يمكن وصف مجمل أعمال نصر حامد أبو زيد بأنها أسئلة تبحث عن إجابات. وبعد ثماني سنوات على رحيله، لا يزال المفكر المصري حاضراً من خلال إنتاجه الفكري وأسئلته التي ما زلنا في حاجة إلى طرحها. وكان أبو زيد يقول: "إنْ توقفت عن طرح الأسئلة فهذه شهادة وفاتي"... إلا أن أسئلته ما زالت تولّد أسئلة. مرّ أبو زيد في حياته البحثية بمراحل بدأها كشاب يحمل هموم جيل مهزوم، تحطمت آماله بعد هزيمة 1967، وعانى مما تلاها من تفشي الأصولية والعنف الديني منذ سبعينيات القرن الماضي، فحاول البحث عن مكمن الداء في ثقافتنا، وعن أسباب تراجعنا بدل تقدّمنا. بحثاً عن أجوبة، اهتم بدراسة القرآن وبحث كيف نقرأه؟ وكيف نُوظفه لخدمة السلطة أو الجماعات الأصولية؟ وأين الإنسان الحر فيه لا الإنسان المقموع باسمه؟
ابن حركة النهضة العربية وناقدها
ولد أبو زيد في 10 يوليو 1943، في إحدى قرى مصر، وتوفي في الخامس من نفس الشهر عام 2010، وخاض رحلة تعليمية مرّت بتعيينه معيداً في قسم اللغة العربية في كلية الآداب بجامعة القاهرة، وتخصص في حقل الدراسات الإسلامية، ذلك الحقل الذي شهد أسماء بارزة مثل أمين الخولي، ومحمد أحمد خلف الله. ويقول الباحث في الدراسات الدينية جمال عمر لرصيف22 إن أبو زيد يمثّل جيل ما بعد 67 في الثقافة العربية، ذلك الجيل الذي حاول إعادة النظر في الرؤية العربية للتراث، ونقد المشاريع الحضارية التي أنتجها جيل 67، أمثال زكي نجيب محمود والطيب تيزيني وحسن حنفي وحسين مروة. ويعتبر الكاتب المصري أحمد مصطفى حلمي أن أهم سمات جيل أبو زيد هي التجرد من الإيديولوجيا، والالتزام بالمنهج العلمي، وتبني اتجاهات نقدية تمس بنية الفكر العربي القديم وامتداداته في العصر الحديث، لكن ميزة أبو زيد الخاصة هي قدرته على توظيف هذه المناهج بما يتناسب مع الثقافة العربية. وتأتي أهمية أعمال أبو زيد باعتبارها أعمالاً صالحة لحركة إصلاح حقيقية للخطاب الديني من داخل الدين ذاته لا من خارجه، كما أنه أحد أعمدة مدرسة القاهرة الفلسفية التي تبدأ بحسن حنفي وتنتهي بعلي مبروك، وهي المدرسة التي ركزت عملها على نقد أصول الثقافة الإسلامية، وإعادة بنائها في الوعي العربي الإسلامي على أسس معرفية جديدة دون التخلي عن الأساس الديني لها، حسبما قال حلمي لرصيف22.
الملامح العامة لمشروع أبو زيد الفكري
كان أبو زيد رافضاً لتصنيف إنتاجه العلمي على أنه مشروع نهضوي مثل مشروع أستاذه حسن حنفي، وكان يؤكد أنه باحث ومُعلم. ولكن يمكننا القول إن هناك مشروعاً فكرياً لأبو زيد نستخلصه من مجمل أعماله بعد وفاته، لا أثناء عمله الفكري. فلم تكن لديه رؤى مسبقة عما يريد كتابته، إنما تطور إنتاجه بالجدل والنقاش والخلاف حول أعماله، يوضح جمال عمر. ويرى أحمد مصطفى حلمي أنه يمكن تقسيم مشروع أبو زيد إلى جانبين: الأول هو التصورات الوجودية عن النص القرآني من خلال طبيعة النص ولغته الدينية وتاريخيته؛ والثاني هو نقد الأدوات المعرفية في التعامل مع النص سواء قديماً، من خلال نقد أساليب القدماء في تأويل النص القرآني، أو حديثاً، من خلال نقد الخطاب الديني المعاصر وطرح آليات مختلفة لتأويل النص. وتركيز أبو زيد على دراسة النص راجع إلى اقتناعه بأن الثقافة العربية هي ثقافة النص، فهناك نصوصية حولنا، وكل شيء منسوب إلى النص، ثم كانت الستينيات في مصر، والتي شهدت توظيفاً للدين من قبل السلطة الاشتراكية، وما تلاها من توظيف مختلف للقرآن حين تحولت السلطة للرأسمالية، بجانب توظيف الجماعات الإسلامية واليسار الإسلامي للنصوص. كل هذا كان حاضراً في ذهن المفكر المصري الذي أدرك أن المشكلة في لاتاريخية الفكر، لأننا لا ندرس التراث في سياق زمنه وعصره، يشرح جمال عمر.معتزلي في مواجهة القراءة الأشعرية والحنبلية
يتناول جمال عمر بداية دراسة أبو زيد للقرآن، ويقول إنه تبنى لاهوت المعتزلة في مواجهة اللاهوت الأشعري، وفي مواجهة الهجمة الحنبلية الحرفية الممولة من السعودية، فكان يوظف التراث في مواجهة توظيف آخر للتراث، ولذلك هي قراءة إيديولوجية للتراث. في تلك المرحلة تمثل إنجاز أبو زيد في إعادة فتح الكلام في قضية كان قد تم إغلاق باب الكلام فيها وحولها لمدة عشرة قرون، وهي قضية "طبيعة وماهية القرآن"، فتبنى مفهوم خلق القرآن في مواجهة الأشاعرة، يتابع عمر. وفي محاضرة له، أوضح سبب اهتمامه بفكر المعتزلة بقوله إن القرآن أو الوحي معطى أولي في الثقافة العربية الإسلامية، وبالتالي لا يمكن لأي نقاش حول معنى الحياة أن يتجاهل هذا المعطى الأولي، ومعنى الحياة لا يمكن فصله عن المعنى الديني، لذا كان البحث في فكر المعتزلة هو بحث عن فكر اهتم بالإنسان في التراث. ويضيف جمال عمر أن فكر أبو زيد تطوّر بين نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، فنقد الفكر الاعتزالي، وأدرك أنه ابن عصره هو الآخر لا ابن عصرنا، ثم أنجز كتاب "مفهوم النص/ دراسة في علوم القرآن" للبحث عن مفهوم غير نفعي أو بدون توظيف إيديولوجي للنص من مختلف التيارات الفكرية قديماً أو حديثاً، وهي مرحلة الدراسة المنهجية للقرآن. هنا تعامل أبو زيد مع النص القرآني باعتباره مُنتَجاً ثقافياً، أي رسالة إلهية تشكلت مفرداتها وتصوراتها من خلال لغة وثقافة البيئة التي نزلت فيها، ونص مهيمن وملهم لنصوص أخرى، ومشكّل للثقافة في بيئات أخرى قد لا ترتبط بالضرورة بالبيئة الثقافية التي نزل فيها. ومن ناحية أخرى، تعامل مع النص من خلال أدوات التحليل اللغوي سواء كان للنص القرآني نفسه، أو للنصوص الأخرى، وفق ما ذكره حلمي.
ما معنى أن القرآن خطابات لا نص؟
أدرك أبو زيد لاحقاً أن النظر إلى القرآن على أنه نص هو لب الإشكال في تاريخ فهم القرآن قديماً وحديثاً، ويشرح الباحث جمال عمر ذلك قائلاً: حين ننظر إلى القرآن كنص أو كتاب فهذا يعني أن هناك مركزاً للمعنى وبؤرة للدلالة، ولا يجوز أن يضم الشيء ونقيضه، بينما القرآن يضم آيات تبدو متناقضة مثل آيات التجسيم والتشبيه مثل قوله تعالى {يد الله فوق أيديهم} (الفتح:10)، وقوله {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} (القيامة:22،23)، وآيات التنزيه {لا تدركه الأبصار} (الأنعام:103). إذاً كما أن التنزيه الكامل موجود فالتشبيه الكامل موجود أيضاً، ولو قلنا إن القرآن كتاب يكون علينا البحث عن معنى مركزي وتهميش المعنى الآخر، فنبحث عن آليات لحل الإشكال مثل المحكم والمتشابه في علم الكلام، والناسخ والمنسوخ في الفقه، والظاهر والباطن في التصوف، وكلها آليات لحل إشكال ينتج عن النظر إلى القرآن كنص، وهو ما أدركه أبو زيد، وسعى إلى تجاوزه بطرح مفهوم القرآن كخطاب، يكمل جمال عمر.رأى نصر حامد أبو زيد أنه لا يوجد أساس صحيح للتفرقة بين الخطاب الديني المعتدل (الوسطية) والخطاب الديني المتطرف، وأنها محض تفرقة إعلامية، فالحقيقة أن الفارق بينهما في الدرجة لا النوع
كان هدف نصر حامد أبو زيد إعادة القرآن إلى الحياة، وإعادة التفاعل مع النص وفق الاحتياجات الإنسانية، سالكاً في ذلك طرقاً تأويلية جديدة تختلف عن طرق القدماء في استنباط الأحكام الفقهية أو المعتقدات اللاهوتيةوبحسب حلمي، فإن فكرة إعادة النظر إلى النص القرآني باعتباره خطاباً، بدأت تجلياتها الأولى عند أبو زيد من خلال كتابه "مفهوم النص"، وهو الكتاب الذي يعالج فيه مفهوم النص وفق مقتضيات منهج التحليل اللغوي، لكنه في تحليله لمفهوم الوحي، حلل الخطاب القرآني في سورة الجن بما يتجاوز حدود التحليل اللغوي في مستوياته الأربعة (الصوتي، الصرفي، التركيبي، والدلالي). ومع توسع أبو زيد في تحليل الخطاب القرآني، لمس قضايا غاية في الأهمية تتعلق بموضوعات فقهية محسومة في العقل الإسلامي، أو موضوعات تتعلق بتصورات المسلمين الراسخة عن المسيحية واليهودية، وكشف الدور المختلف الذي يمكن أن يلعبه تحليل الخطاب كأداة تأويلية تختلف عن آليات التأويل القديمة. والخطاب بنية حوارية تجادليه سجالية، تستدعي سياقات تتضمن المتكلم وهو متعدد الأصوات، وهي لا تعني المتكلم بالمعنى اللاهوتي، وتعدد الأصوات داخل النص القرآني لا يعني تعدد الآلهة التي قالت كلام القرآن، ومفهوم الصوت هو مفهوم لغوي سيميولوجي، وهو ما ذكره أبو زيد في إحدى محاضراته. ونمط الخطاب قد يكون تهديداً أو تقريراً أو اعتراضاً أو نفياً أو إزاحة، وهناك فحوى الخطاب وفيه مستويات كثيرة، منها ما يقوله الخطاب وما يسكت عنه ويستنبط بالفحوى، وتأثير الخطاب على المتلقي ورد فعله، وغير ذلك من آليات الخطاب. ويؤدي فهم القرآن وفق التحليل الخطابي إلى تلافي مشاكل كثيرة وقع فيها التفسير. فمثلاً في قوله تعالى: {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً} (الإسراء:16)، يذهب التفسير بالنص إلى محاولات عديدة لتبرير الأمر، إذ إن الله لا يأمر بالفسق، لكن هناك كلمة أمرنا، ما يجعل التفسير يبحث عن حل لذلك، وبعضهم يرى أن هناك محذوف هو "أمرنا مترفيها بالطاعة ففسقوا"، أو أن الأمر من باب القدر الإلهي، أو أمرنا أي أكثرنا من المترفين ففسقوا. ويرى أبو زيد أن هذا التعدد جاء من النظر إلى الآية فقط، لكن النظر إلى الآية ضمن خطاب تهديد لأهل مكة في إطار السجال مع النبي، يفترض ألا تُفهم الآية إلا كخطاب تهديد لا يجوز أن نستخرج منه مقولات لاهوتية، ومثله قوله تعالى: {لقد حق القول لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} (السجدة:13)، فهي لا تُفهم إلا كخطاب تهديد لا كمقولات لاهوتية أو تقريرية. والنظر إلى القرآن على أنه مجموعة من الخطابات سيعزز حضور المتلقي أي الإنسان في الفهم، ولن يصبح القرآن طريقاً صاعداً لمعرفة الله بقدر ما يكون عملية حيوية مرتبطة بالواقع والزمن، وسيتحرر القرآن من المعنى الآحادي، يقول جمال عمر.
انضم/ي إلى المناقشة
مستخدم مجهول -
منذ أسبوعحلو نعرف ان كان اسلوب البرنامج ينجح في خلق نقاش حقيقي حول قضايا حقوق المرأة...
Chrystine Mhanna -
منذ أسبوعصعب يا شربل.. معظم الناس لا يتحدثون صراحة عن تجاربهم الجنسية/الطبيّة وهذا ما يجعل من هذا الملف ضروري
Ahmed Gamal -
منذ أسبوعتقديم جميل للكتابين، متحمس اقرأهم جداً بسبب المقال :"))
Kareem Sakka -
منذ أسبوعما وصلت جمانة لهون الا بعد سنين من المحاولة بلغة ألطف..
Charbel Khoury -
منذ أسبوعموضوع مهم، وغير مسلط الضوء عليه كثراً في المواقع المستقلة.
يا ليت استطعنا قراءة تجارب أكثر.
Farah Alsa'di -
منذ أسبوعبحب كتابات جمانة حداد بالعادة، بس مرات بحس أنه اعتمادها الأسلوب الاستفزازي ما بحقق الهدف اللي هي بتكتب عشانه