"ما لم تر عين ولم تسمع أذن"... هل تغيرت الجنة بعد معصية آدم وحواء؟

الاثنين 29 مارس 202101:19 م

هل نستطيع أن نعتبر أن خطيئة آدم قد أحدثت تغييراً جذرياً في بنية الجنة؟ إن المقارنة بين الجنة قبل وبعد الخطيئة، قد تمنحنا بعض الإضاءة على تلك الــــ updates/ التحديثات التي أجرتها السماء على الموطن الأول للإنسان، والذي نأمل بالعودة إليه بعد أن نلتزم بالقواعد الإلهية.

الجنة قبل المعصية

عرضت التوراة كيف أن الإله غرس الجنة شرق عدن، ووضع آدم فيها. سفر التكوين: "أنبت الرب الإله من الأرض كلّ شجرة شهية للنظر وجيدة للأكل، وشجرة الحياة في وسط الجنة، وشجرة معرفة الخير والشر. أخذ الرب الإله آدم ووضعه في جنة عدن ليعملها ويحفظها".

كذلك قدّم القرآن، قبيل خطيئة آدم، المميزات التي تمنحها الجنة لساكنها الأول؛ آدم: "إِن لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ وَأَنكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَىٰ".

إن النظر إلى هذه التوصيفات قد يوحي لنا لماذا أقدم آدم وحواء على الأكل من الشجرة، فعندما أغواهما الشيطان، كما جاء في التوراة، وأخبر حواء عن الخصائص المميّزة للشجرة التي ستجعلهما عارفين كالله: "بل الله عالم أنه يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما وتكونان كالله عارفين الخير والشر"، وفي القرآن، أغوي آدم: "فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ".

هل أحدثت خطيئة آدم تغييراً جذرياً في بنية الجنة؟ هنا مقارنة بين الجنة قبل وبعد الخطيئة

إن المقارنة التي أوجدها الشيطان بين واقع الحال الذي كان عليه آدم وحواء وبين المشتهى الذي عُرض عليهما، لم يكن بعيد الصلة عمّا يدور في خلد كل من آدم وحواء. لاريب أن آدم وشريكته قد لحظا المملكة السماوية، وعلى الأقل طمعا بأن يكون لهما شيء آخر غير الأكل والشرب والظلّ والعمل في الجنة.

كان العرض التوراتي الذي قدمه الشيطان إلى ساكني الجنة مغرياً جداً، ولم يكن يقارن بأيّة حال مع متع الأكل والشرب. وفي القرآن دلّ الشيطان آدم وحواء على شجرة الخلد، وبالطبع سيشطب العرض الإلهي المتعلّق بالأمان من الجوع والعري مقابل ما وعد به الشيطان.

وقعت الخطيئة وطُرد آدم وحواء من الجنة، لكن وصفاً جديداً ظهر في الكتب السماوية والتراث الديني للجنة بعد الخطيئة. ولقد وضعت الأوصاف الجديدة في حسابها هواجس آدم وحواء التي استغلّها الشيطان ليوقعهما في الخطيئة.

لو كان لي أن أتخيّل أن ليليت ستقرأ هذا المقال، فما الذي ستقوله، بالطبع ستضحك –لأنها الوحيدة التي خرجت من الجنة رافضة العودة إليها- وتقول: لكم جنتكم وجحيكم، ولي حرّيتي

لبن وعسل ونبيذ وبلسم

لم تكن اليهودية في معتقداتها ميتافيزيقية الرؤى، فالجنة ذهبت إلى غير رجعة، فلا قيامة تُرجى من شئول/ الجحيم، وشئول أقرب للعدم. وهذا ما يذكره جيمس ب كارس في كتابه "الموت والوجود" عن أحد الأحبار اليهود في القرن السابع عشر، بأنه لأمر مخيف أننا لا نجد في كلمات موسى أيّة علامة تشير إلى الخلود الروحي للإنسان بعد موته الجسدي، أو لوجود عالم آخر بجوار هذا العالم يذهب إليه الموتى كحياة أخرى. 

تمتلئ الجنة اليهودية بالأحجار الكريمة والزهور والأشجار، وفيها أنهر لبن وعسل ونبيذ وبلسم. أما كيف يمرّ اليوم على ساكني الجنة، فهم يولدون في الصباح أطفالاً، وينامون شيوخاً، وبذلك يستمتعون بملذات الطفولة والشباب والبلوغ والشيخوخة

إذن في اليهودية، لا قيامة، لا حياة أخرى ولا جنة، لكن ليس الأمر هكذا، فقد أخبر يهوا اليهود بأنهم شعبه المختار، وقد اقتطع لهم أرضاً تفيض لبناً وعسلاً، تعتبر بديلاً عن الجنة السماوية. أمّا كيف يعيش الفرد اليهودي تلك الجنة، فيكمن الأمر باستمرار شعب إسرائيل عبر الزمن.

لم يتضمّن سفر التكوين والخروج، أي إشارة محتملة إلى الجنة، إلا أنه مع الوقت بدأت تظهر علامات بسيطة عن احتمال وجود جنة بعد الموت. ومن ثم جاء تأثير المسيحية والإسلام على اليهودية وأغنت مخيالها عن الجنة.

جمع لويس جينسبيرج العديد من التصورات عن الجنة أو العالم الآتي في كتاب "أساطير اليهود": تحرس الجنة من قبل الملائكة، وتظلّلها سبع غيوم من المجد. وفي وسط الجنة تُوجد شجرة الحياة، ولثمارها خمسة عشر ألف طَعم. وعندما يدخل المرء الجنة يصبح جميلاً ومشرقاً، كأنه ملاك. تمتلئ الجنة اليهودية بالأحجار الكريمة والزهور والأشجار، وفيها أربعة أنهر:

لبن وعسل ونبيذ وبلسم. أما كيف يمرّ اليوم على ساكني الجنة، فهو على النحو التالي: يولدون في الصباح أطفالاً، وينامون شيوخاً، وبذلك يستمتعون بملذات الطفولة والشباب والبلوغ والشيخوخة.

إن المقارنة بين الجنة التي وضع فيها آدم وحواء في بداية الزمن والتصورات اللاحقة عليها ترينا معماراً جديداً للجنة، لو كان في زمن آدم وحواء لفكرا كثيراً قبل ارتكاب الخطيئة

لقد قنّن موسى بن ميمون العقائد الأخروية تأكيداً لما جاء في الميشناه: "كل يهودي له نصيب في العالم الآتي". إن المقارنة بين الجنة التي وضع فيها آدم وحواء في بداية الزمن والتصورات اللاحقة عليها في اليهودية ترينا معماراً جديداً للجنة، لو كان في زمن آدم وحواء لفكرا كثيراً قبل ارتكاب الخطيئة.

ما لم تر عين ولم تسمع أذن

أوجدت المسيحية رؤيتها الخاصة، فالجنة لديها، هي مملكة المسيح التي ليست من هذا العالم. وإن كان لنا أن نعتبر رؤية يوحنا اللاهوتي تطوراً للرؤية اليهودية للجنة عبر نزول مدينة أورشليم من السماء، إلا أنها مصبوغة بالعقيدة المسيحية، فجنة المسيح تكاد أن تكون روحانية بالمطلق.

تطوّر مفهوم الجنة لدى المسيحية، حيث كان يعتقد في بداياتها الأولى أن المجد الآتي الذي بشر به المسيح سيكون قريباً جداً. وعندما تأخر الملكوت السماوي، بدأت التساؤلات، إلا أن البابا الأول كليمنت، أوضح أن الموتى سيقومون من الموت، لكنه لم يذكر الدخول إلى الجنة.

تم تقسيم الجنة في تلك الأزمنة إلى ثلاث مراتب، الأدنى هي الجنة؛ والمقصود بها جنة شبيهة بالجنة التي كان آدم فيها قبل الخطيئة، والثانية هي الفردوس، والثالثة المدينة وهي الأعلى. ويعتمد الترتيب على قوة الإيمان والعمل حيث تكون المدينة للقديسين والشهداء. 

لا تكون الجنة إلا بعد يوم القيامة حيث سيجلس المؤمنون عن يمين المسيح. وكما قلنا فيما سبق، إن جنة العقيدة المسيحية روحانية بالمطلق، حيث لا ذكر ولا أنثى، وكأنها بذلك تلغي الخطيئة الأساسية التي سبّبها الجنس.

وجاء في إنجيل لوقا بأن الصدوقيين سألوا المسيح: "يا معلّم، كتب لنا موسى إن مات لأحد أخ وله امرأة، ومات بغير ولد، يأخذ أخوه المرأة ويقيم نسلاً لأخيه. فكان سبعة أخوة، وأخذ الأول امرأة، ومات بغير ولد. فأخذ الثاني المرأة، ومات بغير ولد. ثم أخذها الثالث، وهكذا السبعة. ولم يتركوا ولداً وماتوا.

من جنة دلمون السومرية، حيث الذئب لا يفترس الخراف إلى جنة الفراعنة حيث يلتحق الأخيار بأزوريس، وحتى جنة الفيلسوف سقراط... كيف تأثر مخيال الجنة في الديانات السماوية بما سبقه؟

وآخر الكلّ ماتت المرأة أيضاً. ففي القيامة لمن منهم تكون زوجة؛ لأنها كانت زوجة للسبعة. فأجاب، وقال لهم يسوع، أبناء هذا الدهر يزوَّجون ويزوِّجون. ولكن الذين حسبوا أهلاً للحصول على ذلك الدهر والقيامة من الأموات لا يزوَّجون ولا يزوِّجون.

إذ لا يستطيعون أن يموتوا أيضاً لأنهم مثل الملائكة وهم أبناء الله إذ هم أبناء القيامة"، وأخيراً نذكر أن الجنة كما تكلّم عنها بولس، تكاد تكون ممتنعة عن الوصف. وفي رسالة بولس إلى أهل كورنثوس نجد هذا الأمر: "بَلْ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ: مَا أَعَدَّهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ".

"جنة عرضها السماوات والأرض"

كان القرآن واضحاً، فلم يترك مخيال الجنة يتكوّن عبر السنين في أذهان المؤمنين المسلمين، بل قدّم خلال السنوات الثلاث والعشرين لنزوله، جنة أخرى، سيكون الطعام واللباس أقل ما فيها من مميزات.

أول هذه الميزات: النظر إلى وجه الرب والخلود ثم المتع الدينوية لكن بحلّة سماوية، أسواء كانت على صعيد الحور العين أم الخدمة بالأولاد المخلدين أم بالخمر الذي لا يغول... أم بالجنة المليئة بالأنهار والأشجار واللباس.

وقد دعمت هذه الأوصاف بالأحاديث النبوية وخاصة في حادثة الإسراء والمعراج، مما كوّن أدباً تراثياً مختصّاً بوصف الجنة والمتع التي ينالها المؤمن فيها. وكما فعلت الديانتان التوحيديتان السابقتان للإسلام، بأن غيرتا من أوصاف الجنة، عمل الإسلام بالمثل أيضاً.

اليوتوبيا والديستوبيا

إن كان من جواب للسؤال الذي ورد في أول المقال، فلن يكون من قبيل: نعم، غيّرت الخطيئة من أوصاف الجنة! ولا من قبيل: لا، لم تبدل الخطيئة من أوصاف الجنة! بل سيكون الجواب على منوال كلمة المتشائل التي نحتها إميل حبيبي من المتفائل والمتشائم أي: لَعَم منحوتة من نعم ولا.

تظهر لنا الجنة في المعتقد الديني التوحيدي كحالة مثالية لها جذور في الثقافات الأسبق، فجنة دلمون السومرية، حيث الذئب لا يفترس الخراف، وجنة الفراعنة حيث يلتحق الأخيار بأزوريس.

وحتى جنة الفيلسوف سقراط، حيث سيتخلّص من تبعات الحياة الأرضية ويعيش حياة خالدة في عالم المُثُل، مستكملاً الحوارات التي كان يجريها مع من سبقه من عظماء اليونان. تقابل هذه الحالة اليوتوبية حالة ديستوبية، تُسمى: الحياة الدنيا.

وفي النهاية، لو كان لي أن أتخيّل أن ليليت ستقرأ هذا المقال، فما الذي ستقوله، بالطبع ستضحك –لأنها الوحيدة التي خرجت من الجنة رافضة العودة إليها- وتقول: لكم جنتكم وجحيكم، ولي حرّيتي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard