شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
ما أثقل الأكفان الصغيرة... حضانة غير مرخصة تحت أنقاض عمارة اللويبدة

ما أثقل الأكفان الصغيرة... حضانة غير مرخصة تحت أنقاض عمارة اللويبدة

حياة نحن والفئات المهمشة

الأربعاء 14 سبتمبر 202202:30 م

انهيار إداري وانهيار رقابي وانهيار في ضمير أحدهم، لعلها بعض العوامل التي أدت إلى انهيار المبنى السكني المكون من أربعة طوابق في جبل اللويبدة في عمّان فوق مبنىً آخر، وإلى كارثة لا تزال تكشف عن نفسها بالتدريج مع أعداد القتلى التي تزداد بوتيرة بطيئة هي نفس الوتيرة التي يتبعها فريق الإنقاذ الأردني الدولي بحذر شديد في عملية إخراج الضحايا الجارية حتى كتابة هذه السطور. 

 اللويبدة في نشرات الأخبار

عشرة قتلى وأربعة عشر مصاباً من جيراني فوق الأرض، عدد مجهول منهم لا يزالون تحت الأنقاض بما فيهم أطفال. بالأمس 13 أيلول/ سبتمبر تداولت مواقع الأخبار المحلية والعربية خبر انهيار مبنى سكني من أربعة طوابق في العاصمة الأردنية عمان. فكلاهما يقع في الانحدار الطبيعي الحاد لسفح الجبل، ما يجعل الوصول للمبنى لعملية الإخلاء مهمة صعبة. في الطابق الأرضي من المبنى الثاني تقع حضانة منزلية غير مرخصة تديرها إحدى السيدات في الحي.

أن ترى إسم حيّك أو شارعك الذي لا يهم أحداً إلا أهله على نشرات الأخبار هو دائماً نذير شؤم، وقع الانهيار في شارع ابن طفيل الذي يتفرع من شارع إبراهيم طوقان، شارع هادئ، بطيء الحركة، لا يوجد به أكثر مما يوجد في أي شارع بسيط في عمّان، عدد من العائلات الصغيرة، دكانة، مدرسة، كنيسة ويسكنه بعض الأجانب الذين يبحثون عن شيء يشبه الحرية في بلادنا.

أن ترى إسم حيّك أو شارعك الذي لا يهم أحداً إلا أهله على نشرات الأخبار هو دائماً نذير شؤم

 الشارع لا يهم أحداً، ولعل أهم ما فيه هو اسمه، لكن الجثث التي يخرجونها والجرحى الذين يحاولون إنقاذهم الآن هم جيراني، وإن لم أحفظ أسماءهم جميعهم، فأنا أحفظ وجوههم وطريقة مشيتهم وهرولة أطفالهم على الرصيف، ودائماً ما جمعتنا ألفة الجيران الغرباء الذين يبتسمون بعضهم لبعض من بعيد بدون رفع اليد.

بنتي يا رب... بنتي

 الجار الذي يبحث عن طفلته وزوجته يعمل في المقهى المجاور لنا، وصديقة الموظفة التي تعمل لدينا عُثر عليها ميتة ليلة الأمس. زرت موقع الانهيار وأنا لا أعرف ما الذي أستطيع أن أقدمه ولا ما الذي أريد أن أعرفه، أول ما عرفته من الجيران ولن أقول الشهود هو وجود الحضانة المنزلية تحت الركام، خبر كفيل بأن يجرّد كل منا من أية قوة امتلكها يوماً.

رجل سبعيني يصرخ "وينهم وينهم" وهو يسأل عن أحفاده.

أم لرضيعة عمرها أربعة أشهر لا تفعل شيئاً غير السير والدعاء والبكاء بصوت مخنوق "بنتي بنتي يا رب بنتي". أردت فعلاً أن احتضنها ولم أفعل، وأم أخرى ظلت تصرخ "أولادي أولادي" وهي تمشي بشكل هستيري جيئة وذهاباً، كانت توجه كلامها لكل أحد، وفي نفس الوقت لم تكن تكلم أحداً. للموت هيبة كبرى لا تفوقها إلا هيبة انتظار خبر الموت، السؤال الكبير وقد غلفه الخوف من أن يكونوا قد ماتوا، أو أنهم يموتون الآن.

أم لرضيعة عمرها أربعة أشهر لا تفعل شيئاً غير السير والدعاء والبكاء بصوت مخنوق "بنتي بنتي يا رب بنتي"، وأم أخرى ظلت تصرخ "أولادي أولادي" وهي تمشي بشكل هستيري جيئة وذهاباً، كانت توجه كلامها لكل أحد، وفي نفس الوقت لم تكن تكلم أحداً.

ارتداء الأمهات غطاء الصلاة على الرأس "اليانس" يقول إنهن كن قرب المنزل، فهذا ما ترتديه النسوة المحجبات لقضاء الحاجيات اليومية، كالشراء من الدكان القريب أو استعارة شيء من الجيران، تقول إحدى الأمهات إنها تركت رضيعتها ذات الأربعة شهور عند جارتها ثم التفتت إلى الوراء فسمعت الصوت.

أي رعب هذا. 

تنويع على الموت

 أمهات وآباء وأجداد وجدات ورعب ثقيل، حزن يمسك الهواء، نظرات تساؤل يتبادلها الجيران، رائحة موت أكيد في الجوار، عجز عن تقديم المساعدة، وحزن يخرج من أعمق مكان في العقل.

يقولون إن إحدى العمارات انهارت، وكأنه خبر بعيد في مكان بعيد، لكننا في هذه الأرض التي تحترق ذاتياً يجرب الموت تنويعاته بنا، من الحروب إلى الأوبئة إلى الانفجارات إلى الانهيارات، وقبل كل شيء نعرف كيف يقتل الفقر الناس من خلال اتخاذهم خيارات غير آمنة فقط لأنها هي المتاحة، كالسكن في بيت آيل للسقوط. 

في هذه الأرض التي تحترق ذاتياً يجرب الموت تنويعاته بنا، من الحروب إلى الأوبئة إلى الانفجارات إلى الانهيارات، وقبل كل شيء نعرف كيف يقتل الفقر الناس من خلال اتخاذهم خيارات غير آمنة فقط لأنها هي المتاحة

أن تحال الكارثة إلى منطق "إجت ساعته" هو مجرد استغلال لعقيدة الناس، وابتزاز لهم في إيمانهم الذي يحتم عليهم التصديق بالقضاء والقدر، التسليم بالنصيب لا يتعارض مع المحاسبة والرقابة، لكنه يتعارض مع دور الدولة الحديثة ومهمتها، إذ ليس مسموحاً لأية جهة رسمية أن تحيل الكوارث لأسباب غيبية.  

المباني القديمة في عمّان القديمة... من المسؤول؟

نقابة المهندسين أفرجت عن كتاب كانت قد وجهته إلى أمين عمان بتاريخ تموز/ يوليو 2021 تحذر فيه الأمانة من خطر  المنازل الآيلة للسقوط، وتعرض المساعدة في إجراء مسح للبؤر الساخنة. الأمانة لم تحرك ساكناً لاتخاذ إجراء إداري مستدام يضمن الكشف الدوري على المناطق القديمة، ولا أحد يضمن أنها ستفعل بعد أن تبرد نار الإعلام ويدفن الموتى. واليوم طالب نقيب المقاولين بإجراء مسح جغرافي لتحديد الأبنية المتهالكة في الأردن، دعوة متأخرة جداً كما تقول التعليقات.

في لقاء تلفزيوني صرح عضو أمانة عمان الكبرى مازن عطية أن المسؤولية تقع على المُلاك الذين يجب أن يقوموا هم بإجراء الصيانة المطلوبة لمنازلهم، لكن في معظم دول العالم، تكون مهمة الكشف على المنازل القديمة مهمة البلدية، ناهيك بوجود صندوق مخصص لدعم من لا يستطيعون التكفل بنفقات الصيانة، كجزء من دور البلديات في الحفاظ على الهوية المعمارية وعلى سلامة مواطنيها. 

تصريح عطية كان ليكون مقبولاً لو لم يتم تصنيف جبل اللويبدة كمنطقة تراثية منذ سنوات طويلة ومن قبل أمانة عمان التي يمثلها، إذ تخضع تراخيص البناء والإنشاء وحتى تراخيص المهن فيها لرقابة مشددة ونفقات إضافية كبيرة من هذا المنطلق، وبالتالي فمن الأولى إذا كنت قد أعلنت أن المنطقة محمية بتعليمات وأنظمة مخصصة لها أن تحصر على الأقل المباني التي جعلتها تراثية وتخضعها للرقابة الدورية.

مختار اللويبدة عمر الفاعوري أدلى بتصريح آخر، إذ أخبره أحد سكان العمارة من الناجين أن مالك المبنى كان يقوم بتعديلات إنشائية في الطابق الأرضي دون الحصول على ترخيص بذلك، وأنه -أي الجار- حذره من أن الجدران تتشقق في الطوابق العليا.

بعض المهندسين على مواقع التواصل الاجتماعي رفضوا استباق التحقيق الذي أمر به رئيس الوزراء بعد زيارته لموقع الانهيار، معتبرين أن ذلك تصرف غير مهني، بينما صرح رئيس الشعبة المدنية في نقابة المهندسين المهندس بشار الطراونة في لقاء تلفزيوني أن سقوط مبنى بهذا الشكل لا يخرج عن ثلاثة احتمالات، هي: 

وجود بناء بوزن إضافي. 
أعمال إنشائية غير مدروسة وغير مصرح بها. 
أعمال إنشائية جديدة بالقرب من المباني القديمة. 

السبب الثاني متحقق، والثالث أيضاً.

الفقر أيضاً سبب متهم بشدة، حاجة العائلات إلى سكن بأي ثمن وفي أية ظروف، حتى لو في مبنى متشقق، لجوء النساء إلى حضانات غير مرخصة لعدم قدرتهن على دفع ثمن حضانة آمنة لأطفالهن. الفقر مسؤولية من؟

ذاكرة الموت في المكان

أحد مداخل الشارع حيث الكارثة يقع تماماً أمام "أرسطو" المقهى الذي أسسناه أنا وزوجي في الحي، في الحقيقة موقع الانهيار لا يبعد أكثر من مئة متر عن المقهى. وتحديداً مقابل الزاوية التي نقضي فيها أنا وطفلتي ساعة مسائية قبل أن نعود إلى المنزل كل يوم، وحيث اعتدنا أن تكون أمسياتنا هادئة، لا ينغصها إلا بعض الباعة المسالمين.

المدخل مغلق الآن، مشهد المدرعات ورجال الأمن وهم يغلقون شارعاً هامشياً لا يعرف أحداً إسمه هو أكثر ما يؤلمني، وكأن أحدهم رسم فوق لوحة ما لا يشبهها.  لن أنظر إلى تلك الزاوية بنفس الطريقة الشاردة بعد اليوم، سأسمع دائماً صوت الأم التي تناجي بصوت مبحوح "بنتي يا رب... بنتي". 

تحديث... 

تم العثور على الطفلة الرضيعة ذات الأربعة أشهر وهي الآن بصحة جيدة مع عائلتها



كل فئات المجتمع تستحق الحياة، هكذا ببساطة. شاركونا ما يدور في رؤوسكم حالياً. غيّروا، ولا تتأقلموا!

نؤمن في رصيف22، بأن بلادنا لا يمكن أن تصبح بلاداً فيها عدالة ومساواة وكرامة، إن لم نفكر في كل فئة ومجموعة فيها، وأنها تستحق الحياة. لا تكونوا زوّاراً عاديين، وساهموا معنا في رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا!

Website by WhiteBeard