"مهبلي يسقط من جسدي"... كيف يؤثر هبوط الرحم على حياة النساء؟

الثلاثاء 2 نوفمبر 202101:25 م

في العام 2009، أحدثت أليسون هنري صدمة كبيرة عندما كشفت عن تجربتها الخاصة المتعلقة بهبوط الرحم على موقع MomLogic.com، فكتبت حينها: "لقد سقط مهبلي".

بعد حوالي عشرة أسابيع من الحمل، بدأت أليسون تعاني من الإمساك والنزيف لمدة 15 أسبوعاً، وبعد أن أنجبت طفلها، لاحظت ذات يوم أثناء استخدام الحمام تغيير في منطقتها الحميمية: "لم يكن هناك حفرة حقيقية- لقد شعرت بأنها مسطحة نوعاً ما. الأمر كما لو كان هناك شيء يسدّ قناة المهبل".

في وقت لاحق من ذلك العام، نظرت أليسون إلى شيء في هذه المنطقة أكثر إزعاجاً، وبدا الأمر كما لو أن أعضاءها الداخلية باتت في الخارج، فذهبت مذعورة إلى الطبيب وقالت له: "مهبلي يسقط من جسدي!".

على الرغم من أن هذه العبارة تبدو غريبة بعض الشيء، فإن المصطلح الطبي لما حدث لهذه المرأة هو "هبوط الرحم الكامل".

تطور مفهوم هبوط الرحم

ذُكرت مشكلة هبوط الرحم وعلاجها المحتمل في أقدم المؤلفات الطبية الموثقة، وهي البرديات المصرية، وتحديداً في بردية كاهون حوالي 1835 قبل الميلاد، وبدورها أوصت بردية إبيرس 1550 ق.م بمعالجة مشكلة تدلي الرحم عبر فرك جسد المريضة بزيت التراب (البترول) مع السماد والعسل.

وفي عهد أبقراط (460-377 قبل الميلاد)، كان الفكر الطبي السائد ينطلق من فرضية أن الرحم كالحيوان المتجوّل في جسد المرأة، وقد أدى هذا المفهوم إلى بروز علاجات غريبة مثل التبخير، بحيث يتم وضع أبخرة لطيفة على رأس المرأة وبالقرب من رحمها المتدلي، من أجل تحفيز الرحم على العودة إلى مكانه الطبيعي.

وفي السياق نفسه، كتب بوليبوس، وهو تلميذ أبقراط، في نصه "حول أمراض النساء"، عن علاجات أخرى لتدلي الرحم، بما في ذلك وضع قابض للرحم مصحوباً بإسفنجة خل أو نصف حبة رمان، مشيراً إلى أنه في حال فشلت هذه الإجراءات، فإنه يتعيّن على النساء أن يخضعن ل succussion، وهي ممارسة تقوم على ربط المرأة من قدميها في إطار ثابت والقفز عليها بشكل متكرر حتى يتقلص هبوط الرحم، ومن ثم تترك مقيّدة في سريرها لمدة ثلاثة أيام مع ربط ساقيها معاً.

ومع ذلك، بدأ التحول التدريجي في الفكر الطبي يحدث في نهاية عصر أبقراط، بحيث بدأ الطب في تحرير نفسه من تأثير الخرافات والأفكار الخاطئة المتداولة.

وبحلول القرن الأول بعد الميلاد، كان سورانوس، أبرز أطباء أمراض النساء في العصور القديمة، ينتقد بشدة نهج أبقراط في علاج تدلي الرحم، معتبراً أن التبخير غير منطقي، وبدلاً من ذلك، نصح في أطروحته "أمراض النساء"، بمسح الجزء المتدلي من الرحم بالكثير من زيت الزيتون الفاتر، وصنع سدادة صوفية متوافقة من حيث الشكل والقطر مع المهبل بغية لفها بقطعة رقيقة جداً من الكتان النظيف، ومن ثم تغمسيها لفترة وجيزة في الخل، عصير الأكاسيا، أو النبيذ ، ووضعها على الرحم وتحريك الجزء المتدلي بالكامل، ودفعه بلطف إلى أعلى حتى يعود الرحم إلى مكانه الصحيح وتكون الكتلة بأكملها في المهبل.

على الرغم من هذا التقدم العلاجي، فإن الأفكار القديمة حول الرحم استمرت لفترة طويلة، ففي العام 1603، اعتبر لرودريجو دي كاسترو بأن الرحم المتدلي، "يجب مهاجمته بمكواة ملتهبة، وعندها سيجبر الخوف الجزء المنهار على الانحسار في المهبل".

مشكلة شائعة

شرحت القابلة القانونية فرح كنج ان هبوط الرحم، هو عبارة عن "ترهل العضلات أو غياب التنسيق فيما بينها".

بشكل عام، فإن تدلي أعضاء الحوض ينطوي على حدوث فتق في أعضاء الحوض إلى جدران المهبل أو ما وراءها. مع التدلي، ينخفض الدعم ويمكن أن تنخفض هذه الأعضاء إلى المهبل.

في الأساس، يتم تثبيت جميع الأعضاء الحيوية في منطقة الحوض عن طريق العضلات والأنسجة الموجودة في أسفل البطن. أثناء الحمل والولادة، تضعف هذه المناطق بسبب إجهاد الوزن في الرحم، وإذا لم تستعيد قوتها بشكل صحيح، يمكن أن تتسبب في انهيار الرحم والمثانة والمستقيم وحتى الأمعاء الدقيقة - مما يؤدي إلى ما يسمى بالتدلي.

عندما تحمل المرأة طفلاً يزن تسعة أرطال في رحمها ثم تدفعه للخارج من خلال فتحة بحجم حبة مشمش صغيرة، فلا بد أن يكون هناك نوع من الصدمة. لكن نادراً ما يتم مناقشتها خارج المجتمع الطبي

وعندما تضعف العضلات، ينتقل العضو إلى نفس مستوى المهبل أو القناة الشرجية، وفي النهاية ينزلق خارج الجسم، ويغلف نفسه في القناة حتى يتم دفعه خارج فتحة المهبل. يبدو الأمر كما لو كانت المرأة تلد رحمها.

بخلاف ما يظن البعض، فإن هبوط الرحم ليس امراً نادراً، إذ أنه حوالي نصف النساء اللواتي تتراوح أعمارهنّ بين 50 و 79 عاماً مصابات بهذه الحالة، كما كشفت دراسة نُشرت في مجلة Menopause، إن ما لا يقل عن 50% من النساء يعانين من نوع من هبوط الأعضاء التناسلية بعد الحمل.

في الواقع، عندما تحمل المرأة طفلاً يزن تسعة أرطال في رحمها ثم تدفعه للخارج من خلال فتحة بحجم حبة مشمش صغيرة، فلا بد أن يكون هناك نوع من الصدمة. لكن نادراً ما يتم مناقشتها خارج المجتمع الطبي.

في هذا السياق، شددت فرح لرصيف22 على أن هبوط الرحم شائع ولكنه ليس أمراً عادياً: "صحيح ان هبوط الرحم شائع ولكن لا يجب أن تتعامل معه السيدة وكأنه أمر حتمي"، وتابعت بالقول: "في تابو كتير كبير حول هالموضوع، بعض النساء بتفكر انو وقت تصير فوق الخمسين والستين ضروري يصير في تسرب بولي وهبوط الرحم، بس الموضوع ممكن نعالجه قبل ما نوصل لمرحلة الجراحة".

وأوضحت كنج أنه من بين المفاهيم الخاطئة هو أنه يمكن منع الهبوط عند اختيار إجراء ولادة قيصرية بدلاً من الولادة العادية. ومع ذلك شددت فرح على إن الحمل لوحده قد يؤدي إلى إجهاد الحوض ويمكن أن يتسبب في حدوث هبوط الرحم.

في الحقيقة، تأتي حالات هبوط الرحم بدرجات من الشدة، اعتماداً على مدى انزلاق العضو، فتشتكي بعض النساء من وجود انتفاخ في المهبل في وضعيات معيّنة، في حين تلاحظ أخريات أن الأمور تزداد سوءاً على مدار اليوم. وفي حالات الهبوط الشديد فقط، يمكن للمرأة أن ترى الرحم بارزاً في فتحة المهبل.

ومما لا شك فيه ان خطر حدوث نوع من هبوط الحوض- في الرحم أو المثانة أو المستقيم- يزداد مع التقدم في العمر، الوزن والتاريخ العائلي، وبالنسبة إلى الاعراض، فإنها تشمل: تسرب البول، عدم القدرة على افراغ المثانة، الشعور بالثقل أو الامتلاء في منطقة الحوض، انتفاخ في المهبل وشعور بالضغط في أسفل البطن، بالإضافة إلى الإمساك.

تأثير هبوط الرحم على العلاقة الجنسية

على الرغم من أن هبوط الرحم لا يهدد الحياة، إلا أنه يسبب آلاماً جسدية وكذلك صدمات نفسية قد تؤثر على حياة المرأة الجنسية.

أوضحت فرح كنج انه كلما كانت عضلات الحوض صحية، كلما اختبرت المرأة نشوة جنسية أكبر، مشيرة إلى أن هبوط الرحم يؤثر بشكل كبير على الحياة الجنسية، بخاصة في حال وجود تسرب بولي خلال الممارسة الجنسية.

من هنا أكدت كنج ضرورة أن تلجأ المرأة المعنية إلى شخص مختص لمساعدتها على تقوية قاع الحوض من خلال التمارين اللازمة، التي تعتبر "خط الدفاع الأول قبل العملية الجراحية"، مشددة على أهمية أن يكون الشريك داعماً للمرأة في مثل هذه الحالة وأن يساندها قدر الإمكان.

في السياق نفسه، قالت جيسيكا زوكر، أخصائية نفسية إكلينيكية في بيفرلي هيلز والمتخصصة في صحة المرأة الإنجابية وصحة الأم العقلية: "من الصعب علينا جميعاً أن نتعلم شيئاً عن أجسادنا ونعتقد أن هذا أمر مؤقت".

وأضافت: "ما أسمعه من النساء هو أن الهبوط يمكن أن يكون مروّعاً نفسياً. هناك لوم الذات والإحراج والعار. يمكن أن يقلب اهتمامها الجنسي رأساً على عقب".

بمعنى آخر، تشعر العديد من النساء بعدم الراحة في أجسادهنّ، ويعانين من الألم الجسدي ويواجهن تحديات فيما يتعلق بالحميمية الجنسية، بحسب تأكيد زوكر: "الجسد الذي كان لديهنّ في السابق لم يعد كما كان عليه، على الأقل في الوقت الحالي، وقد يكون ذلك مرعباً".

"ما أسمعه من النساء هو أن الهبوط يمكن أن يكون مروّعاً نفسياً. هناك لوم الذات والإحراج والعار. يمكن أن يقلب اهتمامها الجنسي رأساً على عقب"

ومع هذا، أكدت أنه من الطبيعي أن يتغيّر جسد الأنثى مع التقدم في العمر: "يمكن أن تكون أجساد النساء مساحة لعمليات مذهلة، ولخلق وإعطاء الحياة، ومع ذلك يمكن أن يكون هناك الكثير من الأشياء التي تحدث لأجسادهنّ في عملية محاولة القيام بذلك. كلما تحدثنّ عن أشياء مثل هذه، كلما قلّ الشعور بالخزي من حولهنّ".

تجدر الإشارة إلى انه يمكن معالجة مشكلة تدلي الرحم الخفيف من خلال تجنب رفع الأشياء الثقيلة وممارسة تمارين كيغل.

واللافت ان القيام بتمارين كيغل بشكل مناسب هو أمر حيوي لنجاح العلاج وللمساعدة في تقوية عضلات قاع الحوض.

في بعض الأحيان، يمكن تطبيق تقنية تسمى الارتجاع البيولوجي Biofeedback، لمعرفة كيفيّة التّحكّم بالوظائف الجسديّة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard