صمته كالطعن بالسكاكين... عن تأثير الأب المهزوم

الجمعة 10 ديسمبر 202103:21 م


"أنت زوج فاشل... أب ضعيف... رجل لا يصلح لشيء، عبارات تربّيت على سماعها منذ أن بدأت أفهم معاني تلك الكلمات الجارحة. لطالما رأيت النزاع بين أمي وأبي على كل شيء، بحيث تبدو أمي كالجلاد وأبي هو الضحية. لم يُجبها يوماً. لم يرحل. لم يخن. ركن للخضوع والصمت... صمت قاتل، هزمه وهزمني".

تبكي سارة بحرقة وهي تخبر رصيف22، عن معاناة أبيها الذي يعيش تعاسته بعيداً عن الناس وعن أولاده حتى.

"الحاج سعيد" واحد من العديد من الرجال العرب الذين يتعرضون للعنف اللفظي والعاطفي، وحتى الجسدي أحياناً، من قبل زوجاتهم أو شريكاتهم يومياً. لا أرقام واضحة في العالم العربي حول تعنيف المرأة للرجل، والسبب الخجل المحيط بتلك المسألة والذي قد يصل لحدّ السخرية، ما يجعل الرجل المعني يمتنع عن التبليغ، فيما النسب العالمية تشير إلى أن 1 من 6 رجال يتعرّضون للعنف المنزلي والذي قد يتّخذ أشكالاً عدة: جسدية، جنسية، لفظية...

هؤلاء الرجال نعرفهم من قصص تدور حولنا، تحدث خلف جدران البيوت أو من الهمسات، وفي حين أن أولادهم ليسوا عرضة لأي من أشكال العنف من قبل الأب، لكنهم يتعرضون لعنف من نوع آخر: عنف فقدان الأمان، فالأب في مثل هذه الحالة يشعر وكأن هناك سكاكين تطعنه في قلبه، وبالتالي لا يمكن أن ينتصر لأولاده أو أن يعلّمهم الانتصار.

كيف ينشأ الطفل مع هذا النوع من الآباء وما تأثير ذلك عليه في وقت لاحق؟

فاقد الشيء لا يعطيه

"أصطنع الأمان لعلّني أمنحه بعض السعادة"، تقول هند التي تعاني من الكآبة المرضية منذ سن السادسة عشر، وتمضي وقتها في النوم جرّاء تأثير جرعات الأدوية المهدئة.

تعيش الصبية الثلاثينية في صراع دائم مع والدتها، محاولة حماية والدها منها، وتواجه في المقابل استسلاماً كلّياً من الأب العاجز عن التصدي والمواجهة ولا يرغب حتى بالرحيل.

يعتبر والد هند، حسب قولها، أن قراره البقاء مع زوجته يأتي حفاظاً على تماسك العائلة، ولحماية الأولاد من تبعات الطلاق والتنمر الاجتماعي الذي يمكن أن ينتج عن ذلك، لكن الواقع مختلف تماماً، الأمر الذي يجعل هند لا تشعر بالأمان، فتهرب إلى الأدوية المهدئة، وبدوره يعاني شقيقها الأصغر من الإدمان على المخدرات وغياب الاستقرار المهني.

"الحاج سعيد" واحد من العديد من الرجال العرب الذين يتعرضون للعنف اللفظي والعاطفي، وحتى الجسدي أحياناً، من قبل زوجاتهم أو شريكاتهم يومياً. لا أرقام واضحة في العالم العربي حول تعنيف المرأة للرجل، والسبب الخجل المحيط بتلك المسألة

يعتبر فرويد، أب التحليل النفسي وأول من بحث في العلاقة بين الأب والطفل، وتحديداً في تأثير غياب الأب على الصحة النفسية للطفل، أن للأب دوراً أساسياً في خلق معايير الأمان لدى الطفل منذ سنوات الطفولة الأولى. والحضور الأول يكون بفصله عن الأم، بمعنى رسم حدود لذلك الانصهار بينهما، لمساعدة الطفل على الإدراك أنه أصبح قادراً أن يقضي حاجاته الأساسية بنفسه، بعدما كانت الأم هي المرجع في كل شيء.

يكون للأب دور الرادع والحامي كما يعتبر فرويد، ما يخلق الخوف والتحدي لدى الطفل وصولاً لبناء الثقة بالنفس والشعور بالأمان.

أما غياب الأب فكان له نصيب كبير في أعمال آنا فرويد، التي تأثرت بوالدها وأكملت مسيرة التحليل النفسي من بعده. تشير آنا إلى أن الأب الغائب، وإن كان الغياب هنا عاطفياً وليس بالضرورة جسدياً، يُغرِق الطفل في مستنقع الرغبات اللامحدودة، أي في أحضان الأم، حيث لا حاجة للعمل الدؤوب من أجل استحقاق الشيء، وبالتالي لا يثق الشخص المعني بقدرته على الإنجاز، ما يفسّر جلياً الانحراف وراء المخدرات أو بروز الأمراض النفسية، وخصوصاً الكآبة المرضية، جراء العجز عن ضبط مشاعر الإحباط .

في سياق آخر، وبالحديث عن تأثيرات غياب الأب المعنوي ودوره المهمّش وإن حضر جسدياً، نتائج خطيرة على التطوّر الاجتماعي للطفل. فالأخير الفاقد لأجنحة الحماية يقع في حيرة: إما الدفاع عن الأب المهزوم، وبالتالي تبني تلك الصورة فيصبح مهزوماً مثله، أو التحالف مع الأم المسيطرة ليستمد القوة التي هو بحاجة إليها.

صراع ينتج عنه خلل في توازن الهوية، ما يؤثر على صورة المرء الذاتية المتأرجحة بين القوة المفرطة والاستسلام الكلّي، وعلى علاقاته الاجتماعية، بحيث لا يكون بوسعه إثبات ذاته دون اللجوء إلى العدوانية، ولا يكون قادراً على أن يحب أحداً دون الذوبان الكامل به.

هذا وأشارت الأبحاث إلى أن الأب يلعب دوراً مهماً لجهة حماية الأولاد، وخاصة الفتيان، من الانحراف الاجتماعي، كاللجوء إلى المخدرات والسرقة والتعدّي الجسدي وتخطّي القانون، فحضور الوالد القوي والحنون في الوقت ذاته أساسي في بناء شخصية آمنة لا تبحث عن تجاوزات متطرفة من أجل إثبات الذات.

اليُتْم رغم حضور الأب

عكس ما يُشاع عن قدرة الأم على التعويض عن الأب في حال غيابه أو تلاشي حضوره العاطفي، يبقى للأب دور أساسي في رسم إطار المناعة النفسية للطفل. أي أنه مهما فعلنا لا يمكن تعويض ما يفقده الطفل بفقدان أبيه، كيف بالحري إن كان الأب حاضراً ولكنه مهمّش و ضعيف؟

الجريمة مزدوجة هنا. الطفل لا يعرف خلفيّات القصة ولا الأسباب الكامنة خلف خضوع الأب، فيستمر بالبحث عنه في كل وجه يقابله. يبحث عن أمان لم يشعر به يوماً، أمان لا يُعوّض بالهدايا أو الكلام الجميل أو حتى بعلاقات أخرى ولو تعددت. وبعدها، يكبر فيتحوّل إلى شخص يملؤه ذنب الماضي وينغّص عليه الفرح. ذنب إن عاتب أباه على الخضوع وذنب أكبر إن هاجم الأم على التعنيف أو السيطرة.

مهما فعلنا لا يمكن تعويض ما يفقده الطفل بفقدان أبيه، كيف بالحري إن كان الأب حاضراً ولكنه مهمّش و ضعيف؟

إضافة إلى مشاعر الذنب وغيرها من الآثار النفسية السلبية كالقلق والخوف، فإن الشعور بعدم الرضا يرافق الشخص في حال تربى مع أب غائب أو خاضع، وهذا حال أمل التي تعاني من التعلق المرضي في علاقاتها العاطفية وهي تختار الرجال الأكبر منها سنّاً.

وبالرغم من عطائها اللامحدود، إلا أن أمل تشعر دائماً أنها متروكة وغير محبوبة، لينتهي بها الأمر وحيدة، بعد أن تكون قد ربطت حياتها وقراراتها بشريكها العاطفي. لا تثق أن تستحق علاقة صحية وتظن أنها خيال وأن واقع العلاقات مؤلم وظالم.

على غرار أمل، وهي سيدة الأعمال الأربعينية الناجحة، هناك الكثير من الأشخاص الذين يبحثون عن الأب الحامي في علاقاتهم ولا يجدونه، فيشعرون بالهزيمة والتخلي، ويذوبون في مأساة والدهم الذي ينتظر خلاصاً يأتي من الخارج عوض أن يكون هو المخلّص.

في الختام، نذكر 5 نقاط أساسية تلخّص تأثير الأب المهزوم على الصحة النفسية لأولاده:

1- عدم احترام الأنظمة والقوانين وعدم الالتزام بالإرشادات المدرسية أو القانونية أو الاجتماعية.

2- التعلّق المرضي بالآخرين بحثاً عن تعويض لصورة الأب المدمّرة.

3- الجريمة والمخدرات نتيجة ممكنة لغياب الأب وغياب دوره المعرّف على الممنوعات.

4- القلق المستمر والخوف من الفشل ومشاعر الكآبة التي قد تؤدي إلى الانتحار.

5- المشاكل السلوكية التي قد تؤثر في العمل والعلاقات نتيجة عدم الاستقرار النفسي. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard