شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
مزارات الأولياء الصالحين في موريتانيا... مروّض الأسود ومصلح البيوت ومن أتت إليه من كل فج الوفود

مزارات الأولياء الصالحين في موريتانيا... مروّض الأسود ومصلح البيوت ومن أتت إليه من كل فج الوفود

حياة

الثلاثاء 1 فبراير 202203:08 م

يتعلق الموريتانيون مثل غيرهم من شعوب المنطقة، بالصالحين وأضرحتهم. وتنتشر في جهات موريتانيا الأربعة، مزارات لشخصيات يرنو المسافر إليها لـ"التبرّك"، ولتحقيق غايات وأمنيات يتعلق بها، وبالطبع هناك من ينكر على من يزورون هذه المزارات للتبرك ما يفعلونه.

وفي ما يلي نماذج من هذه المزارات الشهيرة، التي يتكبد الناس الصعاب لبلوغها، وهي مجرد نماذج من عالم متنوع وخريطة متشعبة وزاخرة بالأسماء.

نزيل ولاتة... الشيخ سيد أحمد البكاي

في أقصى الشرق الموريتاني، في مدينة ولاتة، البعيدة عن العاصمة نواكشوط 1،350 كلم، والمصنفة من قبل اليونسكو تراثاً إنسانياً، والتي تتعدد الروايات والأساطير حولها وحول تاريخ تأسيسها، وتُرجع إحدى تلك الروايات تأسيسها إلى سنة 625 هـ/ 1224م، توطنت حكاية الشيخ سيد أحمد البكاي، المعروف بأبي دمعة، وأصبح ضريحه فيها عبر الأيام والسنين مزاراً يجذب المحبين إلى الصالحين، ومن لهم أغراض دنيوية ويظنون أن زيارة أضرحة "الأولياء" تحققها، مثل الزواج والذرية والمال والجاه... إلخ، ولأمور دنيوية وأخروية.

ما يزال الضريح إلى اليوم يستقبل الزوار من مختلف البقاع، ويقع في بيتٍ مبنيٍّ على علوّ مرتفع، وهناك من يشرف عليه. وأبو دمعة هو شيخ صوفي وعالم مصلح ارتبط اسمه بالحكايات المتعلقة بـ"الصلاح"، وتواترت الروايات حوله، ودُوّنت قصصه في الكتب، وحملتها المصادر التاريخية المهمة، وتُنسب إليه الطريقة القادرية البكائية، وهي فرع من الطريقة القادرية في موريتانيا حيث يُعدّ مؤسسها الذي نشرها.

بدأت حكايته مع ولاتة، بعد أن غادر في اتجاه الشرق، لغرض السياحة، إذ كان يقطن في الشمال في آدرار وجوارها، ولا يوجد ضبط دقيق لتاريخ وصوله إلى المدينة.

ويظن الباحث حماه الله ولد السالم، أن وصوله إلى ولاتة قد يكون متقارباً مع زمان شهادة الحسن الوزان، إذ قال في كتابه "تاريخ بلاد شنكيطي (موريتانيا) من العصور القديمة إلى حرب شرببة الكبرى": "في مطلع القرن العاشر (16م)، فإن شهادة الحسن الوزان (1505-1507)، تؤكد على تدهور المدينة الاقتصادي، وتراجع أهميتها التجارية لصالح تنبكتو (...)، ويبدو أن الوضعية الثقافية والدينية قد تراجعت عمّا كانت عليه في عهد ابن بطوطة".

وأضاف: "يبدو أن هذا العهد من تاريخ وَلاتة [=وَلاتَا]، هو الذي شهد قدوم سيد أحمد البَكايْ الكنتي (ت 920هـ/ 1514م)، بصحبة جَمْع من تلاميذه. ورد ذلك في سياق مناقبي عريض ذكرته المصادر الكُنتية المختلفة".

قالوا أيها الشيخ إذا بتّ ها هنا أكلتك السباع، فإنها تختطف الناس من بيوت القرية جهاراً. فقال: ما كان الله ليسلّطها عليّ. فلما كان الليل، اجتمعت السباع كلها عليه للتبرك ولم تمسّه بسوء

ويشير إلى أنه لم يلبث إلا سنواتٍ قليلةً، وتوفي (920هـ/ 1514مـ)، بعد أن أرسى، كما تقول الرواية، أول تقليد علميّ عرفته المدينة.

ويذكر أن ابن بطوطة قد زارها في مطلع القرن الرابع عشر الميلادي، وتحدث عن ازدهارها، على عكس الوزان.

ويقول الشيخ سيدي محمد ولد الشيخ سيد المختار، المعروف بالشيخ سيدي محمد الخليفة، في كتابه "الطرائف والتلائد"، وهو من أحفاد أبي دمعة: "وكان حياً رضي الله عنه سنة إحدى عشرة وتسعمئة (911هـ)، ذكر سيدي أحمد بن الحاج عبد الله بن سيدي أحمد بن الرگاد أنه رأى وثيقةً بخط يده كتبها في نخل اشتراه في شنقيط في العام المذكور".

ويخبرنا عن قدوم جده إلى المدينة، فيقول: "تواتر أنه لمّا قدم ولاتة، نزل بشعب من شعابها خارج القرية، وكانت يومئذ كثيرة السباع والنمور لا يدب خارجها بعد العصر حيوان إلا أكلته، فأتوه وهم لا يعرفونه، فقالوا أيها الشيخ إذا بتّ ها هنا أكلتك السباع، فإنها تختطف الناس من بيوت القرية جهاراً. فقال: ما كان الله ليسلّطها عليّ. فلما كان الليل، اجتمعت السباع كلها عليه للتبرك، فلما أصبحوا وقد تيقنوا من أنه يؤكل، ذهبوا إليه، فإذا السباع مجتمعة عنده تتمسح بثيابه، فرأوا ما لم يحتسبوا، فقالوا: ما هذا إلا ولي من أولياء الله تعالى، فتهيّبوا الإقدام عليه لكثرة ما حوله من السباع، فأشار إليهم أن تقدموا فإنه لا خوف عليكم، فأتوه يمشون بين السباع وهي رابضة، فقال لهم: ما تريدون من هذه السباع آمرها به؟ فقالوا: نريد أن تأمرها بالخروج عن بلادنا هذه، فأمرها بذلك، فانصرفت إلى أرض غانة كالبقر الصادر يتبع بعضها بعضاً". وغانة هي مملكة قديمة انتهت مطلع القرن السابع هجري، يقال إن عاصمتها كومبي صالح الواقعة حالياً في جنوب شرقي موريتانيا.

"أكثر الناس زيارةً له الغرباء وأهل التل والمسافرون الذين يأتون بالتجارة من جهة الشمال، لما رأوا من بركته كثيراً، ويأتون بالفتوحات وينحرون عند قبره ويتصدقون به على الفقراء والمساكين". ماذا تعرفون عن الشيخ سيدي أحمد البكاي وعن أولياء موريتانيا؟

وواصل الحفيد سرد الحكاية، قائلاً:" أخذ في المسير، فقال لهم عالمهم: إنكم ما أتيتم بالحزم في أمركم، يأتيكم ولي مثل هذا من أولياء الله، ثم تتركونه يخرج من بلادكم، وقد علمتم ما هي عليه من الفساد وهجران السُنّة! فقالوا: ومن لنا بإقامته بين أظهرنا؟ وكيف نقدر على رجل أطاعته السباع؟ فقال: تقدرون عليه، قالوا: وبم؟ قال: بالمطالبة بالشرع، فإنه لا يتعاصى على الشرع العزيز، فتبعوه حتى أدركوه وهو يريد المشرق على رسم السياحة، فقالوا له نحن بالله وبالشرع معك، فلما سمع بذلك سقط لوجهه، وكتّف يديه وراء ظهره، وقال: السمع والطاعة لله ولرسوله ولشرعه". وحسب الكتاب، فقد عاد معهم وناظَرَ عالماً منهم فأقنعه، واتّبعوا نجهه الإصلاحي.

وفي ورقة من إعداد الكاتب الحسين ولد محنض، حول الشيخ سيد أحمد البكاي، قال: "تُجمع المصادر المحلية على أن الشيخ سيدي أحمد البكاي لم يكن شخصاً عادياً، بل كان عالماً جليلاً متبحراً، وشيخاً مربياً وقطباً كبيراً".

وقال عنه الطالب محمد بن أبي بكر الصديق (توفي 1219 هجري)، في كتابه فتح الشكور، إنه كان "يزوره الناس من كل فج في كل ساعة. يزوره الشرفاء والأولياء والعلماء والصالحون وغيرهم، وأكثر الناس زيارةً له الغرباء وأهل التل والمسافرون الذين يأتون بالتجارة من جهة الشمال، لما رأوا من بركته كثيراً، ويأتون بالفتوحات وينحرون عند قبره ويتصدقون به على الفقراء والمساكين".

الشيخ أحمد بَازَيْدْ... نزيل تمغرْتْ

في قلب الجنوب الموريتاني في تمغرْتْ، يقع ضريح الشيخ أحمد بَازَيْدْ بْنِ يُوقَبْ بْنِ ابْهَنْضَامْ المتوَفَّى في نحو 1050هـ، وتمغرْت كلمة صنهاجية تَعني "العَجُوز". وفي حديث مع الشيخ بن محمد الديباج، وهو من أحفاد أحمد بزيد، قال لرصيف22: "يقع ضريح الشيخ في منطقة على بعد 120 كلم جنوب شرق العاصمة نواكشوط، وربما عاش أزيد من 80 سنةً، وتبوّأ مكانةً كبيرةً بين علماء المنطقة وأوليائها، ووُصف بأنه القطب، ومن وصفه بذلك هو العالم محمد اليدالي".

وأضاف: "كان ضريحه مزاراً لمشاهير الناس، وعوامهم، إلى اليوم. خصه الله بأن قبره ظل معروفاً، وهو في منطقة صحراوية، لكن مكانه محمي وحوله غابة. حتى الساعة هو مزار مشهور، ونحن نزوره كثيراً".

تبحّروا في علوم الشرع وزهدوا في العالم وأكرموا الناس وكانت لهم كرامات كما تقول الحكايات، فتحولت أضرحتهم إلى مزارات للقادمين من كل الجهات. من هم أشهر الأولياء الصالحين في موريتانيا؟

وأشار المتحدث إلى أن هناك إجماعاً على أن من كانت له نسبة إلى أحمد بزيد، يفتخر بها، وقال: "حدثني أحد الفضلاء، وهو ولد النابغة، أن أحدهم سأل العالم محمد سالم ولد عدود، عن النداء للصالحين بـ’يا فلان’، والاستغاثة بهم، فأجابه، الشيخ محمد المامي مؤتمن على الدين وهو الذي يقول: يا مرابط فصك اتلاگات/ عند راصك من كل اشوار" (يا شيخَ جبل فصك التقت لدى رأس ضريحك الناس وفودا من كل مكان) . ومرابط فصك المذكور، هو شيخ صوفي وقبلي، وضريحه مزار يُسمّى فصك يقع في شمال موريتانيا.

وأضاف: "في ما يتعلق بكلمة يا "أحمد بزيد"، وهي كلمة متداولة كثيراً عند أهل المنطقة كاملة، وقد بنوها على حديث النبي صل الله عليه وسلم، إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة فلينادِ: يا عباد الله احبسوا، وكذلك حجة أحمد بن حنبل، وقوله حججت فضللت الطريق في حجّة، وكنت ماشياً، فجعلت أقول: يا عباد الله، دلونا على الطريق، فلم أزل أقول ذلك حتى وقعتُ على الطريق، وفي العادة يزور الناس الضريح يوم الجمعة، ويأخذون بعضاً من ترابه للتبرك، وهذا له تأصيله الشرعي، وهو مبحث كبير، وقد حُفرت قبل عامين بئر قرب الضريح من طرف أحفاده، وكانت غزيرة المياه".

وفي كتاب كرامات أولياء "تشمشه"، للعالم والد ولد خالنا المتوفَّى سنة 1797مـ، يقول عن الشيخ بَازَيْدْ: "كان رجلاً كريماً سيداً عالماً عاملاً عدلاً رضياً، تقياً نقياً زكياً ذكياً قصير الأمل كثير العمل، صوّاماً قوّاماً خاشعاً عابداً ورعاً زاهداً راغباً راهباً راضياً بالكفاية والخمول ناكباً عن الشهرة والفضول على أنه ذو جاه ناصر ووجه زاهر".

الشيخ آبّيْـــه... نزيل آنتــر

في الشمال في منطقة آنتــر، على بعد 33 كم شمال بنشاب في ولاية إينشيري، يرقد الشيخ أشفغ الخطاط (آبّيْـــه)، وهو عالم وشيخ صوفي شاذلي ذائع الصيت، ويُعدّ ضريحه اليوم مزاراً مهماً يتوجه إليه الموريتانيون طلباً للبركة، وقال حفيده محمد ولد حمود ولد آبيه، لرصيف22: "بخصوص زوار الضريح حدّث ولا حرج، إذ يأتون حالياً، أسبوعياً وبشكل كثيف، ومن جميع قبائل موريتانيا وناسها، وهو ضريح بجانبه بعض البيوت يسكنها الزوار. هذا هو حال الضريح، ويقع في مقبرة في أرض مستوية من أرض إينشيري، وهو ضريح كبير تفِد إليه الناس من كل الجهات، وكان يسكن فيه رجل يعتني به، لكنه توفي".

والشيخ آبّيْـــه عالم تبحّر في العلم الشرعي والتصوف، وبعد أن حفظ القرآن، وغاص في علوم العربية والفقه، سافر ينشد الغوص في علم التصوف، فشدّ الرحال نحو الشيخ سيد المختار الكنتي في أزواد، الواقعة حالياً في مالي، وحين وصل إليه، قال له الشيخ المقصود: "سأدلك على من هو خير لك مني، وهو أن تجدّ في السير حتى تصل إلى تافيلالت في المغرب، فإن فيها الشريف سيد أحمد لحبيب من شرفاء يُسمّون شرفاء فيلالة، فستجد عنده ما تصبو إليه، فعمل بالنصيحة، ومعه تلامذة يدرّسهم وقد امتنعوا عن فراقه. وتقول الرواية إنه حين وصل إليه قال له: "ارجع إلى أهلك فقد قُضيت حاجتك"، فأخذ عن الشيخ سيد أحمد لحبيب الطريقة الشاذلية في التصوف، ليكون من أكثر مشايخها تميزاً.

ورجع بعد أن رسخت قدمه في العلوم الباطنية والظاهرية، وسكن في إينشيري، ثم انتقل منها إلى تيرس للانتجاع، وأسس محظرةً (مدرسة)، أصبح لها إشعاعها، وتوفي سنة 1196هـ، 1776م.

Website by WhiteBeard