تسمعني أتحدث وتتخيلني وأنا أمارس الجنس

السبت 27 نوفمبر 202112:58 م

  المتوثّب 


في هذا المجاز نغامر ونتسلل إلى منطقة "الفنتازم" الخطرة، لنصطاد ما فيها من أغراض وصور واستيهامات ووساوس..نترك المخيلة تشكّل موضوعات الرغبة، تلك التي تتجاوز الشكل البشري نحو آخر، لا حقيقي، فيتشي.. فقد لا يثيرنا في الآخر هيأته الكلية بل تفصيل صغير كتعويذة؛ خصلة شعر، كعب عال، حركة وكلمة وشيء ما ماجن... هذا المجاز بتدبير أحلام الطاهر


أذكر تلك الليلة البعيدة في حافلة عائدة إلى البيت، في حي مصر الجديدة، إلى جوار أحد أصدقاء الحي وهو يشرح لي كيفية ممارسة العادة السرية. ربما كان الشيء الوحيد الفارق فيما شرحه هو استخدام الخيال. في لحظة معينة عليك إغلاق عينيك وتخيل نفسك وأنت تمارس الجنس. لكن لكي يتحقق هذا الخيال لا بد من طرف آخر، ولا بد لذلك الطرف الآخر من هيئة معينة، ومجاراة أثناء هذا الخيال.

في تلك اللحظة إذن يذهب كل واحد إلى قائمة رغباته. لكن هذه اللحظة بالذات هي لحظة دفاع وهجوم، فالدفاع قد يكون بمحاولة تجنب مجيء صورة لمن لا يود الواحد أن يفكر فيهم تفكيراً جنسياً، فإذا به يهزّ رأسه قائلاً في نفسه: لا لا لا، محاولاً تشتيت ذهنه والذهاب بالخيال إلى طريق آخر. وقد يكون الآمن أن تكون رفيقة الخيال لا ترتبط بصلة شخصية مباشرة، لكي لا يقع الحرج في أقرب لقاء مباشر. لكن، ماذا إذا كانت هذه الأرض هي المكان الوحيد الذي يسمح باللقاء بمن يرغب فيه ولا يمكن خارجه؟ أرض الخيال.

أخبرتني "ناش" بعد لقاءاتنا الأولى أنها وهي تسمعني أتحدث وأتفاعل مع من حولي، كانت تتخيلني أمارس الجنس. وتحاول التفكير كيف يمكن لهذا الشخص أن يكون في الفراش؟ رقيقاً؟ هادئاً؟ قوياً؟ وحشيّاً؟ لم أفكر أو لم أبلور هذه الفكرة من قبل، لكنها حين أخبرتني، تذكرت كل المرات التي كنت أرى فيها فتاة أو سيدة وأقول في نفسي: كيف لكل هذه الجدية أن تمارس الجنس؟ هل نظن دائماً أن شخصية الإنسان التي تظهر لنا تعكس شخصيته الحميمية؟ أم أن لكل منا شخصية اجتماعية مختلفة عن شخصيته الجنسية، إن صحّت التسمية. وما سبب إثارة فضولنا في معرفة الثانية ومحاولة ربطها بالأولى في كثير من الأحيان، بقطع الصلة عن رغبتنا المتعلقة بهذا الشخص أو ذاك.

أخبرتني "ناش" بعد لقاءاتنا الأولى أنها وهي تسمعني أتحدث وأتفاعل مع من حولي، كانت تتخيلني أمارس الجنس. وتحاول التفكير كيف يمكن لهذا الشخص أن يكون في الفراش؟ رقيقاً؟ هادئاً؟ قوياً؟ وحشيّاً؟... مجاز في رصيف22

كنت أفكر في ذلك وأنا أسترجع عبارتها وحدي. وحين سألتها عنها أخبرتني أن هذا الخيال بالنسبة لها مثله كمثل تخيل خطِّ يد هذا الإنسان الذي تتعرف عليه لتوها، أو الدخول إلى حمّامه، أو شمّ عطره. كلها أفعال للدخول إلى العالم الحميمي لهذا الشخص، فيما وراء الكلمات والتصرفات التي تحجب حقائقنا الصغيرة.

حين حكيت لها حكاية صديق الحي الذي كان يحرضني على الخيال في الحافلة، أخبرتني أنها تذكّرت أستاذاً لها قال لهم ذات مرة: "لا تكونوا سُذَّجاً، في كل علاقة جنسية هناك على الأقل ثلاثة وإن لم يكن في السرير سوى اثنين". فأخبرتها أنني لا أريد الدخول في علاقات ثلاثية. ردت علي بأنه من الصعب ألا يحدث ذلك. ثم حكت لي أنها مرة مارست الجنس تحت تأثير (LSD)، وفي لحظة ظلت تتأمل من أين تأتي اللذّة في الحقيقة.

ثم قالت: كان كل تركيزي منصباً على جسدي، وكنت أحس بشيء فعلاً. لكن في النهاية كانا مجرد جسدين في تواصل فحسب. شيء ما كان ناقصاً لكي أصل إلى لذة حقيقية. وظللت أفكر: ماذا ينقص هذه المرة وكان موجوداً في المرات الأخرى؟ وأدركت حينها أنه الخيال. وأظن أن الفنتازم لا يأتي بالضرورة بطرف آخر إلى اللقاء الجنسي، فيمكن للواحد أن يملك خيالاً جنسياً مع نفس الشخص الذي يمارس معه الجنس. لكن المشكلة أنني وقتها كنت عالقة في ذلك الموقف دون قدرة على التخييل، وعلى نسج حكاية على أساسها تتحرك مشاعري. ثم شبهت الموضوع بحين يأكل أحدنا شيئاً يعجبه جداً، تفاحة مثلاً، ويظل يبحث من أين يأتي الطعم اللذيذ في هذه التفاحة؟ ربما من لذتنا المتخيلة للطعم.

ألحّت علي رومانسيّتي وأخبرتها أنه ربّما تظهر الحاجة للخيال حين لا تكفي اللحظة بكل ما فيها. فحين يمارس شخص الجنس مع امرأة يحس تجاهها بعاطفة قوية، ولنقل العشق، يختفي كل شيء آخر في لحظة لقائهما الجنسي، ولا يكون حاضراً إلا هذا اللقاء الذي يأخذ بهما إلى بعد آخر، ربما حتى ما وراء الحسِّ نفسه. فردّت مسرعة وأمسكتني من حيث انتهيت وقالت لي: أرأيت؟ ما وراء الحسِّ.

ليس الأمر الحسُّ إذن، أو ليس مجرّد الحسّ، سألتها: كيف؟ فشرحت لي: أنت تقول إن في هذه الحالة يكفي التواصل الحسّي. الحسُّ مهم، لكن لو كان الشيء المهم الوحيد، لكانت ممارسة الجنس مع فتاة أخرى لا يربط صاحب بها أي مشاعر. وقد يستمتع أكثر برفقة امرأة أكثر نعومة أو أخرى عارفة أكثر بأسرار الجسد، التربيت على الجسد أفضل من الأولى من كونه مع معشوقته. لكن الأمر ليس كذلك، لأنه حين يكون مع حبيبته، فأكثر من كونه معها، أكثر من كونه في حضور جسدها، فهو في حضور الفنتازم والتخيلات التي كوّنها عنها. بل إن العشق نفسه فنتازم.

قد يكون العشق أيضاً وهماً، لكنه الوهم الأجمل. هو التفاحة التي نتخيلها في شجرة الخُلد حين نأكل تفاحة في الأرض... مجاز في رصيف22

حينها، ولاستمتاعي الشديد بالنقاش، استفززت حديثها بعلامات استفهام وتعجب متتالية: العشق خيال؟! كيف؟ لكنها غابت كامرأة درويش التي أسلمت له اسمها وغابت في الممر اللولبي. لكن ناش كانت أشد وطأة من صاحبة درويش، إذ تركتني أشكُّ في العشق، وفي الجانب الروحي لتلاقي جسدين جنسيّاً، وفي التفاحة، وطعمها، وتركت لي كلمة واحدة: fantasía. وحين تركتني وحدي أنا والكلمة، وكما قال لها أستاذها يوماً، إن في كل لقاء ثلاثة وإن لم يكونا سوى اثنين. كنت أنا والكلمة وشرودي الدائم في اللغة. فلم ترضني ترجمة الخيال، وكأنها ناقصة.

فبحثت عن الوهم في لسان العرب: فكان توهّم الشيء: تخيَّله أو تمثّلَه، كان في الوجود أو لم يكن. وإذا بالجملة الاستدراكية في التعريف يعضّد شطرها الأول كلام ناش بأن الخيال قد يكون أيضاً خيالاً مع الشخص الذي أنت معه الآن. وشطرها الثاني يرشّح الوهم لمكان الخيال الجنسي، كما يقول عنه فرويد بأنه "تصورات لا يُقصد تحقيقها". وهو بذلك يختلف عن الرغبة، والتي تسعى إلى التحقّق. فكأن الوهم أو الخيال لا يسعيان إلى التحقُّق لأنهما متحقّقان أصلاً، هما المقصد وليسا أول الطريق. أما الرغبة فكأنها رؤية شيء يمر على بُعد ويُشتهى، وبعدها يأتي الطريق في محاولة الوصول.

قد يكون العشق أيضاً وهماً، لكنه الوهم الأجمل. هو التفاحة التي نتخيلها في شجرة الخُلد حين نأكل تفاحة في الأرض. ربما تصدق ناش، وتكون لذة قضمة التفاح هي لذّة تخيّلنا لطعم تلك التفاحة الأولى. ذلك الخيال الأول.
ملحوظة تالية:

كنت كلما ذهبت أنا وناش إلى ستاربكس وسألوا كلا منا عن اسمه، يستغربون الاسم، فلا أحمد ولا ناش اسمين منتشرين. لذلك سألتها مرةً من سمّاك بهذا الاسم؟ فأخبرتني أن أول حب لأبيها كان اسمها ناشلي، فبحث عن اسمٍ يشبه اسم حبه الأول، ولا يطابقه، وأن أمها لم تعرف قط بهذه القصة. تذكرت ذلك الآن وسألت نفسي: كم مرة كان ذلك الحب الأول ثالث ثلاثة؟ وأيهما كان أكثر حضوراً، التفاحة أم وهم التفاحة؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard