شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اشترك/ ي وشارك/ ي!
الشعوذة في تونس... منافسة تنتهي بجرائم وطقوس تكتسح المجال الرقمي

الشعوذة في تونس... منافسة تنتهي بجرائم وطقوس تكتسح المجال الرقمي

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة

الأربعاء 9 أغسطس 202302:01 م

تحدّثنا الخالة سمية الفوغالي، عن أطوار جريمة شنعاء وقعت في محافظة سيدي حسين الجيارة، وهي واقعة تكشف شيئاً عن عالم المنافسة بين محترفي "الشعوذة" في تونس. إذ أقدم أحدهم، لم يتجاوز الأربعين من عمره، على الاعتداء على "زميل" (مشعوذ آخر) يكبره بنحو ثلاثين عاماً، ليُرديه قتيلاً على خلفية تعمّده استقطاب عدد من زبائن الجاني عنوةً بسبب خلافات بينهما، علماً بأنهما "كانا يعملان معاً لفترة من الزمن في الشعوذة والبحث عن الكنوز"، على حدّ قولها.

تقول المرأة التي تعيش في المحافظة لرصيف22، إن الضحيّة كانت لديه علاقات جيدة مع الأهالي الذين لاحظوا غيابه عن الحيّ، ظنّاً منهم بأنه سافر لزيارة أقاربه في إحدى المدن المُجاورة، مضيفةً أن حالةً من الارتباك والهلع كانت تنتاب زميله الجاني إذا ما تم سؤاله عن موعد عودته إلى الحيّ.

لعلّ جريمة محافظة سيدي حسين الجيّارة، وتفاصيلها التي أثارت الرأي العام، أو غيرها من الجرائم المشابهة بسبب المنافسة في عمل الشعوذة، تدفعنا إلى الاستفهام عن دواعي الإيغال في الوحشية عند ارتكابها

وعقب مرور شهر تقريباً دون سماع أي خبر عن المشعوذ الضحية، شكّكت عائلته في الأمر وتقدمت بشكاية إلى فرقة مقاومة الإجرام (الشرطة)، التي باشرت الأبحاث. وبتكثيف التحريات الميدانية والفنية اكتشفت بعد تعقّب أثر الهالك عبر خدمة تحديد الموقع الجغرافي لهاتفه، والتحقيق مع عدد من الأشخاص، أنه فارق الحياة مقتولاً منذ شهر كانون الثاني/ يناير 2023، على يد زميله المشعوذ، لتأذن النيابة العمومية في المحكمة الابتدائية في "تونس 02"، بفتح تحقيق فوراً لكشف تفاصيل القضية.

عن تفاصيل الجريمة، يفيد فاكر بوزغاية، المكلف بقسم الإعلام في وزارة الداخلية التونسية، لرصيف22، بأنه وإثر ورود شكاية حول فقدان الهالك، تبيّن بعد مداهمة منزل المشتبه به، أنه تولّى قتل المجني عليه ووضع جثته داخل برميل حديدي (سبق له أن وضعه في حفرة عميقة داخل مطبخ منزله)، بعد تقطيعها إلى ثلاثة أجزاء، وغمرها بالملح للتخلص من رائحها ثم ردمها بكمية من الخرسانة. وقام لاحقاً بسدّ منافذ التجويف بالآجر والإسمنت حتى يتمكن من إخفاء معالم جريمته.

منافسة تصل إلى القتل

لعلّ جريمة محافظة سيدي حسين الجيّارة، وتفاصيلها التي أثارت الرأي العام، أو غيرها من الجرائم المشابهة بسبب المنافسة في عمل الشعوذة، تدفعنا إلى الاستفهام عن دواعي الإيغال في الوحشية عند ارتكابها. وأكثر من ذلك حول كيفية تحولها إلى عمل تختص به شبكات وأشخاص لا يترددون عن استعمال العنف، للحصول على "حصة من السوق".

هنا تقول لطيفة التاجوري، المتخصصة في علم الاجتماع وعلوم الجريمة، لرصيف22، إنه "طالما لم يكن هناك نص قانوني يحدّ من ممارسة هذه الأنشطة التي تحوّلت بمرور الزمن إلى مهنة قارّة للبعض، فإنه من المستحيل أن يمرّ علينا يوم لا نشهد فيه جرائم أو قضايا وشكاوى ضد المشعوذين".

وترى التاجوري، أن "مسألة التنكيل بالضحية من المؤشرات الدالة على ارتفاع منسوب الإيغال في القتل المرتبط حتماً بالجانب النفسي، بالإضافة إلى تنوع طرائق إخفاء أركان الجريمة المستوحاة من الذكاء الاجتماعي الذي يحاكي بعض المشاهد واللقطات التي تُبثّ في المسلسلات أو حتى في أفلام الرعب أو الدراما".

بدورها، تفيد نسرين بن بلقاسم، المتخصصة في علم الاجتماع، لرصيف 22، بأن "ما يحدث اليوم ينبئ بمخاطر على تركيبة المجتمع، فبقدر ما تنتشر مخلّفات ظاهرة الشعوذة أو غيرها من الظواهر الاجتماعية، بقدر ما نشهد تراجعاً في المستوى الأخلاقي والثقافي للسكّان والدليل على ذلك فئة من المثقفين والإعلاميين والسياسيين والشخصيات المرموقة الذين يؤمنون بهكذا 'تفاهات'".

من المستحيل أن يمرّ علينا يوم لا نشهد فيه جرائم أو قضايا وشكاوى ضد المشعوذين في تونس

وتضيف بن بلقاسم، أن "هذه الممارسات لم تُعدّ حكراً على الأحياء الشعبية والمهمشة، بل انتشرت إلى أرقى المناطق والجهات وشملت حتى الأغنياء والمثقفين".

ويعود السبب في ذلك وفق المتحدّثة إلى "تشريع الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، التعامل مع ظواهر اجتماعية شبيهة من خلال منحها فرصة الإشهار والمرور في فقرات تلفزيونية ترفيهية. فمثلاً نجد أن البرامج التلفزيونية تسوّق لثقافة الخرافة وتبيع الأوهام، ونجد أن بعض الفضائيات تركز خلال أعياد ميلاد رأس السنة على استدعاء مشعوذين وعرافين للتنبؤ والتكهّن بما سيحدث مستقبلاً كأسلوب للرفع من نسب المشاهدة وكسب أكبر عدد ممكن من الجمهور بما تبتكره من وسائل إثارة و'بوز'"، مشيرةً إلى أن هذه الأساليب لن تزيد المتفرج إلا رجعيّةً وتستخف بملكة العقل لديه.

فراغ تشريعي

تجرّنا هذه الأسئلة إلى أخرى: فهل من نص قانوني واضح يجرّم أنشطة السحر والشعوذة ومن يتمتعون بخدماتهما؟ وكيف يمكن التعامل معهم في حال الوقوع في فخّ النصب والاحتيال؟

يفسّر ماجد البرهومي، المحامي وأستاذ القانون، لرصيف22، أنه وحتى اليوم لا توجد تشريعات أو حتى عقوبات صارمة لردع السحرة والمشعوذين، مما يضاعف من نسب استمرارية مزاولة هذه الطقوس في تونس حتى أصبحت مصدراً للاسترزاق وللتجارة الربحية.

ممارسة الشعوذة لم تُعدّ حكراً على الأحياء الشعبية والمهمشة، بل انتشرت إلى أرقى المناطق والجهات وشملت حتى الأغنياء والمثقفين

وتدخل الشعوذة في باب "جريمة التحيّل" (الاحتيال)، وذكرها "القانون الجزائي التونسي" في المادة 291، التي جاء فيها أن: "عقوبة التحيل تكون بالحبس وبغرامة، لكل من استخدم مواصفات غير صحيحة أو لجأ للحيل لإقناع الغير بوجود مشروعات لا وجود لها على أرض الواقع مثل استعمال حيل مادية أو خارجية لإيهام المتضرر بصحة ما يدّعيه المتحيّل من أكاذيب وأقاويل".

ويعلّق المحامي ماجد على المادة 291، قائلاً إنها تتضمن عبارات فضفاضةً ليس لها أي تأثير في الحسم بصفة آلية في عقوبة الشعوذة والسحر، ويشدّد على وجوب تخصيص نصّ قانوني في الغرض وتكريس العقوبة اللازمة عليها وتشديدها.

الشعوذة الإلكترونية... سياسة تسويقية متكاملة

مع غياب أحكام قانونية تحدّ من تفشي ظاهرة الشعوذة وما في حكمها، يسعى الناشطون إلى تطوير آليات عملهم وتوفير أرضية ملائمة تكسبهم ثقة زبائنهم ورضاهم، فلم تعد هناك جريدة إلا وتنشر إعلانات لعشرات العرّافات، فيما تنتشر يافطات على الجدران تحمل أرقام مشعوذات يوهمن ضحاياهن بقدرتهنّ على جلب المنفعة أو دفع الضرر عنهم كالقدرة على الشفاء من الأمراض أو جذب الرزق أو التوفيق بين المتحابين أو التنبؤ بما سيحدث في المستقبل وما إلى ذلك من إعلانات الغاية منها الحصول على أموال أو منافع ومصالح مادية أخرى على حساب "معتقدات الناس".

كما خرجت أعمال السحر عن شكلها المعروف لتصبح جرائم إلكترونيةً، مثلها مثل قضايا النصب والاحتيال الإلكتروني، وتغيّرت أساليب جذب الزبائن الذين يختارون أن تكتسي عملية تعاملهم مع هذه الظاهرة نوعاً من السرّية خوفاً من إلحاق الشائعات بهم أو وقوعهم في فخّ التنمر. وهنا يلجأ الناشطون أو من يسمون أنفسهم بـ"الحكماء الروحانيين" و"الشيوخ" و"العرافين" و"قرّاء الحظ"، إلى طريق الدجل عبر إنشاء حسابات إلكترونية على مواقع التواصل الاجتماعي وصفحات ذات محتوى رقمي متطور، لعرض خدمات وتسويق أوهام خادعة تقدّم "قدراتهم على فكّ أي مشكلة مستعصية".

خرجت أعمال السحر عن شكلها المعروف لتصبح جرائم إلكترونيةً، مثلها مثل قضايا النصب والاحتيال الإلكتروني، وتغيّرت أساليب جذب الزبائن 

لا يقتصر نشاط الشعوذة في تونس على تونسيين يتحدرون من مختلف أنحاء البلاد، بل يمتد إلى أبناء جنسيات مختلفة يوهمون ضحاياهم بقدرتهم على حل مشكلاتهم. ومن ضمن هؤلاء الذين يعملون في "السحر"، أشخاص ينتمون إلى العمالة الوافدة القادمة من دول جارة، أُلصقت بسكانها الصور النمطية المرتبطة بإتقان السحر على غرار المغرب والجزائر. يتوارى هؤلاء تحت مظلة مهن مطلوبة في الداخل التونسي، ليتمكنوا من ممارسة نشاطهم الذي أضحى مطلوباً لدى شريحة اجتماعية مثقفة ولها حضور مهم في المجتمع، كرجال الأعمال والفنانين وحتى الإعلاميين والسياسيين.

وتحدثنا فدوى صالحي، ذات الأربعين عاماً والمتحدّرة من محافظة صفاقس عاصمة الجنوب التونسي، عن تجربتها مع إحدى المشعوذات المغربيات التي عُرفت بشهرتها ونشاطاتها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، قائلةً: "مررت بأيام عصيبة وسنوات من العذاب النفسي، خسرت فيها أسرتي وأطفالي، وانتهت بي إلى الطلاق وتسليم فلذة كبدي بسبب تعمّد أحد أقارب طليقي دسّ كُتيب بحجم خنصر اليد ذي وريقات خربشت عليها طلاسم وكلمات غير مفهومة. سمعت أن المشعوذ الذي تعامل معه نصحه بتغليف الكتيّب بقطعة من النحاس تفادياً لاحتكاكه بالعوامل الطبيعية، وتعليقه في أعلى شجرة نخل. فمع كل هبّة ريح أو نسمة هواء يتحرك ذلك الكّتيب ويتخبط وتالياً تتشنج أعصابي وأصبح إنسانةً عدوانيةً إلى درجة أني لا أطيق التعامل حتى مع ولدي".

اعتقدت المرأة بقدرة "المشعوذين" على حلّ مشكلاتها، وتؤكد ذلك قائلةً: "جرّبت التعامل مع هذا النوع من السحر لكن في كل مرّة كنت أنتهي إلى الفشل، حتى أنني تواصلت مع رجل على فيسبوك، عُرف بقدرته على التخلص من أساليب السحر كافة، وقرأت في خانة التعليقات على صفحته رسائل إيجابيةً عديدةً من زبائن تحرروا من مشكلاتهم، فلم أجد نفسي إلّا وأنا أرسل له في كل مرة مبلغاً من المال على أمل رؤية أطفالي مجدداً، والتمتع بالراحة النفسية التي كنت فيها سابقاً، لكنه مجهود ذهب سدى".

تنصح نسرين بن بلقاسم، الأفراد بعدم الانسياق وراء المشعوذين والتوجه إلى الأطباء وأصحاب الاختصاص للتدواي والتخلص من هذه السلوكيات السلبية التقليدية التي تأتي عادةً بعد حالة من اليأس والإحباط والإحساس بالفشل. وتشير إلى أن التملّص من هذه العادات مرتبط بمدى قدرة الفئات الاجتماعية الضعيفة نفسياً على إيجاد مخرج لمشكلاتها بعيداً عن وهم أصبح منتشراً في أوساط المجتمع.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel
Website by WhiteBeard