أفغانستان ومستقبل الصراع الإقليمي... ملامح لعبة إقليمية جديدة

الجمعة 5 نوفمبر 202111:05 ص

تَميزت أفغانستان بموقعها "الجيو-إستراتيجي" الذي مثّل حلقة وصلٍ بين العديد من الدوائر الثقافية والحضارية المختلفة؛ كالشرق العربي، والروس، والهند، والفرس، والترك، إذ تقع في موقع حساس يربط شرق آسيا، وجنوبها، ووسطها، وغربها.

هذا الموقع الجغرافي صنع إشكالاتٍ وتعقيدات كثيرة، جعلت من أفغانستان ساحة تنافسٍ، ومطمعاً للإمبراطوريات والقوى الكبرى. والحقيقة أن أفغانستان استقرت بحدودها الحالية، في سياق التنافس بين الإمبراطوريتين الروسية والبريطانية، لتصبح "دولة توازن" بين قوى كبرى تحيط بها، وتحجز بينها، في حال أخلّ أي طرف بهذا التوازن. كان في ذلك عدم استقرار أفغانستان، وظهور فتيل الحروب والأزمات فيها.

يبلغ عدد سكان أفغانستان نحو 40 مليون نسمة، وتناهز مساحتها 652،000 كلم²، وتشغل الجبال والوديان نحو 70% من أراضيها. وعلى الرغم من أن أفغانستان تكتنز الكثير من الثروات الطبيعية والمعدنية التي قد تغيّر من واقع البلد ومستقبله، إلا أنه لا يوجد لديها أي قاعدة صناعية، بالإضافة إلى أنها دولة حبيسة، ليس لها أي منفذ بحري، فهي محاطة بحدود جبلية وعرة فحسب، تتعدى مساحتها 5،900 كلم²، مع ست دول مختلفة: باكستان، وإيران، والصين، والجمهوريات السوفياتية سابقاً؛ أوزبكستان، وطاجيكستان، وتركمانستان، وهذه الدول شديدة التماس والتشابك مع أفغانستان، ولديها مصالح مشتركة معها، وتخشى من أن تُشكل أفغانستان مصدر قلاقل، من خلال إيواء حركات جهادية وقومية، أو أن تتمدد الحالة الجهادية إلى وسط آسيا، ويُنقل الجهاد منها إلى مناطق أخرى.

قهر الجغرافيا

وفق تعبير زبيغنيو بريجنسكي، في كتابه "رقعة الشطرنج الكبرى"، الذي نشره عام 1997، فإن كلاً من أفغانستان، ومنطقة آسيا الوسطى، تمثّلان "محوراً جيوسياسياً"، والمحاور الجيوسياسية هي الدول "التي لا تستمدّ أهميتها من قوتها ودوافعها، بل من موقعها الحساس، ومن عواقب ظروفها الضعيفة التي تجعلها عرضةً لسلوك اللاعبين الجيو-إستراتيجيين".

وفي حالة أفغانستان، فإنها لم تتميّز بموقعها الحساس فحسب، بل أيضاً بديموغرافيا تشمل تركيبةً قبليةً وسكانيةً معقدة، إذ يتكون الشعب الأفغاني من أعراق وإثنيات متنوعة؛ أكثر من 20 شعباً وقومية، ولكلٍ منهم لغته، وثقافته، وتاريخه، وإقليمه. لذا فإنها في وضعها الحالي، لا تُعدّ وحدةً جغرافيةً طبيعيةً وقوميةً، وإنما تضم امتداداتٍ جغرافية وبشرية للدول المجاورة: باكستان، وإيران، وطاجيكستان، وأوزبكستان، وتركمانستان.

وأكبر شعوب أفغانستان، من حيث العدد، هم البشتون، ويشكّلون نحو نصف السكان، ويحكمونها منذ عام 1747، وتلي البشتون في الترتيب، قومية الطاجيك، ويشكلون ربع السكان، ثم تلي الطاجيك قومية الأوزبك ويشكلون 9% من السكان، ثم تأتي قوميات وشعوب متفاوتة في الحجم، كالفرس، والهزارة، والإيماق، والمغول، والتركمان، والقرغيز، والبلوش، والنورستان، والهنود، والسيخ، واليهود، والعرب، والكوهستان، والجات، والبراهيين، والبامير. وهذه الإثنيات كلها، لها علاقات لغوية وقومية وثقافية وتاريخية وجغرافية مع دول الجوار؛ فهي امتداد جغرافي وبشري لهذه الدول.

أما الدين، فالإسلام هو الديانة الرئيسية في أفغانستان، يدين به أكثر من 99% من السكان، ويشكل المسلمون السنّة 80% منهم، ويتبعون المذهب الحنفي، مع وجود أقلية شيعية تشكل 19% من عدد السكان، ويتبع معظمهم المذهب الاثني عشري، ثم أعداد قليلة من ديانات أخرى.

باكستان وطالبان... الزواج المضطرب

قدّمت دولة باكستان الدعم الكبير لحركة طالبان، مُنذ ولادتها سياسياً، ووجدت فيها فرصةً لاستثمارٍ تبحث عنه، واستفادت طالبان كذلك من الدعم الباكستاني. وكانت باكستان بمثابة الرئة التي تتنفس طالبان من خلالها، وهي أكثر دولة لديها روابط وعلاقات مع طالبان، نظراً للتداخل والتشاطر العميقين والواسعين بين البلدين، عرقياً، ومذهبياً، وجغرافياً، وتاريخياً، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، إلا أن العلاقة بينهما شَهِدَت توترات عدة؛ بسبب رغبة باكستان في أن تكون العلاقة علاقة تابع. لذا حنق الكثيرون من أفراد طالبان على سياسة باكستان، ووصلت الأمور بينهم في بعض الأحيان إلى صدام مسلح، وإغلاق الحدود لفترات محدودة.

وفي حرب أمريكا على طالبان، سمحت باكستان للقوات الأمريكية باستخدام أراضيها لإسقاط حكم طالبان، وقدّمت المعلومات والخدمات اللوجستية للتحالف الدولي، وكانت جزءاً منه، وانطلقت من أراضيها معظم الغارات الجوية التي دكّت مواقع طالبان، وهدمت مئات المنازل فوق رؤوس أصحابها، كما اعتقلت باكستان العديد من كوادر طالبان وقادتها، ولم تتوانَ عن أسر السفير الدبلوماسي لحكومة طالبان، الملا عبد السلام ضعيف، وتسليمه إلى أمريكا كأسير حربٍ، ليُنقل إلى سجن غوانتانامو، وهي سابقة دبلوماسية خطيرة، كونه دبلوماسياً، وكون باكستان هي التي أسرته نيابةً عن أمريكا، ومخابراتها. ومع ما سبق كله، صمتت طالبان، ولم يصدر عنها بيان تنديدي واحد ضد باكستان، واستمرت في المحافظة على قدر من التواصل مع الجارة الكبيرة. 

الملا عبد السلام ضعيف

إعادة بناء النفوذ

مع تنامي النفوذين، الهندي والإيراني، في المنطقة، وعلى الرغم من أن باكستان اعترفت بحكومة كابول السابقة، وقدّمت الدعم لها، إلا أن حكومة كابول كان لها توجه واضح نحو الهند وإيران، مما أفقد باكستان نفوذها في أفغانستان، وتالياً تراجع دورها وتآكله. وفي المقابل، ازداد النفوذ الهندي بشكل كبير، وأنفقت الهند ثلاثة مليارات دولار في شكل معونات ومساعدات للحكومة الأفغانية، من أجل حصار النفوذ الباكستاني، بالإضافة إلى استثمار الشركات الهندية الخاصة والحكومية بمبلغ عشرة مليارات دولار، وقامت أيضاً بإنشاء قنصليات لها على الحدود الأفغانية الباكستانية، وهو ما رأَت فيه باكستان تهديداً وتجسساً عليها. وفي ضوء ذلك، كانت حكومة كابول السابقة في حلفٍ مع الهند، ومواليةً لها، كما احتجزت مئات الأسرى الباكستانيين، وقامت بإعدام الكثيرين منهم، وغيّبت من شاءت.

أما على الصعيد الدولي، فقد وافق الرئيس الباكستاني الأسبق، الجنرال برويز مشرف، على انضمام بلاده إلى التحالف الدولي ضد أفغانستان، مقابل التعهد له بحل مشكلة كشمير، لكن الإدارة الأمريكية والدول الأوروبية تخلّت عن تعهدها بحل المشكلة، ومالت الإدارة الأمريكية والدول الأوروبية إلى الهند، ضد باكستان، وأجرت أمريكا مناوراتٍ عسكرية مع الهند، واتّخذت من الهند عصاً تلوح بها في ظهر باكستان.

وكان نظام طالبان في الحقيقة حليفاً إستراتيجياً وطبيعياً لباكستان، لذا شعرت الأخيرة بالإحباط، فعادت إلى دعم طالبان سرّاً، واستمر التحالف معها حتى يومنا هذا، وفرحت واحتفلت بانتصارات طالبان الأخيرة، وكأنه نصر باكستاني، حتى أن رئيس الوزراء، عمران خان، بدا عاجزاً عن إخفاء فرحته باستيلاء طالبان على كابول، وخرج على الملأ ليعلن أن أفغانستان "كسرت أغلال العبودية".

"احتفلت باكستان بانتصارات طالبان الأخيرة، وكأنه نصر باكستاني، حتى أن رئيس الوزراء، عمران خان، بدا عاجزاً عن إخفاء فرحته باستيلائها على كابول، وخرج على الملأ ليعلن أن أفغانستان ‘كسرت أغلال العبودية’"

ولذلك تواجه باكستان اتهاماتٍ بأنها تضع رهانها على طالبان، وبأنها تتوهم قدرتها على القيام بدور الوصاية، أو ترويض طالبان، وقد تكون بالفعل هي المستفيد الأكبر من عودة طالبان، إلا أن ذلك لا يعني أن الأخيرة ستكون دميةً في يدها، أو أن هناك حالةً من الارتياح الكامل بينهما.

ما الذي يقلق باكستان؟

على الرغم من أن باكستان لديها الكثير من الحماس بشأن وصول طالبان إلى الحكم مرةً أخرى، ولكن لديها أيضاً هواجس ومخاوف تتمثل في الآتي:

أولاً: الحدود الملتهبة، إذ تناهز مساحة باكستان 800،000 كلم²، وتمتد حدودها مع أفغانستان على أكثر من 2،400 كلم²، ومع كشمير على أكثر من 700 كلم²، وكلها حدود جبلية وعرة المسالك. ومع إيران يبلغ طول الحدود أكثر من 900 كلم² من الصحاري والمسالك التي أعجز المهربون فيها جيوش الدولتين، واستخباراتهما. وأما طول الحدود مع الصين، فتمتد على أكثر من 500 كلم²، في حين تبلغ طول الحدود مع الهند أكثر من 2،900 كلم²، بالإضافة إلى سواحل البحر، وأغلب حدود باكستان غير مستقرة، ومليئة بالثغرات، ومن الصعب السيطرة عليها، خصوصاً الحدود المشتركة مع أفغانستان، بالإضافة إلى أن هذه الحدود تُشكّل مصدراً للسلاح والذخيرة.

ثانياً: تنامي النفوذ الهندي والإيراني. باكستان بحاجة إلى صديق قوي في أفغانستان، وغير موالٍ للهند، أو إيران، من أجل حماية عمقها الإستراتيجي، في مواجهة الهند، العدو التقليدي، وأيضاً في مواجهة الجار الإيراني، المنافس الإقليمي والثقافي، والدول الثلاث نووية. وكان حكم طالبان السابق، ظهيراً إستراتيجياً لباكستان، في الصراع مع الهند على كشمير، وكان تحريرها سيصبح أكثر سهولةً، بعد سيطرة طالبان على شرق أفغانستان، وشمالها، لأنها تحيط بكشمير شمالاً وغرباً، ومن الممكن أن تشكّل عودة طالبان إلى كابول، مصدر إلهام للقوى الكشميرية ضد الهند، وهو عين ما تخشاه الهند حالياً.

ثالثاً: أزمة البشتون. تسيطر باكستان على نصف مناطق البشتون، وفيها نحو 25 مليوناً من قبائل البشتون، وهم مسلمون سنّة أحناف، وتعود جذور المشكلة إلى عام 1893. فقبل نهاية القرن التاسع عشر، كان البشتون يعيشون تحت سلطة واحدة، ولم يتم اختراق قلب أراضي البشتون، أو تتعرض مناطق سكنهم التاريخية للتقسيم، إلا على يد الاستعمار البريطاني. وطالبت أفغانستان بمراجعة الحدود، وأن تتسلم أراضي البشتون، وعندما انضمت باكستان إلى الأمم المتحدة في عام 1947، كانت أفغانستان الدولة الوحيدة التي صوّتت ضد عضويتها، لذلك فإن باكستان تعاني تاريخياً من تمرد البشتون، ورفضهم سلطتها إلى الآن، وما زالت طالبان ترفض الاعتراف بشرعية الحدود التي رسمها البريطانيون، أو ما يُسمّى بـ"خط ديورَند"، كحدود دولية بين أفغانستان وباكستان.

لذلك فإن ترتيب الأوضاع مع أفغانستان قد يشكل فرصةً لإنهاء العداء، أو على الأقل تخفيف التوتر الموجود، فقد تعلمت باكستان الدرس جيداً، وأدركت أن الحقائق الجغرافية والتاريخية أقدر على البقاء من الهيمنة العسكرية والسياسية. ووفق تعبير روبرت كابلان Robert D. Kaplan، في كتابه المهم انتقام الجغرافيا The Revenge of Geography، فإن من المفترض بعد سقوط جدار برلين، وانهياره، أن يتحسن احترامنا للجغرافيا، ولخريطة التضاريس… إلا أننا أصبحنا عمياناً تجاه الحواجز الجغرافية الحقيقية التي لا تزال تقسّمنا، والتي لا تزال تنتظرنا.

"تسيطر باكستان على نصف مناطق البشتون، وفيها نحو 25 مليوناً من قبائل البشتون، وهم مسلمون سنّة أحناف، وتعود جذور المشكلة إلى عام 1893، حين كان البشتون يعيشون تحت سلطة واحدة، ثم قسّمهم الاستعمار البريطاني"

رابعاً: مشكلة اللاجئين المستمرة. استقبلت باكستان أكبر عدد من اللاجئين الأفغان منذ الاحتلال السوفياتي، ويقيم فيها منذ أكثر من 40 عاماً، ثلاثة ملايين لاجئ أفغاني. ومع تدهور الأوضاع الاقتصادية التي تعيشها، لن تتمكن من تقديم المزيد من الدعم للّاجئين جُدد.

خامساً: تنامي حركة طالبان باكستان. تقاتل هذه الحركة الدولة الباكستانية، وزادت من نشاطها وجرأتها في الفترة الأخيرة. ففي نيسان/ أبريل الماضي، حاولت حركة طالبان باكستان اغتيال السفير الصيني في إسلام آباد، بسيارة مفخخة خارج فندقه في كويتا. ويرى مراقبون أن عودة طالبان أفغانستان إلى كابول، قد تُشكّل حافزاً لطالبان باكستان، لزيادة هجماتها، وتخشى باكستان من أن تكون أفغانستان ملجأً وملاذاً آمناً لهذه الحركة، خصوصاً وأن بعض التقارير تشير إلى وجود الآلاف من مقاتلي "طالبان باكستان" في شرقها.

وعلى الرغم من أن طالبان باكستان تخرجت من المدارس الدينية نفسها التي تخرجت منها طالبان أفغانستان، ووصْف أمير حركة طالبان باكستان، المفتي نور والي محسود، انتصار طالبان الأفغانية بأنه "انتصار يتقاسمه جميع المسلمين" إلا أن طالبان الباكستانية تختلف عن طالبان الأفغانية من ناحية الفكر والسلوك، بالإضافة إلى أنها تتبنّى منهجاً مغالياً في التكفير واستباحة الدماء، وقد رفضت طالبان أفغانستان الاعتراف بها، أو أن تكون امتداداً لها، وقال المتحدث باسم طالبان أفغانستان، ذبيح الله مجاهد، إن على إسلام آباد التعامل مع طالبان باكستان، لأن هذه الجماعة ليست مشكلتهم. لذلك تريد باكستان بشكل أساسي حماية الحدود المشتركة مع أفغانستان، وإنهاء حالة القلق حيال أي هجمات قد تشنّها طالبان باكستان من ملاذها الآمن. وتتوسط حالياً حركة طالبان الأفغانية، لإجراء مفاوضات بين الحكومة الباكستانية وحركة طالبان باكستان.

سادساً: أزمة إقليم بلوشستان. يقع هذا الإقليم في جنوب غرب باكستان، على امتداد الحدود الجنوبية لأفغانستان، ويشكل نحو نصف إجمالي أراضي باكستان، وتوجد فيه حركات تمرد قومية مختلفة، أبرزها جيش تحرير بلوشستان، وعسكر جنجفي، وتطالب هذه الحركات باستقلال الإقليم الذي يشهد توترات وهجمات على الجيش الباكستاني. وقال الجناح الإعلامي للجيش الباكستاني (ISPR)، في بيان له، قبل أسابيع عدة، إن هجوماً وقع خلال أربع وعشرين ساعة، وقُتل فيه أربعة جنود، وأُصيب اثنان، وتشير بعض التقارير بأن هذه الجماعات لها تمركز في أفغانستان.

إيران... النهج البراغماتي

تمتلك إيران نفوذاً سياسياً، وثقافياً، ودينياً كبيراً في أفغانستان، وما زالت لديها روابط تاريخية، وقواسم مشتركة مع شيعة أفغانستان الهزارة، والطاجيك، الذين يقارب عددهم الـ20% من إجمالي السكان، ويتركز معظمهم في شمالها الغربي، في مدينتَي مزار شريف، وهيرات، وقد استثمرت إيران بقوة في بناء علاقات وطيدة معهم، وصلت إلى تجنيد 14 ألفاً منهم، على غرار الميليشيات الإيرانية، تحت لواء يُدعى: فاطميون، وأرسلتهم للقتال في سوريا.

"تمتلك إيران نفوذاً سياسياً، وثقافياً، ودينياً كبيراً في أفغانستان، وما زالت لديها روابط تاريخية، وقواسم مشتركة مع شيعة أفغانستان الذين يقارب عددهم الـ20% من إجمالي السكان، وقد استثمرت إيران بقوة في بناء علاقات وطيدة معهم"

وفي فترة حكم طالبان الأولى، قامت إيران بتقديم مساعدات إلى تحالف الشمال، ضد طالبان، والذي يُعد حليف إيران التاريخي، وأيضاً تدخَّل الحرس الثوري في الحرب الدائرة بينهما. لذا، فإن هناك عداءً تاريخياً قديماً بين إيران وطالبان، واتسمت العلاقة بينهما بالتوتر، فحين قُتل الدبلوماسيون الإيرانيون الثمانية في مزار شريف عام 1998، قامت إيران بحشد عشرات الآلاف من الجنود على طول حدودها مع أفغانستان، وكادت أن تشن حرباً على طالبان، قبل أن تتراجع.

وحين قامت الحرب الأمريكية على أفغانستان عام 2001، توافقت الأهداف الإيرانية مع أهداف الولايات المتحدة، فدعمت إيران بقوة سقوط طالبان، وقدّمت الكثير من المعلومات للأمريكيين، لتتخلص من طالبان، حتى قال نائب الرئيس الإيراني حينها محمد خاتمي: "لولا التعاون الإيراني لما سقطت كابول".

"عام 2001، توافقت الأهداف الإيرانية مع أهداف الولايات المتحدة، فدعمت بقوة سقوط طالبان، وقدّمت الكثير من المعلومات للأمريكيين، لتتخلص من طالبان، حتى قال نائب الرئيس الإيراني حينها محمد خاتمي: ‘لولا التعاون الإيراني لما سقطت كابول’"

وعلى الرغم من اختلاف الظروف الآن، يمكن القول إن إيران تنتهج نهجاً براغماتياً مع طالبان، فهي تدرك جيداً أهمية أفغانستان لأمنها القومي، لذلك لا تريد أن تكون أفغانستان قويةً، لأن هذا يُمثّل تحدياً لمصالحها، وما يقلقها حالياً هو تأمين حدودها الغربية البالغة نحو 945 كلم²، والحفاظ على تدفق المياه من الجانب الأفغاني، وهو ما تنازع عليه الطرفان قديماً، وأيضاً قضية اللاجئين الأفغان الموجودين على أراضيها، بالإضافة إلى الحد من توسع النفوذ الباكستاني فيها. وإيران، وإن تعاملت ونسّقت مع طالبان، فهذا لا يعني أنها تضع طالبان في دائرة الأصدقاء.

الصين... بين مخاوف الإيغور ومبادرة الحزام والطريق

حسب الدكتور أكرم حجازي، فإن الصين هي دولة دهرية، لا تؤمن بعقائد، أو بأيديولوجيا، ولا تعنيها بقدر ما يعنيها الجانبان الأمني والاقتصادي. وعلى الرغم من أن أفغانستان لها حدود مشتركة وصغيرة جداً مع الصين، 76 كلم، إلا أنها حدود مهمة جداً من الناحية الاقتصادية، وتشكّل ممراً تجارياً مهماً للصين إلى أسواق ضخمة في الشرق الأوسط والخليج العربي، وهو ما تطمح إليه الصين حالياً، من خلال مد مبادرة الطريق والحزام إليها.

وقد شهدت علاقة الصين بأفغانستان في عهد طالبان الأول، بعض التوترات بسبب استضافة طالبان لمجموعة تركستانية مسلحة معارضة للحكومة الصينية، وأرسلت الصين وفداً إلى الملا عمر، يطلب منه تسليم هذه المجموعة، مقابل إنشاء المرافق الحيوية للعاصمة، فرفض الملا عمر إخراج أي مسلم التجأ إلى بلاده، إلا أنه في الوقت نفسه، طمأن الوفد الصيني بأن أفغانستان لن تتدخل في شؤون الصين الداخلية، وبأنه سيوقف نشاط حركة تركستان الشرقية ضد الصين. وطلب الملا عمر من القادة التركستان وقف برنامجهم ضد الصين، نظراً لحاجة طالبان إلى علاقات جيدة معها، توازن بها الضغوط الأمريكية، فالتزموا ذلك.

وعموماً، الصين لا تريد الفوضى في أفغانستان، لأن عدم استقرار أفغانستان ستكون له عواقب على مقاطعات الصين الغربية. وفي الحقيقة فإن الصين لا يهمها من يحكم كابول، بل تهمها مسألتان فقط: الأولى هي تأمين الحدود والمشاريع الاقتصادية، والأخيرة هي ملف مقاتلي الإيغور المسلمين المقيمين في ولاية بدخشان، شمال أفغانستان، إذ تخشى الصين من تمرد الإيغور، ويوجد مسعى صيني ليس لتذويب قومية الإيغور فحسب، ولكن لتغييب هذه القضية على مستوى العالم، لذلك تريد الصين من طالبان أن تلتزم الصمت، وألا تساندهم أو تدعمهم، خصوصاً أن بعض مقاتلي الإيغور ما زالوا مُقيمين في أفغانستان، وعين ما تخشاه الصين، أن يخطط هؤلاء لشن هجمات عليها، أو يتسللون إليها، خصوصاً وأن لديهم خبرة في القتال.

والصين تستطيع بالفعل أن تساعد في بناء أفغانستان، ويبدو أن شروطها للاستثمارات التي تُعوّل عليها طالبان، ستكون مشروطةً ومرتبطةً بعدم دعم حركة تركستان الشرقية التي تطالب باستقلال الإقليم عن الصين، وبعدم توفير ملاذ آمن لها، ويبدو أن الصين تخشى هذه الحركة كثيراً، وهو ما أكده الباحث البارز في كلية الدراسات الدولية المتقدمة في جامعة جونز هوبكينز، دان ماركي، بأن هاجس الصين الأول هو الشأن الأمني. لذلك فإن للصين مصلحتين فقط في أفغانستان: الأولى أمنية، والثانية اقتصادية.

روسيا... السياسة المزدوجة

يرى روبرت كابلان، في كتابه "انتقام الجغرافيا"، تحت فصلٍ حمل عنوان "روسيا والأراضي المركزية المستقلة"، أن روسيا هي القوة الأرضية الأولى في العالم، وأن ذلك يجعلها متمسكةً بالنظرية التي ترى أن الحل الوحيد للدفاع عن أراضيها، هو التوسع! لأنها ترى في جوارها تهديداً دائماً لها.

ولدى روسيا تاريخ مرير في أفغانستان، إذ تعود مشكلة روسيا مع أفغانستان إلى عام 1979، عندما غزت البلد، وتعاملت مع أهله من دون أي رحمة، ودعمت الانقلابات الشيوعية فيه، ولا تزال الذاكرة الشعبية الأفغانية حافلةً بجرائم الاتحاد السوفياتي، ولا شك أن روسيا سبب رئيسي من أسباب مآسي الأفغان.

وعلى الرغم من اختلاف الظروف الآن، فإنه لا يمكن الجزم بأن طالبان ستتماشى مع السياسة الروسية. ويرى مراقبون أن روسيا تنتهج سياسةً مزدوجةً في أفغانستان، في خطوةٍ قد يراها البعض غير منطقية، مستغرباً التقارب الروسي مع حركة طالبان التي ما زالت مدرجةً على قوائم الإرهاب الروسية، ومن ناحية أخرى، فقد زادت روسيا من عدد قواتها في القاعدة الروسية في طاجيكستان.

ويمكن القول إن روسيا لا تشعر بالارتياح من هيمنة طالبان، وهي تدرك جيداً تداعيات عودتها إلى كابول مرة أخرى، ولا ننسى أن أفغانستان محيطةٌ بثلاث دول؛ أوزبكستان، وطاجيكستان، وتركمانستان، وهذه الدول هي من ضمن الحلف العسكري المشترك مع روسيا، لذلك تخشى روسيا من أن تصبح أفغانستان ملاذاً آمناً للجهاديين من منطقة القوقاز، أو أن تتسلل بعض التنظيمات الجهادية إلى الدول السوفياتية السابقة التي لها حدود مع أفغانستان، لا سيما وأن روسيا عانت كثيراً على يد الجهادين الإسلاميين.

الهند... الخاسر الأكبر

تُمثّل عودة طالبان إلى كابول، بالنسبة إلى الهند، كابوساً. ويعود ذلك إلى جذور تاريخية قديمة وحديثة، فقد أيّدت الهند الاحتلال السوفياتي لأفغانستان عام 1979، ودعمت تحالف الاتحاد الشمالي ضد طالبان، ثم أيدت الاحتلال الأمريكي لها عام 2001، وازداد بعدها نفوذ الهند ونشاطها بشكل كبير فيها، فقامت الهند بدعم حكومة كابول السابقة، ووصلت المساعدات والاستثمارات إلى 13 مليار دولار.

وعلى الرغم من عدم وجود حدود مشتركة بين البلدين، إلا أن أهمية أفغانستان بالنسبة إلى الهند تكمن في أنها تمنحها عمقاً إستراتيجياً ضد باكستان، ونفوذاً سياسياً واقتصادياً في آسيا الوسطى. وأيضاً لا ننسى أن أفغانستان تحيط بكشمير شمالاً وغرباً، وعين ما تخشاه الهند، أن ينتقل الجهاد إليها، ويتدفق المقاتلون من أفغانستان إليها. وجدير بالذكر أن طالبان في عهدها الأول، كانت متحالفةً مع باكستان في صراعها مع الهند على كشمير، بالإضافة إلى أن الحركات الإسلامية الكشميرية تحظى بعلاقات تاريخية وطيدة وقوية مع طالبان.

ومن المؤكد أن الهند لن تكون حرةً في تحركاتها في أفغانستان، مثل السابق، وسيتراجع التهديد الأمني الذي كانت تمارسه ضد باكستان على الحدود الأفغانية. وعلى الرغم من تطمينات طالبان للهند، إلا أنها ما تزال قلقةً. تبدّى هذا القلق في مواقف الهند الأخيرة تجاه كشمير، إذ جعلتها، وهي ذات الأغلبية المسلمة، تعيش في أسوأ سجن. ويبدو أن الهند تستحضر ما حدث في كشمير بعد الانسحاب السوفياتي من أفغانستان، لذلك تخشى من أن تستنسخ التجربة الطالبانية، أو أن تحدث انتفاضة كشميرية بعد الانسحاب الغربي من أفغانستان، كما حدثت بعد الانسحاب السوفياتي.

خلاصة

نستطيع القول إنه وعلى الرغم من سيطرة طالبان على أفغانستان، وتماسكها تنظيمياً وإدارياً، إلا أن دور الدول الكبرى والإقليمية مؤثر جداً في وضعها، ولا نبالغ إن قلنا إن لها الكلمة العليا، وسيظل التحدي الأكبر لأفغانستان هو في قدرتها على "تحجيم التدخلات الخارجية"، ومن ثَمَّ، فإن بناء تحالف متوازن مع الدول الإقليمية المجاورة، يضمن استمرار الاستقرار فيها، وفي وسط آسيا، وهذا يوفّر فرصةً للتعاون، بدلاً من التنافس الذي تكون محصلته في غاية السوء على الأفغان أنفسهم، خصوصاً وأن القوى الكبرى تهتم بالملفات الحقوقية، كحقوق المرأة مثلاً، خاصةً عندما تكون تلك الملفات قابلةً للابتزاز والمساومة.

وعلى الرغم من أن الدول الإقليمية المحيطة بأفغانستان لم تُبدِ أي معارضةٍ لاستيلاء طالبان على السلطة، وزار قادتها هذه الدول وطمأنوها، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة وضوح المسار المستقبلي للعلاقات، أو أن هذه الدول المتنافسة في ما بينها، والتي لديها أيضاً عداوات إقليمية، ستمتنع عن التدخل، وستترك أفغانستان من دون مشكلات، خصوصاً وأن هذه البيئة الإقليمية، بيئة متشنجة ومتوترة، وأيضاً "شديدة الشراسة في القتال". ومهما كانت تطمينات حركة طالبان، فإن التاريخ يخبرنا بأن واحداً من جيران أفغانستان، أو أكثر، سرعان ما سيجد سبباً لمناوأة نظامها، بل ولعله يجد سبباً لتقويضه، عبر دعم القوى المعارضة للحركة.

ما تقوم به القوى الغربية حالياً، من عزلٍ لأفغانستان، وكثرة الأجندات والإملاءات التي تمارسها، ستزيد الأمور استقطاباً وتعقيداً، ولن تحل مشاكل أفغانستان، خصوصاً مع حكم طالبان، لأن ما يعطي طالبان الشرعية في المقام الأول، هو تمسكها وتشبثها بالثوابت، وليس ابتزازها.

ولا ننسى أن طالبان تنطلق من رؤية إسلامية تعتمد في الأساس، على الإرث الثقافي والفقهي للمذهب الحنفي. ويبدو أن الدول الإقليمية ما زالت تستحضر الدرس الأفغاني، ليبقى السؤال: هل ستقع هذه الدول في المستنقع الأفغاني؟ الوقت والمستقبل هما اللذان سيحكمان.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard