من حياة "فاتن أمل حربي" ... كيف تهدر القوانين المصرية حقوق النساء؟

الجمعة 8 أبريل 202203:28 م


حاز مسلسل "فاتن أمل حربي"، من تأليف الكاتب إبراهيم عيسى وبطولة النجمة نيللي كريم، على اهتمام متابعين كثر خلال موسم رمضان الحالي. ويمثل المسلسل انفراجة في المساحات التي تسمح الهيئة الوطنية للإعلام (كيان حكومي يسيطر على البث التلفزيوني والإذاعي في مصر) بتناولها في الأعمال الدرامية. ويستعرض المسلسل من خلال بطلته التي يحمل العمل اسمها "فاتن أمل حربي" معاناة زوجات يتعرضن للعنف المنزلي واستيلاء الأزواج على رواتبهن وما يلاقينه بعد الطلاق. فالبطلة يستخدم زوجها ثغرات القانون للتنكيل بها وإجبارها على العودة إلى علاقة الزواج.

خلال الحلقات الأربع الأولى استطاع المسلسل الذي أثار جدلاً واسعاً أن يطرح قضايا عديدة، منها مصادرة الذمة المالية للنساء، واستغلال القانون في إسقاط حقوقهن وحقوق أطفالهن في التعليم من خلال قصر "الولاية التعليمية" على الآباء ومنعها عن الأمهات إلا بموجب إذن قضائي مؤقت، وهذا ما يكفل للآباء التنكيل بالنساء من خلال التحكم في المستقبل التعليمي للأبناء. كما تناول المسلسل الألاعيب القانونية التي تكفل للزوج الاستيلاء على المنقولات وبيت الزوجية (المنزل المخصص لحضانة الأطفال)، وما تضطر النساء إلى خوضه من إجراءات قانونية معقدة وملتوية للحصول على بعض الحقوق الأساسية لهن ولأبنائهن.

 ينقل المسلسل واقع ما تضطر النساء في مصر إلى خوضه من إجراءات قانونية معقدة وملتوية للحصول على بعض الحقوق الأساسية لهن ولأبنائهن

يلفت المسلسل إلى الأوضاع التي ترتبها القوانين والإجراءات، وكيف باتت سيفاً مسلطاً على أعناق المصريات على الرغم من وجود نصوص قانونية ظاهرها الانتصار للمرأة، لكن تبقى اللوائح التنفيذية التي ترتب كيفية تطبيق تلك القوانين باباً للتلاعب واستغلال تلك القوانين نفسها في العصف بحقوق النساء.

من يكتب القانون؟

في فبراير/ شباط 2021، أحال مجلس الوزراء إلى البرلمان مقترحاً جديداً لقانون الاسرة، كي يكون بديلاً لقانون الأحوال الشخصية الحالي. في الوقت نفسه، أعدت مؤسسة الأزهر مقترحاً للقانون نفسه، ووضعت منظمات مجتمع مدني مقترحاً ثالثاً.

قوبل مشروع الحكومة بغضب مجتمعي واسع النطاق من قبل النساء، وتأييد واضح من الرجال، كذلك كان مشروع القانون الذي أعده الأزهر، الذي يرجح أن يمر بعد مراجعة، خاصة بعد إعلان الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي عن تأييده له. وانتهت الحكومة إلى سحب مشروعها بعد اتهامات وبيانات من منظمات المجتمع المدني كونه "يهدر مكتسبات قدمت المرأة المصرية تضحيات هائلة كي تحصل عليها".

من المواد التي أثارت، ولا تزال، غضباً واسعاً في القانون الساري والآخر المقدم من الحكومة حول الأحوال الشخصية، مواد خاصة بحق الأم في الولاية على أبنائها.

تُمنح المرأة حق الولاية التعليمية بقرار قضائي مؤقت. كما لا يحق لها إدارة تركة ابنائها أو الإنفاق عليهم من ميراثهم من دون أذون قضائية، فيما يطلق القانون يد الرجال في التصرف في ميراث أبنائهم من دون قيود أو مراقبة

فبموجب القانون الساري لا يحق للأمهات تسجيل مواليدهن إلإ في حضور أحد أشقاء الأب أو والده، كما لا يحق لهن استخراج أوراق رسمية لأبنائها، أو اتخاذ قرارات بشأن مستقبلهم التعليمي واتخاذ الإجراءات التي تكفل لهن الحفاظ عليه، وتُمنح المرأة حق الولاية التعليمية بقرار قضائي مؤقت. كما لا يحق لها إدارة تركة ابنائها أو الإنفاق عليهم من ميراثهم من دون أذون قضائية، ينبغي لها أن تسعى للحصول عليها عند كل تصرف خارج المصروف الشهري الذي تخصصه المحكمة من التركة الموروثة، فيما يطلق القانون يد الرجال في التصرف في ميراث أبنائهم من دون قيود أو مراقبة.

دعت هذه الأوضاع القائمة، والتي تتشدد فيها مسودة القانون الحكومي الجديد، إلى إطلاق مؤسسة المرأة والذاكرة حملة "الولاية حقي" المستمرة منذ مارس/ آذار 2021.

جسدُكِ ليس لك

تتخطى حقوق الولاية المنزوعة عن النساء أبناءهن، وتصل إلى الولاية على أجسادهن. إذ لا تعترف القوانين للنساء بحقهن في ملكية أجسادهن والتصرف فيها. فيمنع القانون الإجهاض حتى على المغتصبات.وثارت في مصر تزامناً مع عرض القانون، قضية طفلة في الثالثة عشرة من العمر حملت من والدها بعد اغتصابه إياها، ويمنعها القانون من إجهاض الجنين، استناذاً إلى فتوى قاطعة من لجنة الفتوى بالأزهر الشريف تحظر الإجهاض حتى في حالة الاغتصاب.

 أما المتزوجات فيحظر عليهن الإجهاض وإن كان في استمرار الحمل خطورة على حياتهن من دون موافقة الزوج. وتمتد ملكية الزوج لجسد زوجته إلى حد منع العمليات الجراحية الضرورية عنها، بموجب القانون.

تسري الولاية على جسد النساء على أي إجراء طبي يتصل بالأعضاء الجنسية والتناسلية لهن، إذ يعدها المشرِّع ملكاً للزوج أو ولي الأمر حال كونها غير متزوجة

وشهدت مصر أخيراً قضية لافتة خلاصتها أن سيدة كادت تفقد حياتها لرفض الأطباء إجراء جراحة استئصال الرحم نتيجة أورام متعددة تسببت بنزيف متكرر، بعدما رفض زوجها الذي تقدمت بدعوى خُلع للطلاق منه أن يوافق على الجراحة.

يسري هذا على أي إجراء طبي يتصل بالأعضاء الجنسية والتناسلية للنساء، إذ يعدها المشرِّع ملكاً للزوج أو ولي الأمر في حال كونها غير متزوجة.

عانت السيدة مريم، التي سبق الإشارة إلى قضيتها، من نزيف استمر خمسة أشهر ورفض الأطباء إجراء جراحة الاستئصال لرفض الزوج التوقيع على مستندات الموافقة. ولم تحل قضيتها إلا بعد استغاثة أطلقتها المخرجة نيفين شلبي عبر صفحتها الشخصية على فيسبوك. ونقلتها عنها صفحة اتكلمي Speak Up وهي مبادرة نسوية معنية بدعم ضحايا العنف، فتطوع أحد الجراحين لإجراء العملية من خلال استخدام الاستثناء القانوني الذي يمنح الأطباء حق التدخل الجراحي من دون انتظار موافقة الولي إذا كانت حياة المعنية مهددة بالخطر، وذلك وفقاً لنصوص قانون "المسؤولية الطبية" نفسه، الذي يشترط موافقة "الولي" على الإجراءات الطبية المتعلقة بأجساد النساء.

من مظاهر الولاية كذلك، غياب العقاب الرادع للآباء الذين يرغمون بناتهم على الزواج من خلال استخدام حق الولاية. إذ لا تزال مصر تشهد وقائع يومية تقوم فيها أسر بإكراه بناتها على الزواج، ومنهن هداية ابنة محافظة المنوفية بدلتا مصر التي تخلصت من حياتها بتناول حبة الغلة، بعد أن أرغمها وليها على الزواج من ابن عمها. وللسبب ذاته انتحرت فتاة أخرى من مركز العدوة في محافظة المنيا بصعيد مصر.

 في أغسطس/ آب 2021، أعد المجلس القومي مشروع قانون يعاقب الأب في حال إرغام ابنته على الزواج، ويتضمن مشروع القانون معاقبة كل من أكره أنثى على الزواج بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وغرامة لا تقل عن عشرة آلاف جنيه ولا

تزيد عن عشرين ألفاً أو بأحدى هاتين العقوبتين.

يذكر أن الحكومة أعدت مشروعاً لقانون تحت مسمى القانون الموحد لمكافحة العنف ضد المرأة، شاركت في وضعه سبع منظمات حقوقية، بعضها حكومية ومنها المجلس القومي للمرأة. ويناقش المشروع جرائم إسقاط الحامل، والجرائم الجنسية، والجرائم الخاصة بخطف النساء والفتيات والأطفال واستغلالهم، بالإضافة إلى جرائم العنف الأسري ضد النساء والفتيات، والإجراءات الوقائية من العنف وجرائم الاعتداء والابتزاز الجنسي. وينتظر مناقشة مشروع القانون وإصداره خلال عام 2022.

فخ الإجراءات

 "شهَّر بي وحوّل حياتي لجحيم بعد رفضي العودة إليه"، تقول شيماء الرمال التي تعرضت للابتزاز الإلكتروني على يد زوجها السابق، الذي استغل صوراً وفيديوهات حميمة التقطها لها خلال زواجهما، في التشهير بها والضغط عليها لكي تقبل الزواج منه مجدداً.

اضطرت الرمال إلى تقديم بلاغات والتقدم بدعوى قضائية لإجبار زوجها على محو الصور والفيديوهات ومعاقبته على جريمة الابتزاز الإلكتروني والتشهير.

استغرق التقاضي شهوراً طويلة، ظلت صورها فيها متداولة من هاتف إلى آخر. وعندما صدر الحكم في مارس/ آذار 2021 بحبس الزوج عشر سنوات على جريمته، بدأت معه الرمال كفاحاً جديداً كي تستجيب السلطات وتتحرك لتنفيذ الحكم الغيابي، ولا يزال زوجها طليقاً يواصل ابتزازها وتهديدها والتشهير بها، بسبب بطء الإجراءات التنفيذية.

 في هذا السياق، تقول لرصيف22 هبة عادل، رئيسة مجلس أمناء محاميات مصريات لحقوق المرأة، إن الإجراءات القانونية طويلة ومعقدة. و"لدى تقدم الفتاة ببلاغ وهي مهددة بنشر صورها خلال 24 ساعة، فمن المتوقع أن تكون جهة تنفيذ القانون أسرع، لكن الأمر قد ينتهي بحفظ البلاغ لعدم التوصل لمرتكبي الواقعة. لذا نعتبر العدالة بطيئة عن تحقيق الغاية القانونية التي صيغت من أجلها، ومن يدفع ثمن ذلك هن النساء"، بحسب قول عادل.

جرائم الشرف صداع عربي مصري الجذور

يعطي القانون عفواً يتيح إفلات المعتدين على بنات وسيدات الأسرة إن كان الاعتداء الذي يصل أحياناً حد القتل، جرى بغرض التأديب أو الدفاع عن الشرف.

وللمثال على قضايا القتل المقترنة بجرائم الشرف، ارتكب أب جريمة قتل مقترنة بالتمثيل بجثة ابنته، فعاقبته محكمةجنايات الأسكندرية بالسجن 10 سنوات بعد أن دافع عن نفسه بالقول إن مبرره للقتل والتشويه هو "الشك في سلوك ابنته".

وتعود وقائع القضية رقم 19136 لسنة 2019 (جنايات، ثالث المنتزه) إلى عثور عمال مصنع تدوير قمامة على أجزاء آدمية لأنثى داخل كيس أسود، ولاحقاً أظهرت كاميرات المراقبة أن أباها الخمسيني الذي يعمل "نقاش" هو من ألقى جثمانها الممزق في القمامة.

ولا تقل جرائم العنف والتشويه التي تواجهها النساء على أيدي الأزواج عن تلك اللواتي يواجهنها على أيدي الآباء والأعمام والأشقاء. ويبلغ عدد السيدات اللواتي يتعرضن للعنف الأسري سنوياً نحو ثمانية ملايين في مصر، حيث تعرض نحو 86% من النساء للعنف الزوجي، وفقاً لإحصائية أعدتها وحدة الدراسات والبحوث بملتقى الحوار للتنمية وحقوق الإنسان عام 2020.

وطبقاً للدراسة نفسها، تعرضت 86% من الزوجات للإيذاء الزوجي إذ مارس أربعة من كل خمسة رجال متزوجين شكلاً من أشكال العنف النفسي ضد زوجاتهم. بالإضافة إلى ذلك، أبلغ ما يقرب من نصف الشابات عن تعرضهن للعنف الجسدي من قبل إخوتهن أو آبائهن. وبحسب البيانات، حدثت زيادة بنسبة 13٪ في عدد المرضى في مراكز علاج العنف الأسري، وحصلت 2704 نساء على رعاية فردية، و9278 امرأة رعاية أسرية. فيما أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عام 2017 عن دراسة كشفت عن أن 90% من النساء تم ختانهن، و42.5%  يتعرضن للعنف من قبل أزواجهن، و37% من إجمالي النساء اللاتي يتعرضن للعنف على يد الأزواج أميات، و35.1% يتعرضن للعنف البدني، و47.5% يتعرضن للعنف النفسي، و14.5% يتعرضن للعنف الجنسي، و86% من النساء اللواتي يتعرضن للعنف يعانين مشكلات نفسية.

ووفقاً للمحامية هبة عادل، فإن لدى مصر "ترسانة قوانين لو حظيت بالتطبيق، لحصلت المرأة على كامل حقوقها"، ولكنها ترى أن ثمة معوقات تتمثل في "منظومة التنفيذ القضائي"، إذ لا تصدر الأحكام سريعاً على مرتكبي جرائم العنف ضد النساء، "لذا نحن بحاجة لتطبيق مفهوم العدالة الناجزة".

وترى عادل أن "تغليظ العقوبات يعد عائقاً في بعض الأحيان. فالقاضي ملزم بالبحث عن مزيد من الدلائل، وقد يضطر لاستخدام سلطته التقديرية بمقتضيات الرأفة". معتبرة أن الرادع الحقيقي ضد العنف المؤسس على النوع، يتمثل في القبول المجتمعي لعقاب الجاني والعدالة الناجزة. وتضيف: "آن الأوان لإصدار القانون الموحد لقضايا العنف ضد المرأة، مع إنشاء مفوضية مكافحة التمييز التي نص عليها الدستور، وبحث آلية جديدة لسرعة إنفاذ القوانين المرتبطة بقضايا العنف ضد المرأة لكي يعلم المتهم أنه سيعاقب لا محالة".

وتلفت إلى أن هناك "عواراً قانونياً في بعض المواد" فيما يتصل بحقوق النساء، كقانون معاقبة مرتكب واقعة الزنا التي تشهد تمييزاً ضد المرأة، على الرغم من أن الجريمة واحدة. ومثالاً على ذلك "نصت المادة 276 على معاقبة الزوج بالحبس 6 أشهر إذا مارس الجريمة في منزل الزوجية وحركت الدعوى زوجته بعد ضبطه متلبساً، فيما تعاقب الزوجة بالسجن عامين إذا ارتكبت الجريمة ذاتها في منزل الزوجية أو أي مكان آخر حال ضبطها الزوج متلبسة وحرك الدعوى الجنائية، ولكل الطرفين حق وقف الدعوى ضد الآخر في أي مرحلة إذا ارتضى أن يعيش مع الطرف الأخر كما كان قبل وقوع الجريمة".

وعلى الرغم من أن المشرِّع غلّظ عقوبة مرتكب جريمة ختان الإناث للسجن المشدد لمدة لا تقل عن 10 سنوات، بعد واقعة الطفلة ندى البالغة من العمر 12 عاماً، لا تزال تلك الجريمة تمارس، خاصة مع استخدام سلطات القاضي التقديرية التي تسمح أحياناً بالعفو عن مرتكبي الجريمة. ففي واقعة ندى، أخلت محكمة مصرية سبيل الطبيب المتهم بكفالة قدرت بخمسين ألف جنيه عام 2020 إذ أجرى الطبيب الجراحة من دون طبيب تخدير أو ممرض، وفقاً لاعترافاته. وفشل الطبيب المخلى سبيله في وقف النزيف.

 القتل بسبب الميراث

لم تقف وقائع العنف الأسري ضد المرأة عند هذا الحد. فهناك عنف يمارس ضدها بأشكال مختلفة كحرمانها من الميراث، وهو من أهم القضايا التي تشهدها الكثير من الأسر المصرية في الصعيد والريف حيث تحرم المرأة من الأرث. ووفقاً لإحصائية أصدرها ملتقى الحوار للتنمية وحقوق الإنسان عام 2020، أن 95% من نساء محافظتي سوهاج وقنا بصعيد مصر لا يرثن. كما أشار التقرير إلى أن الأمر وصل إلى حد قتل المرأة المطالبة بميراثها إذ أجرت وزارة العدل دراسة عام 2008 كشفت عن أن 8000 جريمة قتل ترتكب سنوياً ضد ذكور الأسرة الواحدة وإناثها بسبب الميراث.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard