انتقدت الدعارة في مراكش فاعتُقلت... قضية "أم بألف رجل" تثير التساؤلات في المغرب

الثلاثاء 24 أغسطس 202103:21 م

بنبرةٍ غاضبة، وبصوت نسائي أجش، وصفت المغربية جميلة سعدان، صاحبة قناة "أم بألف رجل"، على موقع يوتيوب، مراكش، بمدينة الدعارة والفساد الجنسي، موجهةً اتهامات لأشخاصٍ بأسمائهم، ونسبهم العائلي، بالإشراف على أوكارٍ للدعارة، وللاتجار بالبشر.

مباشرةً بعد بث الفيديو، الذي شاهده آلاف المتابعين لقناتها، أمرت النيابة العامة بإيقاف سعدان، في السجن المحلي في مراكش، وأحالت ملفها إلى قاضي التحقيق، على أن تبدأ محاكمتها خلال  أيلول/ سبتمبر. أما ابنها، الذي قام بتصوير شريط الفيديو "المثير للجدل"، فقد تمت متابعته، إثر إطلاق سراحه مؤقتاً، بعد أن دفع كفالة مالية حددت بخمسة آلاف درهم.

تثير قضية "أم بألف رجل" التساؤلات في المغرب. ما بين من يساند فضحها لواقع الدعارة ومن يرى فيها تشهيراً بالآخرين من دون وجه حق

اتهاماتُ سعدان، وصفتها هيئات حقوقية بالفاضحة لواقع الدعارة المُستشري في مدينة مراكش السياحية، فيما عدّها البعض كلاماً خطيراً، لم يكتفِ بالتشهير بمستثمرين مغاربة، بل تعداه إلى التطاول على المقدسات، وإقحام اسم الملك محمد السادس، والأمير رشيد في الموضوع.

تشهير أم تحذير؟

"خميسة"، وهي حركة نسائية مغربية تدافعُ عن حقوق المرأة، أدانت في بيان لها اعتقال السيدة الملقبة بـ"أم بألف رجل"، واصفةً إياه بـ"الانتقامي"، ورأت أن متابعتها "ترهيب وتخويف لكل من فكر في فضح الفساد"، داعيةً مقابل ذلك إلى إطلاق سراحها، وفتح تحقيق في ما ورد على لسانها من وقائع وأحداث.

وعبَّر التكتلُ النسائي نفسهُ عما أسماه "بالتخوف من تزايد المتابعات، والاعتقالات، بسبب حرية الرأي والتعبير، خصوصاً إذا تعلق الأمر بملف من ملفات الفساد"، مُديناً "تساهل الدولة المغربية مع قضايا الاتجار بالبشر، واستغلال دعارة النساء"، لأنه "انتهاك لحقوق الإنسان، وفقاً لما نصت عليه المواثيق الدولية لحقوق الإنسان".

"أولئك الذين هم في ثورة الغضب يفقدون كل سلطان على أنفسهم"، هذه المقولة الأرسطوية، تنطبق على سعدان، التي أشارت، بانفعال وغضب شديدين، إلى أسماء شخصيات مشهورة في مدينة مراكش، واتّهمتهم بـ"القوادة، وبترؤس مجمعات سكنية للسياحة الجنسية، حيث تشتغل المغربيات ‘بفروجهن’، ويُغتصبن بعيداً عن الأنظار"، حسب قولها.

لكن ما أرادته تنديداً بوضع تزعم أنه "الواقع"، يحسم القانون المغربي فيه، ويجعله في خانة "القذف والتشهير"؛ فحرية التعبير تنتهي بمجرد المسّ بحريات الآخرين. ولذلك كان الحديث عن مدى قانونية متابعة السيدة بعد اعتقالها، خاصةً وأن الموضوع حساس جداً، وأكثر ما "يشوّه"، صورة من وردت أسماؤهم في الفيديو.

مهدي الودي اليزيدي، المتخصص في القانون، أوضح في حديث مع رصيف22 أن "قرار النيابة العامة القاضي بمتابعة السيدة جميلة سعدان، وإحالة ملفها على قاضي التحقيق، بُني على سند قانوني سليم، عكس ما يُروَّج له عند الرأي العام، وفي بلاغات المنظمات الحقوقية التي أدانت الاعتقال".

هل تقف حرية الرأي عند التشهير بالآخرين ؟ هذا هو السؤال الذي تطرحه قضية المرأة التي ندّدت بشبكات الدعارة في مراكش فتابعتها السلطات القضائية

وعدّد الودي ما أسماه أوجه التجاوزات والخروقات القانونية الواضحة في كلام السيدة المعتقلة، وأولها جريمة القذف، إذ إنها "نسبت وقائع، ووصفت مجموعة من الأشخاص بأوصاف خطيرة، إذ وجهت لهم اتهامات بالوساطة الجنسية، والاتجار بالبشر، وتسيير شبكة الدعارة في مدينة مراكش، من دون تقديم أي دليل على ما قالته".

وأوضح المتحدث أن تهمة القذف ثابتة، كون المشرع المغربي عرّفه "بأنه ادعاء واقعة، أو نسبتها إلى شخص، أو هيئة، إذا كانت هذه الواقعة تمس شرف الشخص، أو اعتباره، أو الهيئة التي نسبت إليه، أو إليها"، حسب المادة 83 من قانون الصحافة والنشر.

أما الجريمة الثانية، حسب اليزيدي، فهي التشهير، مؤكداً أن السيدة المعتقلة "ذكرت بصريح العبارة مجموعة من الأسماء، ونسبت إليهم اتهامات خطيرة بأنهم يحركون شبكات الدعارة، من دون دليل، مستعملةً واحدة من الوسائط التكنولوجية"، وهو ما عدّه تشهيراً واضحاً، يعاقب عليه القانون المغربي.

وأضاف الودي أن الإشارة إلى المؤسسة الملكية، باسم الملك محمد السادس، وأخيه الأمير رشيد، في الموضوع، قد يكون خرقاً ثالثاً، موضحاً أن "النيابة العامة يمكن أن تتابع السيدة بتهمة ثقيلة، وهي المس بالمقدسات، وبشخص الملك التي يعاقب عليها القانون الجنائي".

من جهتها، رأت "الجمعية المغربية لحقوق الإنسان" فرع مراكش، أن كلام المرأة يدخل في خانة التنديد، والكشف عن جرائم، وأنه يجب أن يؤخذ مأخذ جد، ويتم فتح تحقيق نزيه يكشف إن كان ما ادعته حقائق، أو مغالطات.

كما رأت الجمعية أن "ما صرحت به السيدة جميلة، يفترضُ أخذه مادةً للتبليغ عن جرائم يعاقب عليها القانون، وبينها انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان المنصوص عليها في القانون الدولي لحقوق الإنسان، والتي تُعد الدولة المغربية طرفاً فيها".

بيان الجمعية الحقوقية أشار إلى أنه "كان حريّاً بالنيابة العامة فتح تحقيق شفاف حول ما ورد في الشريط، وبعده ترتيب الجزاءات القانونية اللازمة، وفق ما يقتضي القانون، ويُتيح، ونتائج التقصي الشفاف، والنزيه". وتخوَّفَت من أن يكون اعتقال سعدان "انتقامياً، وتستراً على ما يُروَّج حول وجود شبكات وأماكن للسياحة الجنسية، والاتجار بالبشر"، داعيةً إلى "فتح تحقيق قضائي شفاف ونزيه في الادعاءات كلها الواردة في الشريط، والوقوف عند احتمال وجود السياحة الجنسية، والاتجار في الدعارة والبشر، من قبل شبكات مختصة في ذلك".

وحول جدل التبليغ عن جريمة "الفساد"، يُرجّح اليزيدي أن النقطة المحورية التي حركت ملف متابعة سعدان، هي توجيهها تهمة الفساد إلى أشخاص بأسمائهم، وهي التهمة التي حدّد المشرع المغربي إحدى شروط تحريك الدعوى العمومية بخصوصها، بضبط مقترفي هذه الأفعال الجرمية في حالة تلبّس.

وفي هذا السياق، لفت إلى أنه عكس ما ادَّعته الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، بخصوص "عدم حماية المصرحين والمبلغين عن انتهاكات حقوق الإنسان، والجرائم المعنية بالفساد المالي، والاتجار بالبشر، والسياحة الجنسية، والبيدوفيليا"، فإنه في هذه الحالة "لا يمكن الحديث عن التبليغ، ما دام الأمر لا يتعلق بواقعة جارية يتحقق فيها شرط التلبّس، وإنما بأحداث سابقة".

أين تقف حرية الرأي؟

الشعور بالخوف من الحديث عن هذه المواضيع علناً، طفا على مواقع التواصل الاجتماعي من قِبل فاعلين حقوقيين، مباشرة بعد اعتقال سعدان. هذا النقاش أثار السؤال حول الرأي والتعبير، بين جدلية الحرية والتقييد.

خديجة خفيض، صحافية وفاعلة حقوقية، أوضحت في حديث مع رصيف22 أنه: "من الناحية القانونية، هناك خيط فاصل بين حرية التعبير، والدفاع عن حقوق الانسان، بين حرية التعبير، والمقتضيات القانونية، والمس بحريات الآخرين"، مؤكدة أنه "قد يكون للسيدة غرض نبيل، وهو ظاهر في أنها تتكلم بعفوية وباندفاع، ولكنها كذلك تتهم الدولة المغربية اتهامات خطيرةً جداً، قد تكون لها تداعيات خطيرة".

وقالت الفاعلة الحقوقية، إن الفيديو تم بثه على الإنترنت، وعليه لم يشاهده المغاربة فحسب، ولكن الأجانب كذلك، وهو ما يُمكن استغلاله بشكل يسيء إلى بلادنا، مشدّدةً هي الأخرى على جرائم التشهير، والمس بالحياة الخاصة، والإهانة التي يجرِّمها القانون، والتي ارتكبتها السيدة المعنية.

وبخصوص موضوع السياحة الجنسية، والبيدوفيليا، لفتت المُتحدثة إلى أن "الدعارة جزء من الواقع، قيل عنها الكثير من الكلام، وهناك أرقام تتكلم عنها منظمات دولية، تثبتُ أن الدعارة نشاط مزدهر كثيراً في مراكش. وفي الوقت الذي تُصنَّفُ فيه المدينة على أنها وجهة سياحية كبيرة، نجد أنه، توازياً مع ذلك، هناك أنشطة مُهينة للإنسان، وللكرامة، وتتعارض مع الاتفاقيات الدولية التي تُجرّم الاتجار بالبشر".

واستنكرت المتحدثة تنامي هذه الظاهرة، على الرغم من مكتسب قانون الاتجار بالبشر الذي شرَّعهُ المغرب، والذي تضمَّن عقوباتٍ رادعة لمن سوَّلت لهم أنفسهم استغلال طفل، أو امرأة، لغرض جنسي، لكنها حذَّرت من خطورة توجيه اتهامات خطيرة من دون أدلة، كما هي واقعة السيدة المعتقلة، مُفترضة أن يكون حديثها "من أجل تصفية حسابات مع أشخاص آخرين".

هذا الطرحُ نفسه، يؤكد عليه اليزيدي، بالقول إن "امرأة بألف رجل": "قدَّمت وقائع من دون دليل، ولم تناقش الموضوع، على سبيل المثال، من ناحية سوسيولوجية، لأنه لم يحدث أن تابعت النيابة العامة صحيفة معينة نقلت أخبار مداهمة وكر دعارة، أو تفكيك شبكات جنسية، كونها أحداثاً واقعية تفاعلت معها الصحافة، ولكن حين يتمُّ توجيه اتهامات إلى أشخاص مع ذكر أسمائهم، والتشهير بهم، من دون دليل، فهذا فعلٌ جرمي، وليس حرية تعبير".

يُشار إلى أن تحقيقاتٍ إعلامية، وتقارير منظمات حقوقية كثيرة، سبق لها أن كشفت عن "الأرقام السوداء" للسياحة الجنسية، والبيدوفيليا، في مدينة مراكش، توَرَّط فيها مواطنون من دول خليجية، وآخرون من دول أوروبية، فيما تتواصل مطالب الجمعيات الحقوقية من أجل محاسبة المسؤولين عن هذا الواقع، ووضع حد لـ"السياحة الجنسية" التي جعلت من المدينة وِجهةَ للراغبين في المتعة، تسيء إلى صورة المغرب.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard