ذاك الذي خنتُه ولا أتذكر اسمَه

الأربعاء 14 سبتمبر 202211:52 ص

"ذلك الخطاط كتب ثلاثة خطوط؛ واحد قرأه هو وليس الغير، واحد قرأه هو والغير، واحد لا هو قرأه ولا الغير. أنا ذلك الخط الثالث". (شمس الدين التبريزي) — صفحة تحررها مريم حيدري 


عرفت طوال حياتي ضروباً مختلفة من العمى. بدأ الأمر لي في سن مبكرة جداً، حين أخذت أرى اثنين من كلّ شيء؛ بيتين، سيارتين، اثنين من صبيّ واحد في روضة الأطفال أراد أن يتشاجر معي، وفعل، أُمّين، واثنتين من "الداية" التركية التي طالما اعتبرتُها أمّي الحقيقية.

يمكن أن يكون العمى رؤية الكثير من الأشياء، تماماً كرؤية القليل منها.

صيف عام 1972 أُرسِلتُ إلى إنكلترا لمعالجة بصري. كنت في السابعة آنذاك. كان على أبي أن يحضر أولمبياد ميونيخ مع الفريق الإيراني، وأمي كانت غائبة؛ لم أسأل قطّ عن سبب غيابها. ذات يوم أخذتني جدّتي برفقة أخي الأكبر إلى مستشفى كان علي أن أبقى فيه فترة ذلك الصيف. ما أتذكره عن ذلك المستشفى ليس إلا الممرضات اللاتي كن راهبات في الحقيقة. كنّ جادّات طوال الوقت، والضحك كلمة خارج قاموسهن. خفتُ من المكان بمجرد أن وضعتُ أول خطوة فيه.

جدتي التي كانت تملأ المكان الفارغ لأمي في غيابها الدائم، سألتني إن كنتُ أريد الشروع في الإقامة في المستشفى منذ ذلك اليوم أم من اليوم التالي؟

"كم من الوقت سأبقى هنا؟"

"أه، بضعة أيام فقط."

"إذاً سأبدأ من اليوم."

كانت الإجابةُ استعراضَ صبيٍّ للشجاعة، وأملاً في التخلص من كابوس الوحدة في مستشفى بلد أجنبي بعيد في أسرع وقت ممكن.

لكن الأيام تحولت إلى أسابيع في ذلك المستفشى. أحياناً كنت أسأل نفسي، وبمنطقي الطفولي الفجّ، إن كان عليّ ألا أجلب لنفسي ذلك اليوم الإضافي في هذا المكان المخيف؟

كان الخوف يتقدّم نحوي على شكل موجات. أحياناً لم أشعر به إطلاقاً، ولم أعر مكوثيَ في المستشفى اهتماماً كثيراً. كان السببُ صبياً عربياً، سعودياً، يقع سريره بالقرب مني، وإن لم نكن في نفس الغرفة. فلم تكن ثمة غرفة في الحقيقة، بل شبه ممرّ واسع في المستشفى. أتمنى لو أتذكر اسمه الآن، وبما أنه لا يحضرني فأسميه "خالد".

كيف اجتمعنا أنا وخالد؟ هذا سؤال راودني طيلة أربعة عقود. في اليوم الأول منحتنا إدارة المستشفى جولة في الطابق الذي كنت سأقيم فيه. ونحن نسير في الممرّ حيث كان خالد مستلقياً، وحيداً، على سريره، بتوقٍ وخوف كانا سيمتلكانني أنا الآخر، قريباً، في ذلك المكان المريض، التقت عيوننا.

كنت أبحث عن خالد بعد سنوات طويلة عندما وقعتُ في حبّ امرأة قرأتْ لي لأول مرة شعرَ ابن زيدون بلغته الأصلية، العربية؛ كما بحثتُ عنه، قبل ذلك، في عيون الرفاق العراقيين في ساحات القتال في بلاد الرافدين... سالار عبده في مجاز الخط الثالث

لم أكن أعرف حينها أننا لا نستطيع التحدث بلغات بعضنا بعضاً. لكن لغة الخوف عالمية، وشيء ما انطلق بداخلي بمجرد أن تركنا خالداً والممرّ متجهين نحو غرفة كبيرة جداً كان فيها اثنا عشر سريراً أو أكثر. على كلّ سرير كان صبي بريطاني مستلقٍ، يحدق فينا بعينين خامدتين. لون بشرتي كان أقرب إليهم منه إلى خالد، لكن شيئاً ما في الانهيار الجليدي لشحوبهم كان يهددني.

راودني أيضاً سؤال لم أطرحه قط؛ لماذا عُرضت علي إمكانية النوم على سرير في تلك الغرفة بينما كان ينام خالد في الممرّ؟ بدا الأمر غير عادل. والأكثر غرابة هو أنني كنت مجرد طفل، وسُمح لي أن أختار مكان الإقامة: مع الصبية البريطانيين، أم مع خالد.

سألتْ جدّتي: "يسألون إن كنت تريد البقاء في هذه الغرفة أم هناك مع ذلك الصبي".

بلعت ريقي بشدّة، وقلت: "سأبقى مع ذلك الصبي".

حدثت وقفة. وتلك الغرفة الطويلة بدت تكبر وتمتد، وإن لا أكون مخطئاً، الممرضة التي كانت ترافقنا نظرت إلي مستغربة، وكأنني كنتُ فشلتُ في نوع من الاختبار.

أصبح خالد أخي. استغرق الأمر فترة المساء ليحدث. وإلى اليوم لم أعرف ما كان مرضه، ولماذا كان هناك. في معظم الأحيان كنا في ورطة، نفعل أموراً لم يحلم بها أولئك الصبيان البريطانيون لألف عام. الظلم البائن في الممرّ كان بطاقة سمحت لنا بالتسكع في المستشفى كما نشاء. طاردنا سلالمه، ابتسمنا وضحكنا حين كانت الممرضات يوبخننا بكلمات لم نفهمها لعدم بقائنا على أسرّتنا. لغتنا كانت لغة الأخوّة. لم أكن أتحدث العربية، ومن الواضح أنه لم يتحدث الفارسية، والإنكليزية لم تكن لغتنا بعد لنتشارك بها الحوار. كنا نتحدث بالإيماءات؛ بعلامات الأيدي والعيون الجائعة لولدين يكبران في تقدير بعضهما بعضاً مع كلّ شقاوة جديدة ينجزانها معاً. في بعض الأحيان كنا نشرئبّ إلى غرفة الأطفال البريطانيين، وأنا متأكد أن كلّ واحد منا كان يعرف بماذا يفكّر الآخر: "الحمد لله أننا لسنا سجناء تلك الغرفة!".

جدّتي كانت تزورني كلّ بضعة أيام. ذات يوم جاءت مع عمّي علي الذي كان جرّاحاً في سويسرا.

"يقول الطاقم إنك وهذا الصبي العربي تسيئان التصرف. قالوا إنهم قد يضطرون إلى تغيير سريرك ونقله إلى المكان الآخر".

كان هناك تلفاز. لستُ متأكداً الآن من مكان ذلك التلفاز بالتحديد، لكن حضوره محفور في أعماق ذاكرتي؛ شيء صغير، ومكتنز، كان الكلّ محدقاً به ومصغياً إليه ذلك المساء، حتى عندما كانوا يخبروننا، أنا وخالد، بأننا قد نفترق.

لم أتذكر أنني رأيت خالدين اثنين خلال إقامتنا في المستشفى، وبعينيّ المريضتين قبل الجراحة. أتذكر رؤية خالد واحد فقط؛ الذي خنتُه، ولن أتذكر اسمه أبداً... مجاز الخط الثالث

حدث شيء في أولمبياد ميونيخ؛ شيء جاد. ثمة أناس قُتلوا أو كانوا على وشك أن يُقتلوا، وأكون كاذباً إن قلت اليوم إنني كنت أعرف في ذلك الوقت ماذا أو من أو أين كانت فلسطين، ومن هم الإسرائيليون. أنا وخالد الواقعان في ورطةٍ مع الكبار، نظرنا إلى بعضنا بعضاً بحيرةٍ، وكنت أريد أن أنقل له بطريقة ما أن والدي كان هناك بالفعل، وفي تلك اللحظة، في التلفاز، في ميونيخ، وأنني لستُ قلقاً بشأن والدي، لأنه كان قوياً، وكنت أتمنى لو يأتي قريباً إلى هنا، فيعرف خالد مدى قوّتِه.

بعد بضعة أيام أجروا عملية جراحية على عيني، وهذه المرة حلّ العمى الحقيقي. ربما كان الأمر ناشئاً من إحساسي الطفولي، إذ شعرت أن أيام العمى التي تلت العملية تمتدّ إلى أسابيع وأشهر. في الحقيقة ربما لم تكن إلا بضعة أيام؛ أيام من الظلام المطلق، مع ضمادات على عيني، ودون أيّ حركة تقريباً.

كان يريدني خالد أن أعود، ويريدنا أن نعود إلى التجوّل في تلك الممرّات كما كنا من قبل، لنقع في ورطات معاً. حين أتت جدتي برفقة أخي وعمّي إلى زيارتي، كانت محادثاتهما متمحورة حول ميونيخ. في سكون العمى وأساه، كنت أتخيل أن أبي عاد من تلك المدينة التي بدت لي منكوبةً، لكن عَماي لا يسمح لي أن أراه مرة أخرى، وإلى الأبد.

كان خالد يشعر بالملل دوني. كان يأتي ويكزني ويقول أشياء لم أفهمها. لم أكن في مزاج جيد. لم أتألم، لكنني لم أستطع أن أرى، وعدم الرؤية جعلني عابساً. كان خالد مازال خالداً، لكنني قد تمّ اختزالي نوعاً ما. قلتُ له بأفضل "لا لغة" بيننا أن يستغني عني. لكنه لم يسمع. كان يريد أن يعود صديقه إليه.

ذات يوم شكوتُه لجدّتي أو عمّي. لم أتذكر أيّ واحد منهما. وسرعان ما، في الحقيقة في اليوم نفسه، ساد الهدوءُ زاويةَ خالد في الممرّ. جلستُ في ظلّ عماي وخيانتي له، وتساءلتُ إلى أين يا ترى قد أخذوه؟ هل كانت شكواي هي التي ذهبتْ به؟ أم أنه نُقل إلى العملية الجراحية التي كان في طابور انتظارها؟

في سكون العمى وأساه، كنت أتخيل أن أبي عاد من تلك المدينة التي بدت لي منكوبةً، لكن عَماي لا يسمح لي أن أراه مرة أخرى، وإلى الأبد

الأيام المديدة المظلمة في عدم رؤية الأشياء، مع غياب خالد هناك، حوّلت عالمي إلى عذاب لا يعرف عنه شيئاً سوى الذين ارتكبوا الخيانة. كنتُ قد خنتُ أخوّتَنا بالحديث عنه. لم يعد خالد هناك، وكان عليّ أن أبحث طوال حياتي لأجده وأستغفره. كنت أبحث عن خالد بعد سنوات طويلة عندما وقعتُ في حبّ امرأة قرأتْ لي لأول مرة شعرَ ابن زيدون بلغته الأصلية، العربية؛ كما بحثتُ عنه، قبل ذلك، في عيون الرفاق العراقيين في ساحات القتال في بلاد الرافدين. وربما، شعرتُ به أقرب حين التقيت عجوزاً لطيفاً في حيّ "الصدر" في بغداد، ذات أمسية ربيعية، وبُحت له ببعض الحديث، بعفوية ودون شعور بالمرارة او الامتعاض، فقال لي: "الأمر هو فقط أن دمكم بارد أنتم الفرس، يا سيّد عبدُه! أليس كذلك؟".

كثيراً ما كنت أتساءل لماذا لم أتذكر اسم خالد بتاتاً. قد تعتقدون أن المرء عليه أن يتذكر، على الأقل، اسم الشخص الذي فكر به لسنوات مديدة؛ شخص لم يكن شيئاً بالنسبة له، ولكنه كلّ شيء.

حالياً بتّ أعرف السبب: لم أتذكر اسم خالد لأنني لم أنادِه باسمه قط، كما أنه لم ينادِني باسمي. في أخوّتنا الخاصة في صيف 72 في لندن، غياب الكلمات -العربية والفارسية والإنكليزية- لم يتطلب أسماءنا، لذلك لم نستخدمها أبداً. بدلاً من ذلك استخدمنا لغة أكثر حميمية؛ لغة اللمس، والضحك، والصخب الفتيّ الطريف. لم أتذكر أنني رأيت خالدين اثنين خلال إقامتنا في المستشفى، وبعينيّ المريضتين قبل الجراحة. أتذكر رؤية خالد واحد فقط؛ الذي خنتُه، ولن أتذكر اسمه أبداً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard