حرية الرأي والتعبير في لبنان إلى الواجهة مجدداً... من يحسم الجدل؟

الأحد 2 يوليو 201707:37 م
دخل المسلّح (أو المسلّحون) إلى نادي "رينا" الليلي في إسطنبول، أطلق النار على الحضور وأردى من أرداه من الساهرين. بين الضّحايا ثلاثة لبنانيين، هم الشّابان هيكل مسلّم والياس الورديني، والشابة ريتا الشّامي. نيران القاتل لم تكن الأخيرة، فكانت فاتحةً لنار الانتقادات لبنانياً. انقسم الرأي العام اللبناني بين مؤيدٍ لاعتبارهم شهداء، ورافض، بحجّة أنّهم كانوا في ملهى ليلي. فبدل الاجتماع على اعتبار الاعتداء مأساة وطنيةً جامعة، تحوّل الأمر إلى خلافٍ عقيم، بين اعتبارهم قتلى أو شهداء. إلى جانب الضحايا الثّلاث، وفي خضم التّغطية الإعلامية اللامهنية واعراس العزاء، برز اسم "رمزي القاضي"، مغرّد لبناني، نصّب نفسه حكماً وناطقاً باسم الله، ورفض اعتبار الضحايا شهداء وتفنّن في شتمتهم. فهم، في رأيه، قتلوا أثناء العربدة والرّقص. 15826552_10154660727515289_8885546743486979131_n كلام القاضي، ومثله كُثُر، لكنه اشهرهم بسبب تسليط وسائل الإعلام الأضواء عليه، ينمّ عن ثقافةٍ موجودة ترتكز على تجاهل المشاعر الإنسانية، وفرض رأي معيّن وثقافةٍ معينةٍ تستند إلى الموت كقاعدة شاملة. لكن السّؤال الرّئيسي طُرح بعد اعتقال قوى الأمن للمغرد القاضي، ولم يأخذ النّقاش حول صوابية اعتقال القاضي من عدمه المساحة نفسها التي اخذتها إبّان اعتقال باسل الأمين، الشاب الذي شتم لبنان والشّعب اللبناني، ربما لان تغريدات القاضي أتت في وقتٍ حلّ الموت ضيفاً ثقيلاً على الجميع.
تساءل الكثيرون عن مدى قانونية اعتقال الأشخاص الذين أساؤوا إلى ضحايا جريمة اسطنبول.. إليكم الإجابة بحسب القانون
القانون اللبناني، بحسب المحامي "خطّار طربيه"، واضحٌ لا لُبس فيه فيما خص القدح والذّم والتّجريح والافتراء، فالمادة 584 من قانون العقوبات، تنص: "يعاقب على القدح في أحد الناس المقترف بإحدى الوسائل المذكورة في المادة 209، أي بالحبس من أسبوع إلى ثلاثة أشهر أو بالغرامة من خمسين ألف إلى أربعمائة ألف ليرة". تعريف القدح بحسب القانون واضح، فالمادة 385 عقوبات، فقرة 2 تنص: "كل لفظة ازدراء أو سباب وكل تعبير أو رسم يشفان عن التحقير يعد قدحاً إذا لم ينطو على نسبة أمر ما". قد يختلف البعض على طبيعة وسائل النشر التي تشملها مواد العقوبات، وما إذا كانت وسائل التواصل الاجتماعي من ضمنها. المادة 209 من قانون العقوبات تحسم الجدل، فوسائل النشر المشمولة بالقانون هي كل الأعمال والحركات إذا حصلت في محل عام أو مكان مباح للجمهور أو معرض للأنظار أو شاهدها بسبب خطأ الفاعل من لا دخل له بالفعل، إضافةً إلى الكلام أو الصراخ سواء جهر بهما أو نقلاً بالوسائل الآلية بحيث يسمعها في كلا الحالين من لا دخل له، والكتابة والرسوم والصور اليدوية والشمسية والأفلام والشارات والتصاوير على اختلافها اذا عرضت في محل عام أو مكان مباح للجمهور أو معرض للأنظار أو بيعت أو عرضت للبيع أو وزعت على شخص أو أكثر. تغريدات رمزي القاضي تضمنت "لفظة ازدراء" أو "سباب" أو "تعبير يشف عن التحقير"، تبعاً للمادة 385 من قانون العقوبات. القاضي لم يراعِ حرمة الموت أو مشاعر أهالي الضحايا، وعليه، لهم الحق في مقاضاته، وللقوى الامنية الحق في اعتقاله بناءً على المواد المذكورة. لكن هل اشتكى أهالي الضحايا على القاضي ومن مثله؟ ومن أوعز للقوى الأمنية بالتحرّك، أم هي تحرّكت بتوجيهاتٍ من النّيابة العامة دون شكوى مسبقة من أصحاب الشأن المباشرين؟
تساءل الكثيرون عن مدى قانونية اعتقال الأشخاص الذين أساؤوا إلى ضحايا جريمة اسطنبول.. إليكم الإجابة بحسب القانون
المادة 586 عقوبات، فقرة 2 واضحة، إذا وجه الذم أو القدح إلى ميت جاز لأقربائه حتى الدرجة الرابعة دون سواهم استعمال حق الملاحقة. هذا مع الاحتفاظ بحق كل قريب أو وريث تضرر شخصياً من الجريمة. أي أن جرم القدح مثبتٌ، لكن، حسب المادة 586، "توقف الدعوى على اتخاذ المعتدى عليه [أو أحد أقربائه حتى الدرجة الرابعة] صفة المدعي الشخصي". انتهك القاضي ومن مثله خصوصية الموت وحرمة الضحايا. موت الضحايا الثلاث ليس مادةً جدلية، ولا شأناً عاماً، كانوا في حفلةٍ خاصةٍ يحتفلون بمناسبةٍ عامة، مقتلهم لم يكن اغتيالاً بدوافع سياسية، أي أن القاضي يتدخّل في ما لا يعنيه قانونياً، وعليه، لا يشمل ما غرّده حرية التّعبير، بل يعدّ انتهاكاً للحريات، وبالتالي سجنه قانوني ولا جدال فيه، ولكن توقيفه هو موضع الجدل، خاصةً في حال عدم وجود دعوى من الأقرباء بحقه. قبل أي تعقيب أو تعليق، على المواطن مراجعة المواد القانونية الناجزة، ومعرفة حدوده القانونية جيداً، فحرية التّعبير لا تعني الشّتم ولا السّباب. وما دام القانون اللبناني لم يعدل، فوسائل النّشر تشمل مواقع التواصل الاجتماعي.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard