففي حال استمرار الأسرى في إضرابهم إلى ما بعد ذلك، تستوجب الضرورة الصحية والطبية نقلهم إلى المستشفيات بين اليومين الـ21 ولـ28.

مع تصاعد أعداد المضربين عن الطعام في إضراب عام 2012، وجدت مصلحة السجون نفسها مجبرة على الموافقة على مطالب المضربين في اليوم الـ28 للإضراب بسبب حالة الطوارئ التي كانت ستعم وقتها في حال نقل أكثر من 1500 أسير إلى المستشفيات، بحسب اشتية.

الإضراب أسلوب لتحقيق المطالب

يرى اشتية أن إضراب الأسرى عن الطعام هو أحد الأساليب التي يغامر الأسير بحياته خلالها من أجل تحقيق بعض المطالب، في ظل إهمال مصلحة السجون لحقوق الأسرى على مر السنوات الماضية.

ويقول: "لا شك أن الإضراب هو مغامرة في النتائج، ولكن هذه اللغة التي يمكن أن يفهمها المحتل ليتوقف عن تسويفه ومماطلته بإعطاء الأسير حقوقه".

وأشار إلى أن الأسرى المحكومين بالمؤبدات يعلمون أن الاضراب عن الطعام لن يخرجهم من السجن، "ولكن الأسير يعلم أن الإضراب يمكن أن يحقق له حياة شبه كريمة حتى يكون منسجماً مع نفسه ومع الهدف الذي دخل من أجله السجن".

المطالب المطروحة حالياً هي مطالب وعدت بها إدارة السجون من قبل، ولكنها ما زالت تماطل وتتأخر في تنفيذها، وهي مطالب ليست صعبة التحقيق ولكن حتى الملعقة أو حبل الغسيل لا يمكن أن توفره إدارة السجون إلا بالإضرابات ونضالات حركة الأسرى، كما قال اشتية.

وأوضح أبو صبيح أن الأسرى منذ سنوات وقبل دخوله السجن بدأوا يتفاوضون مع إدارة السجون من خلال الجلوس معها، وفي كل جلسة كانت هناك وعود، إلا أن إدارة السجون كانت ترد بعد ذلك بتقليص حقوقهم، "وبالتالي لم يجد الأسرى أمامهم سوى خوض الإضراب عن الطعام لمحاولة نيل حقوقهم المشروعة".

بوادر مفاوضات

وتحدثت اللجنة الإعلامية لإضراب الحرية والكرامة، في اليوم الـ14 لإضراب الأسرى، عن بوادر لفتح باب المفاوضات بين إدارة السجون الإسرائيلية والأسرى، إلا أن إدارة السجون تشترط إتمام عملية المفاوضات دون قائد الإضراب، القيادي البارز في حركة فتح مروان البرغوثي.

وتعقيباً على ذلك، قال رئيس نادي الأسير الفلسطيني قدورة فارس: "إن الطريق المستقيم هو أقصر طريق بين نقطتين، ولذلك على سلطات الاحتلال التعامل مباشرة مع قائد الإضراب مروان البرغوثي، لتنخرط بقية اللجان في عملية التفاوض حتى بلورة صيغة تستند إلى الإقرار بحقوق الأسرى المُعلن عنها".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard