فضيحة الشهادات المزوّرة... الفساد السياسي في العراق يُغرق القطاع التربوي

المفارقة أن وزير تعليم عالي سابق أيضاً مُتهم بتزوير شهادته

الأربعاء 17 نوفمبر 202112:24 م

شكلت التقارير التي نشرتها صحيفة المدن اللبنانية، عن تزوير 27 ألف وثيقة دراسية لطلبة عراقيين في الجامعات اللبنانية، فضيحةً كبيرة في الدولتين، دفعتهما إلى فتح تحقيقات حول الأمر، وتشديد إجراءاتهما، حسب زعم الوزارات المعنية في كلي البلدين.

وألزمت وزارة التعليم العالي العراقية الطلبة الدارسين في الخارج، بالخضوع إلى فحص وتقييم للأطروحات الجامعية، وتعليق الاعتراف بثلاث جامعات لبنانية، كما سُحِب الملحق الثقافي العراقي في بيروت، هاشم الشمري، للتحقيق معه، فيما توعّد وزير التربية والتعليم اللبناني، عباس الحلبي، بملاحقة المتورطين قانونياً، في حال ثبوت التهم.

وارتفع عدد الطلبة العراقيين الذين يتابعون دراستهم في الجامعات اللبنانية، خلال السنوات الماضية، الأمر الذي يُرجعه البعض إلى تراجع المستوى التعليمي في البلد، وزيادة المعوقات الموضوعة أمام الراغبين في الدراسة داخل العراق، بينما تتسابق الجامعات الأجنبية نحو تقديم التسهيلات، من خلال مكاتب القبولات الدراسية المنتشرة في البلاد.

"للتدخلات السياسية دورها في استشراء الأزمة، ما ولّد يأساً لدى معظم الراغبين في إكمال دراستهم، وزيادة الحافز نحو الدراسة في الخارج، ونيل اللقب الأكاديمي بأي وسيلة، كردة فعل للانتقام من الظلم الذي عانوه"

وعلى الرغم من عدم امتلاك وزارة التعليم العالي العراقية، إحصاءات تبيِّن أعداد الطلبة العراقيين في الخارج، إلّا أن تقارير غير رسمية تُشير إلى وجود أكثر من 20 ألف طالب عراقي في لبنان، ما يُصنّفها واحدةً من أبرز الدول العربية استقطاباً للطلبة العراقيين.

تُعدّ ظاهرة تزوير الشهادات الدراسية من مستجدات ما بعد عام 2003، ويرجع انتشارها في هذه الفترة، حسب الباحث التربوي أحمد الجاف، إلى "سهولة إفلات المزوّرين من العقاب، نتيجة ضعف القضاء، وشيوع عامل الرشاوى، وضعف عمل لجان الرصانة العلمية المختصة بمعادلة البحوث الأجنبية، بالإضافة إلى الإهمال الحكومي للجانب التعليمي على مر السنوات السابقة، ما غيّب الدوافع الأخلاقية في التعلّم لدى معظم الطلبة، وهذا ما أفسح المجال أمام استغلال البعض للقرارات التي اتّخذتها وزارة التعليم العالي، إبّان انتشار الوباء العالمي سلبياً، فشاع شراء الشهادات والبحوث، وضمان معادلتها في العراق".

تُعدّ ظاهرة تزوير الشهادات الدراسية من مستجدات ما بعد عام 2003، ويرجع انتشارها في هذه الفترة، حسب الباحث التربوي أحمد الجاف، إلى "سهولة إفلات المزوّرين من العقاب، نتيجة ضعف القضاء، وشيوع عامل الرشاوى"

وكانت وزارة التعليم العالي قد ألغت شرط الإقامة لمدة تسعة أشهر في بلد الدراسة، وأقرّت اعتماد الدراسة الإلكترونية كإجراء احترازي من انتشار فيروس كورونا.

وأفاد الجاف أن "للتدخلات السياسية دورها في استشراء الأزمة، من خلال تأثير الضغط والفساد المرافق لإهمال البيئة التعليمية، والوساطة في ما خص آلية القبول في الدراسات العليا، والبعثات الدراسية، وحصرها بالمقربين من الأحزاب السياسية، ما ولّد يأساً لدى معظم الراغبين في إكمال دراستهم، وزيادة الحافز نحو الدراسة في الخارج، ونيل اللقب الأكاديمي بأي وسيلة، كردة فعل للانتقام من الظلم الذي عانوه".

من جهته، يؤكد الباحث السياسي طالب الجبوري، أن "بعض السياسيين استغلوا مناصبهم لتحقيق أغراض تجارية، من خلال تأسيس مكاتب للسمسرة الدراسية المتهمة ببيع الوثائق الدراسية، مستغلين علاقاتهم الواسعة، وإمكانية تلافي الكشف والعقوبة، وما يؤكد هذا الاتجاه الزيارات المتكررة لنواب ومسؤولين إلى جامعات لبنانية عدة، تحت مسمى تطوير التعاون التربوي والبحثي".

ولم تقتصر دائرة الاتهام على جامعات لبنان فحسب، بل شاعت اتهامات مشابهة لجامعات إيرانية ذات علاقة بمسؤولين وأحزاب إسلامية، إذ قامت الأخيرة بتمويل دراسة أعضائها للدراسات العليا في إيران شكلياً، من أجل تأهيلهم لنيل مناصب عليا في البلد، وفق تقارير متعددة تم نفيها من دون تقديم أدلة داعمة، وتنص المادة 77 من الدستور العراقي "أن يكون الوزير أو النائب حائزاً على الشهادة الجامعية، أو ما يعادلها".

هذا الأمر دفع الجبوري لوصف ما يحصل بـ"التحايل على القانون من أجل الحفاظ على تداول المناصب بين الوجوه السياسية الحالية، وهذا ما أنتج تقليداً سياسياً يبيح مخالفة القانون، والإضرار بمصلحة الشعب، من أجل الحفاظ على مكاسب هذه الفئة الشخصية".

"ما يحصل هو تحايل على القانون من أجل الحفاظ على تداول المناصب بين الوجوه السياسية الحالية، وهذا ما أنتج تقليداً سياسياً يبيح مخالفة القانون، والإضرار بمصلحة الشعب، من أجل الحفاظ على مكاسب هذه الفئة الشخصية"

واتّكأ الجبوري في حديثه هذا على سابقة برلمانية حصلت قبل فترة، وهي الدعوة إلى العفو عن المزوّرين لوثائقهم الدراسية، وإعادتهم إلى الوظيفة، "على الرغم مما يحمله هذا الأمر من مخاطر، بالإضافة إلى مخالفته القانون الذي ينص على ألا تقلّ عقوبة المزوّرين عن السجن مدة سنتين، وعدّها جنحةً مخلّةً بالشرف".

وكان النائب السابق عن كتلة "صادقون" التابعة لعصائب أهل الحق، عبد الأمير الدبي، قد طالب بالعفو عن المنتسبين المزوّرين وثائقهم الدراسية، الأمر الذي يُعدّ مخالفةً صريحةً للبند 289 من قانون العقوبات العراقي، الذي ينص على أنه "يعاقَب بالسجن مدةً لا تزيد عن خمس عشرة سنة، كل من ارتكب تزويراً في محرر رسمي (وثيقة رسمية)، ما أثار موجة سخطٍ في مواقع التواصل الاجتماعي وقتها".

كذلك، تحوم شبهات تزوير الوثائق الدراسية حول العديد من مسؤولي الدولة، كالنائب مشعان الجبوري، ووزير التعليم العالي الأسبق علي الأديب، بالإضافة إلى رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، ورئيس الأمانة العامة لمجلس الوزراء حميد الغزي، وصولاً إلى الناطق الأسبق باسم هيئة النزاهة سمير الشويلي.

النائب السابق عن كتلة "صادقون" التابعة لعصائب أهل الحق، عبد الأمير الدبي، قد طالب بالعفو عن المنتسبين المزوّرين وثائقهم الدراسية، الأمر الذي يُعدّ مخالفةً صريحةً للبند 289 من قانون العقوبات العراقي

وأثارت ظاهرة تزوير الشهادات اللبنانية المخاوف من تحوّل الحافز الدراسي إلى عبء اجتماعي يلقي بظلاله على المجتمع، ما دفع بالعديد من الأكاديميين إلى الدعوة لإيقاف الدراسة خارج البلد، إلى حين تبيان الحلول، لما تُلحِقه من أضرار اجتماعية في المستقبل، حسب الأستاذة المتقاعدة سناء التكريتي، التي ترى أن احتمالات التأزم ترتفع إذا شغلت هذه الفئات مناصب تعليمية، وتالياً الإضرار بأجيال جامعية جديدة، وكذلك في حال توليهم مناصب داخل مؤسسات الدولة الأمنية".

وتدعو التكريتي إلى اتخاذ الإجراءات الاحترازية في حق خريجي الجامعات المستهدَفة، وخاصةً الأقسام الطبية والهندسية والأمنية، لتلافي نتائج الأزمة الوخيمة على مستقبل البلد.

وفي ما يخص الرغبة في تزوير الشهادات من أجل الحصول على الوظائف، وتجنّب البطالة، لا يعتقد الجاف بصحة هذا القول، خاصةً أن "البلد يعاني من تضخم في العديد من التخصصات العلمية المكررة، وانعدام احتمال الاستفادة من أصحابها، إلا في حالة وجود الوساطة المناسبة التي تغني عن الاتجاه نحو التزوير أساساً".

ولا يبدو أن هناك أي تحرّك فعلي للحد من هذه الظاهرة سوى إعلامياً، وبقرارات قد تذهب إلى الأدراج سريعاً، وهذا ما يؤكده الجاف الذي يقول: "لا وجود لأي تحرك جاد في اتجاه الكشف عن المتورطين، خاصةً أن للمسألة بعداً سياسياً لا تستطيع الجهات المعنية تجاوزه"، مشيراً إلى أن "الحل المرجو حالياً هو تغيير شامل للنظام التعليمي، وإبعاده عن بؤرة التدخل السياسي، في سبيل ضمان حيادية التحقيق، وإرجاع المسيرة التعليمية إلى مسارها الصحيح".

وعلى الرغم من الإجراءات التي اتّخذتها وزارة التعليم العالي، لا يزال العديد من أصحاب الشهادات المزوّرة يتولّون مناصب ووظائف عليا، والحمايات تبدأ من أعلى الهرم، والمزوّرون سيتابعون ما اعتادوا أن يقوموا به في بلاد لا تنتهي فيها ملفات الفساد، إلا إلى أدراج مكدّسة بأسماء تُغرق البلاد في المجهول.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard