أحبّك وأصابعي مبتورة من أجلك… عن نائلة، زوجة الخليفة عثمان

الأربعاء 10 مارس 202112:31 م

كانت حُبى زوجة عبيد اللّيثي تقف إلى جانب الخليفة عثمان بن عفان عندما جاء العراقيّون والمصريّون ثائرين على الخليفة الثالث. قالت لزوجها: "إنّ عثمان لم يظلمنا، ولم يضرنا، ولم يؤذنا مثقال حبّة من خردل لتكرهه." ردّ عليها: "ولكنّه آذى المسلمين." فصكّت صدرها وقالت: "أنا لا أرى جائعاً في المدينة، ولم أعد أعرف فيها فقيراً، وقد فار التنوّر بروائح السّمن في بيوتها، ولبست النسوة حرير الشام ونسيج القبط."

ردّ عبيد: "أنت امرأة لا تصلحين إلّا مركوبة، لا تعرفين من الدنيا إلا الجماع والطعام." فقالت له: "وما الذي تريدونه بعد الصلاة والحرب إلّا الطعام والجماع يا رجلي؟ هل أعدّ لك جواري وملك يمين كلّ رجل في هذه المدينة؟ هل تعرف أن بعضاً ممّن يشعلون جذوة الثورة على عثمان يملك أحدهم مائة جارية لا يتذكّر أيّهن اعتلاها أمس؟"

يستمرّ الكاتب إبراهيم عيسى في كتابه "رحلة الدّم" في تسطير مواقف تلك النسوة حول عثمان بن عفان في وقت اختبأ فيه الرّجال خوفاً من الغوغاء التي اجتاحت المدينة، لكنّ الموقف الأصعب كان لزوجة عثمان، نائلة بنت الفرافصة، تلك المرأة الشاعرة الجميلة التي نصحت عثمان بالامتثال إلى نصيحة علي بن أبي طالب بخلع الولاة والاستغناء عن ابن عمّه مروان، ليهدأ الناس ويعودوا إلى أشغالهم، ويطمئنّوا على خليفتهم وإخلاصه لله.

مقتل عثمان وقطع أصابع نائلة

يصف إبراهيم عيسى لحظات مقتل الخليفة ودفاع نائلة عنه في كتابه آنف الذكر؛ فعندما وصل محمّد بن أبي بكر إلى دار الخليفة ليقتله، وضع السيف أمام عينيه، وقبض على لحيته. فوجئ عثمان بذلك الحقد الدّفين الكامن في قلب محمّد! فأين كان هذا الحقد كلّه؟ ثمّ قال عثمان: "يا قلبي على أبي بكر حين يعرف ماذا فعل ابنه في أخيه!" كانت تلك الجملة كفيلة بردع محمّد بن أبي بكر، فخرج محمّد من دار الخليفة، وألقى سلاحه على الأرض.

حاول حارسا عثمان، نجيح وصبيح، الدفاعَ عن الخليفة، لكنّه أوقفهما. ولم تمض لحظة يلتقط فيها نجيح وصبيح أنفاسهما المرتجفة حتّى هاجمهما كنانةُ وضرب صبيحاً وألقاه أرضاً، وركل نجيحاً بقدمه فسقط نجيح متوجّعاً صارخاً، بينما كان كنانة يقفز، ويرفع خنجره ويهوي به على كتف عثمان فيطعنه وينفجر الدم منثوراً في وجه عثمان، ويغرق لحيته وتتخضّب صفحات القرآن بدمائه.

وفي ظلّ هذه اللحظات العصيبة دخل جبلةُ لاهثاً محموماً، فوجد عثمان ملقى دون أن يوقن بموته، فرفع رمحه عالياً ووجّهه إلى بطن عثمان، وقد قلب جسده بنعله حتّى ينيمه على ظهره فينكشف له بطنه. وهتف: "هي لله، هي لله."

نظر سودان إلى نائلة الراقدة على جثّة زوجها، فاتّسعت عيناه، وتحشرج صوته مبلولاً بالشهوة تكتسح ذكورته: ما أجمل مؤخرتك يا امرأة!

خرجت نائلة من باب غرفتها كأنّها حطّمته من ركضها الصارخ: "آه! واعثماناه!" استيقظت طفلتها مريم على أصوات الصراخ والضجيج في الدّار. حين وصلت نائلة إلى عثمان المُسجّى بدمائه، كان سودان قد سبقها ووقف على جثة عثمان وهو يرفع الصوت بالسيف: "والله لأقطعن عنقك يا كافر!" وحين نزل بسيفه إلى عنق عثمان كانت نائلة ترمي جسدها نحوه وترفع ذراعها وهي تصرخ: "لا!"

حاولت أن تمنعه بكفيها وذراعيها فإذا بحدّ السيف الذي يمسكه سودان بقبضتي يديه يهوي على كفّها فتفجّرت صرخة ألم حرقت حنجرتها وهي ترى أصابع كفّها تطير. وسقطت نائلة بصدرها على جثّة عثمان محتضنة رأسه بأصابعها المقطوعة النازفة المتشنّجة.

نظر سودان إلى نائلة الراقدة على جثّة زوجها، فاتّسعت عيناه، وبدا أنّ نفسه لم تشف من داء السبي بعدُ! وقد تحشرج صوته مبلولاً بالشهوة تكتسح ذكورته: "ما أجمل مؤخرتك يا امرأة!" بحدّ السيف المتقطّر دماً جذب عباءة نائلة عن مؤخّرتها، فإذا بنجيح المترنّح من أثر الضرب والطعن يمتشق سيفه بصعوبة ويغرسه في أسفل بطن سودان، ويصرخ سودان وقد فاجأته الطعنة، لكنّه استطاع أن يقتل نجيحاً أيضاً، وفي تلك اللحظة كان جبلةُ ينادي القوم تعالوا.

حين أفاق صبيح من إغماءة الاحتضار، رأى جبلة يخلع عن عثمان قميصه، وقد أزاح جسد عثمان عنه. فوثب صبيح على ظهر جبلة يطعنه بالسيف في جنبه، بينما يصرخ جبلة وهو يدور بجسده يحاول رمي صبيح من فوق ظهره وكتفيه. كانا يتبادلان الطعان حتّى سقطا مقتولين على الأرض.

وكانت نائلة غارقة بالدم والدمع والخوف واللهفة والمفاجأة. وحين رفعت عينها لترى ما يحدث رأت عمرو بن الحمق، وقد برك على فخذي عثمان وثبّت ركبتيه على الأرض، وأمسك سيفه، وهوى على صدر عثمان، يطعن ويعدّ، حتّى وصل إلى الطعنة التاسعة.

نائلة وجثّة عثمان

تشير بعض المصادر التاريخية كـ"المسيحية والحضارة العربية" لجورج قنواتي إلى أنّ نائلة بقيت مع جثّة عثمان مدّة ثلاثة أيّام من دون ماء ولا طعام، خصوصاً أنّ الماء كان قد قطع عن دار عثمان قبل مقتله.

سادت الفوضى شوارع المدينة، واقتحمها المحتجّون الذين كانوا يحاصرون دار عثمان ثمّ قتلوه. لاحقوا بني أمية في المدينة، ولم يستطع أحد أن يحدّ من ثورتهم وغضبهم الذي لم يسلم منه البشر والحجر.

تقدّم إلى خطبة نائلة الكثيرُ من الرجال بعد مقتل عثمان، ومن بينهم معاوية، لكنها رفضت أن يطلع عليها رجل بعد عثمان، وبقيت مخلصة له

استطاعت حُبى أن تقتحم كلّ هذه الفوضى وتصل إلى دار عثمان، فوجدت أرض المنزل لزجة تلتصق بنعلها، والدماء مرشوشة على الجدران والستائر، والفرش والأبسطة مبلولة بالحمرة القانية، نتف من جلود مقطوعة، وشظايا من عظام مكسّرة ومخلوعة تلتصق بالدم المسكوب. وكانت جثتا نجيح وصبيح ملقاتين على الدرج حولهما خطّان عريضان من الدماء إثر الجرّ والزحف، وعثمان ملقى على جلود المصحف، ممزّق الجلباب، مكشوف القميص الملتصق بالدّم على جلده، مبقور البطن، مطعون الجنب، ومكسور الضلع، بالإضافة إلى رضوض وكدمات على وجه عثمان وصلعته.

صرخت حُبى من هول ما رأت. أيُعقل أن يحدث هذا في دار الخليفة العامرة بساكنيها ومجدها وعزّها؟ أيتحوّل كلّ شيء إلى صمت يخيّم عليه الدّم والدمع وشظايا العظام ونتف الجلد الممزّقة والمقطّعة في أركان المنزل وزواياه؟

تشييع عثمان

يقول الكاتب إبراهيم عيسى: "جثّة عثمان ثلاث ليال في حضن زوجته وهي تستغيث أن تدفنه." همست نائلة بصوت كالصفير يخرج من جوفها: "أريد أن أدفن زوجي يا حُبى!" ثمّ ناحت وهي تلثم جبهته وتعانق صدره: "أريد أن أدفن حبيبي يا حُبى!" ثمّ رفعت يدها مبتورة الأصابع، وقالت: "أتتركون خليفة المسلمين وسيّدهم وصهر نبيّكم غارقاً في دمه لتتعفّن رمّته في حضن زوجته أيّها المهاجرون والأنصار وصحابة النبي؟ يا ويلي ويا هولي! اليوم ثكل المسلمون إسلامهم!"

حاولت حبى أن تبحث عن أحد يساعدهما في دفن عثمان، لكنّها لم تفلح، وهذا ما جعل قلب نائلة يتفطّر حزناً، وهي تنوح وتقول: "آه يا حبيبي! غدروا بك حيّا وميتاً!" جاء حكيم ومطعم ونعثل حارس مقبرة اليهود، وطلبوا الماء ليغسّلوا عثمان لكنّهم لم يجدوا قطرة ماء في بيته، فقال حكيم: "خليفتنا شهيد، والشهداء لا يغسّلون."

ناحت وهي تلثم جبهته وتعانق صدره: "أريد أن أدفن حبيبي يا حُبى!"

لم يستطيعوا دفنه في وضح النهار، بل انتظروا إلى المساء ليدفنوه بعيداً من أنظار الغوغائيين المنتشرين في شوارع المدينة يَشِيعُون الفوضى والذعر. ثلاثة رجال وحبى ونائلة في جنازة خليفة المسلمين، وجارية تحمل الطفلة مريم بنت نائلة وعثمان. صاحت نائلة وسقطت على الأرض باكية: "عثمان، لا تتركني يا قرّة عيني!"

لاحقهم الصِبيةُ وقذفوهم بالحجارة، وأُصيبت نائلة في رأسها، لكنّ القذائف كانت مصوّبة إلى ناحية المحفة حيث جثّة عثمان المُسجّاة، فصرخت نائلة: "حرام عليكم، ارحموا حرمة خليفتكم."

حاول المشيّعون حماية أنفسهم من المهاجمين، وهربت الجارية التي تحمل مريم بنت نائلة واختبأت في أحد الأزقّة، ورمت نائلة نفسها على جثّة عثمان لتحميها مُجدّداً. وبعد جدال طويل واعتداءات كثيرة على جثّة عثمان ذهب الغوغائيون وتركوا المشيّعين ليدفنوا عثمان في مقبرة المسلمين، بعد أن منعوهم من الدفن فيها حتّى لا ينجّسها، وطلبوا منهم دفنه في مقابر اليهود!

هذه هي الشاعرة نائلة بنت الفرافصة بن الأحوص بن عمرو بن ثعلبة الراقي نسبها إلى عليّ بن جناب من بني كلب النصارى، وقيل القرافصة. تزوّجها الخليفة عثمان بن عفّان سنة 28هـ وكانت نصرانيّة ثمّ أسلمت على يديه. كانت مستشارة لزوجها الخليفة في أمور الدولة الإسلاميّة، وقد أرسلت قميص عثمان المخضّب بدمه وأردفت معه أصابعها المبتورة وكفّها ورجت معاوية بن أبي سفيان أن ينصر عثمان ويثأر له، فخطب معاوية في المسجد الجامع بدمشق وبكى النّاس وأقسموا أن يثأروا لعثمان. على إثر هذه الأزمة خرج معاوية بجيش كبير لقتال عليّ بن أبي طالب في صفّين وعُرفت هذه المعركة بمعركة صفّين.

تقدّم إلى خطبة نائلة الكثيرُ من الرجال بعد مقتل عثمان، ومن بينهم معاوية، لكنها رفضت أن يطلع عليها رجل بعد عثمان، وبقيت وفية ومخلصة له. ولنائلة قصائد كثيرة بحسب لويس شيخو في كتابه "شعراء النصرانية بعد الإسلام".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard