"لا توجد وظيفة تستحق المخاطرة"... العمل لساعات طويلة قد يسبب الموت

الثلاثاء 1 يونيو 202106:19 م

صحيح أن وزنه يبلغ 340 غرام فقط، غير أن القلب قادر على ضخ حوالي 2000 غالون من الدم في اليوم في كافة أنحاء الجسم.

ولكن هذا العضو الرائع من حيث تصميمه ووظيفته، قد تؤثر عليه بعض السلوكيات الخاطئة المتعلقة بنمط الحياة، كالتدخين الذي يزيد من خطر انسداد الشرايين، قلّة النشاط البدني والسمنة، وكلها عوامل تزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، بالإضافة للتسبب في ارتفاع ضغط الدم والكوليسترول ومرض السكري من النوع الثاني.

ولكن ماذا عن الإجهاد المرتبط بالعمل؟ وما هي عدد ساعات العمل التي يجب على المرء عدم تجاوزها في الأسبوع؟

العمل قد يسبب الوفاة

تسببت ساعات العمل الطويلة بـ 745 ألف حالة وفاة ناجمة عن السكتة الدماغية ومرض القلب الإقفاري في العام 2016، وهي زيادة بنسبة 29% منذ العام 2000، بحسب أحدث التقديرات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية ومنظمة العمل الدولية.

ففي أول تحليل عالمي للخسائر في الأرواح والخسائر الصحية المرتبطة بالعمل لساعات العمل الطويلة، قدّرت منظمة الصحة العالمية ومنظمة العمل الدولية أنه في العام 2016، توفي 398 ألف شخص بسبب السكتة الدماغية و347 ألف شخص بسبب مرض القلب، نتيجة العمل لمدة 55 ساعة على الأقل أسبوعياً.

العمل 55 ساعة أو أكثر في الأسبوع مرتبط بزيادة خطر الإصابة بالسكتة بنسبة 35%، وبزيادة خطر الوفاة نتيجة مرض القلب الإقفاري بنسبة 17%، مقارنةً بالعمل 35-40 ساعة في الأسبوع

هذا وقد تبيّن أنه بين عامي 2000 و2016، ارتفع عدد الوفيات الناجمة عن أمراض القلب بسبب ساعات العمل الطويلة بنسبة 42% والسكتة الدماغية بنسبة 19%.

وتصيب الأمراض المرتبطة بالإجهاد في العمل، الرجال خصوصاً، إذ إن 72% من الوفيات حدثت بين الذكور، هذا وقد سُجّلت معظم الوفيات بين أشخاص تتراوح أعمارهم بين 60 و79 عاماً، كانوا يعملون لأكثر من 55 ساعة أسبوعياً بين عمر 45 و74 عاماً.

وبالتالي، خلصت الدراسة إلى القول إن العمل 55 ساعة أو أكثر في الأسبوع مرتبط بزيادة خطر الإصابة بالسكتة بنسبة 35%، وبزيادة خطر الوفاة نتيجة مرض القلب الإقفاري بنسبة 17%، مقارنةً بالعمل 35-40 ساعة في الأسبوع.

هذا التحليل الجديد مبني على توليف بيانات من 37 دراسة عن مرض القلب الإقفاري، شملت أكثر من 768 ألف مشارك/ة، و22 دراسة عن السكتة شملت أكثر من 839 ألف مشارك/ة، كما غطت الدراسة المستويات العالمية والإقليمية والوطنية، واستندت إلى بيانات أكثر من 2300 مسح تم جمعها في 154 بلداً بين 1970-2018.

وقد جاءت نتائج هذه الدراسة في وقت تسلّط فيه جائحة كورونا الضوء على أهمية إدارة ساعات العمل، بخاصة وأن الوباء يعمل على تسريع التطورات التي يمكن أن تعزز الاتجاه نحو زيادة وقت العمل.

وفي هذا الصدد، أظهرت الدراسة أن عدد الأشخاص الذين يعملون لساعات طويلة آخذ في الازدياد، ويبلغ حالياً 9% من مجموع السكان على مستوى العالم. وبالتالي، فإن هذا الاتجاه يعرّض المزيد من الناس لمخاطر الإصابة بالعجز والوفاة المبكرة المرتبطة بالعمل.

تعليقاً على هذه النقطة، قال الدكتور تيدروس أدحانوم غيبريسوس، وهو المدير العام لمنظمة الصحة العالمية: "لقد أحدثت جائحة كوفيد-19 تغييراً كبيراً في الطريقة التي يعمل بها الكثير من الناس"، مشيراً إلى أن العمل عن بعد بات هو القاعدة في العديد من الصناعات، وغالباً ما يتم طمس الحدود بين العمل والمنزل.

وأضاف تيدروس أنه بسبب هذه الجائحة العالمية، اضطرت العديد من الشركات لتقليص أو إغلاق بعض عملياتها لتوفير المال، ما أرغم الموظفين الباقين على العمل لساعات أطول، مستدركاً بالقول: "لا توجد وظيفة تستحق المخاطرة بالإصابة بالسكتة الدماغية أو مرض القلب. يجب على الحكومات وأصحاب العمل والموظفين/ات العمل معاً للاتفاق على حدود تحمي صحة العاملين/ات".

وبدورها، أكدت الدكتورة ماريا نيرا، مديرة شؤون البيئة وتغير المناخ والصحة في منظمة الصحة العالمية، أن "العمل لمدة 55 ساعة أو أكثر في الأسبوع يشكل خطراً صحياً كبيراً"، وتابعت حديثها بالقول: "لقد حان الوقت لكي نستيقظ جميعاً، كحكومات وأصحاب عمل وموظفين/ات، على حقيقة أن العمل لساعات طويلة يمكن أن يؤدي إلى الوفاة المبكرة".

وعليه، بات من المؤكد الآن أن ساعات العمل الطويلة مسؤولة عن حوالي ثلث إجمالي العبء التقديري للأمراض المرتبطة بالعمل، الأمر الذي يجعله عامل الخطر المنطوي على أكبر عبء للأمراض المهنية، واللافت أن ذلك يدعو لنقل التفكير نحو هذا العامل الخطير مهنياً، الذي يهدد الحياة ويحمل طابعاً نفسياً اجتماعياً.

من هنا، يمكن للحكومات وأصحاب العمل والموظفين/ات اتخاذ الإجراءات التالية لحماية صحة العمّال، من بينها: استحداث وتنفيذ وتعزيز القوانين والسياسات التي تحظر العمل الإضافي الإلزامي والتقيّد بالحدّ الأقصى لوقت العمل، بالإضافة إلى تنظيم وقت العمل ليصبح أكثر مرونة، وذلك في سياق اتفاقات التفاوض الثنائية أو الجماعية بين أصحاب العمل ونقابات العمّال، والتأكد من أن ساعات العمل لا تزيد عن 55 ساعة في الأسبوع.

قيمة الإنسان

كما أشرنا في السابق، فقد كشفت الدراسة التي أجرتها منظمة الصحة العالمية ومنظمة العمل الدولية، والتي نُشرت في مجلة Environment International، أن ساعات العمل الطويلة "تقتل" مئات الآلاف من الأشخاص حول العالم كل عام، وفي السياق نفسه، كانت قد ربطت دراسة أخرى نشرت في العام 2008 بين ضغوط العمل وارتفاع مخاطر الإصابة بأمراض القلب.

بحسب مايكل ميلر، مدير مركز طب القلب الوقائي في جامعة ميريلاند ومؤلف كتاب Heal Your Heart، فإن الإجهاد في مكان العمل يضرّ القلب، معتبراً أن المشكلة تكمن في الوظيفة التي تنطوي على متطلبات كثيرة وقدرة تحكم منخفضة.

"لا توجد وظيفة تستحق المخاطرة بالإصابة بالسكتة الدماغية أو مرض القلب. يجب على الحكومات وأصحاب العمل والموظفين/ات العمل معاً للاتفاق على حدود تحمي صحة العاملين/ات"

بمعنى آخر، لنفترض أن هناك وظيفة تنطوي على الكثير من المتطلبات، إذا كان لدينا الحدّ الأدنى من القوة لاتخاذ قرارات بشأن مهامنا اليومية، فهذا يجعل الأمر أكثر إرهاقاً مما لو كان لدينا بعض السيطرة على الأمور.

واللافت أنه عندما يشعر المرء بالتوتر نتيجة العمل المرهق، فإن جسمه يبدأ بافراز هرمونات التوتر مثل الأدرينالين والكورتيزول لمساعدته على الإنطلاق في العمل وانجاز المهمة المطلوبة، إلا أنه ومع مرور الوقت يبدأ الجسم في تحويل هذه الهرمونات الكيميائية إلى كوليسترول، الأمر الذي يمكن أن يتسبب في أمراض القلب، بخاصة في حال كان الإجهاد الوظيفي مرتبطاً بالحرمان من النوم والتدخين بشراهة.

لماذا هذا الانغماس في العمل المجهد رغم آثاره السلبية على الصحة؟

في حديثه مع موقع رصيف22، أوضح الأخصائي في علم النفس والباحث الاجتماعي محمد الطناوي، أن العديد من الدراسات ربطت بين ساعات العمل الطويلة وأمراض معيّنة، مثل أمراض القلب والسكات الدماغية والسكري من النوع الثاني والاكتئاب، وذلك يأتي من كون المجتمعات الحديثة تربط بين قيمة الفرد والعمل الذي يقوم به: "في المجتمعات القديمة، كانت هناك عوامل معيّنة تحدد قيمة الفرد، كالمكانة الاجتماعية والروابط الاجتماعية، أما في المجتمعات الحديثة فقد بات العمل هو العامل الذي يُشعر الفرد بقيمته".

 "المرء مُطالب طوال الوقت بالمزيد من الاستهلاك وليس فقط تحقيق الكفاية، وبالتالي المزيد من العمل"

وفي هذا السياق، تحدث الطناوي عمّا أسماه "الدائرة الاستهلاكية"، شارحاً ذلك بالقول: "المرء مُطالب طوال الوقت بالمزيد من الاستهلاك وليس فقط تحقيق الكفاية، وبالتالي المزيد من العمل".

وأشار محمد إلى أنه حتى بعد الانتهاء من دوام العمل، فإن الأنشطة التي تقدمها لنا مجتمعاتنا الحديثة في وقت الفراغ "تكرّس" لبيئة العمل: " بدل أن تحقق الأنشطة الثقافية المتعة فإنها تملأ أوقات الفراغ، لأن الثقافة أصبحت مجرد سلعة، وبالتالي فإن الفن يخضع بدوره لمنطق التسليع وبات محدوداً ويفتقر لمساحة الإبداع التي تبتعد بالمرء عن روتين الحياة وروتين العمل".

ما الذي يمكن فعله لتقليل ضغوط العمل؟

قد لا يكون من الممكن دائماً تقليل ضغوط العمل في مجتمع تنافسي سريع الخطى مثل مجتمعنا، وبالتأكيد ليس بالأمر السهل القيام به على أي حال.

ومع ذلك، هناك بعض الأشياء التي يمكننا القيام بها للمساعدة في تخفيف ضغوط العمل، من بينها: الالتزام بنظام غذائي صحي، ممارسة التمارين الرياضية بانتظام، أي بمعدل 3 مرات على الأقل في الأسبوع لمدة 20 - 30 دقيقة في كل مرة، فالمشي يبقى أفضل من الجلوس لفترة طويلة وراء المكتب، كما أن اكتساب هواية جديدة يبعد العقل عن العمل ويساعد المرء على الاسترخاء، بالإضافة إلى الحصول على قسط كاف من النوم ومراقبة صحة القلب من خلال الفحص الطبي الدوري.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard