كرم زهدي... نظّر للعنف وخطط لاغتيال السادات ثم قال بعد عقدين من الدم: أخطأنا

الجمعة 12 فبراير 202106:42 ص

في العاشر من شباط/ فبراير الحالي، توفي الشيخ كرم زهدي، أحد مؤسسي الجماعة الإسلامية المصرية، وقائد أشهر مراجعات فكرية في تاريخ جماعات الإسلام السياسي لنبذ العنف والإرهاب، والتي بدأت بعد عقدين من تنفيذ الجماعة "اغتيال القرن" وقتلها الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات عام 1981.

كيف خطط كرم زهدي لاغتيال القرن؟ وكيف شارك في تأسيس الجماعة الإسلامية؟ ثم كيف قاد بعد ذلك توبة ومراجعات من السجن، بدأت بواكيرها عام 1997؟

اغتيال القرن

يروي أمير الجماعة الإسلامية السابق في دمياط والمنشق حالياً عن الجماعة الشيخ عوض الحطاب لرصيف22 قصة دور الشيخ كرم زهدي في اغتيال السادات. يقول إنه عَرف في السجن من عضو مجلس شورى الجماعة وأحد المتهمين الرئيسيين في قضية الاغتيال، الشيخ فؤاد الدواليبي ما جرى تحديداً.

قال له إن الأمر بدأ باجتماع بين كوادر الجماعة ومنهم هو نفسه والشيخ كرم زهدي واثنين من أعضاء مجلس شورى الجماعة هما عاصم عبد الماجد وأسامة حافظ، أمير الجماعة الإسلامية الحالي، ومحمد عبد السلام فرج، مؤسس تنظيم الجهاد، وخالد الإسلامبولي، ضابط الجيش ومنفّذ عملية الاغتيال والذي فاجأهم وقتها برغبته في اغتيال السادات، مقدماً "الأدلة الشرعية" التي جعلته يرى ضرورة هذه العملية، ومنها اتفاقية كامب ديفيد واعتقالات الإسلاميين التي كانت قد اشتدّت في تلك الفترة.

أعجبت هذه الفكرة محمد عبد السلام فرج وأعلن موافقته على المشاركة فيها هو وجماعته، خاصة أن الإسلامبولي كشف معلومة هامة وهي مشاركته في العرض العسكري، احتفالاً بذكرى النصر أمام الرئيس وهو ما سيسهل المهمة.

خالد الإسلامبولي

في باقي التفاصيل، يروي الحطاب أن كرم زهدي أيد الفكرة دون موافقة نهائية، بانتظار الرجوع إلى باقي أعضاء مجلس شورى الجماعة، ومنهم حمدي عبد الرحمن وعصام دربالة وناجح إبراهيم الذين اعترضوا على الأمر في اجتماع سري خوفاً من تبعاته وخاصة إذا فشل، إذ سيُعتقل مئات الآلاف من المتديّنين بسببها.

وبعد صدور قرار نهائي بالرفض من الجماعة الإسلامية، لم يستطع كرم زهدي الذي كان من الأصوات المؤيدة للعملية في الاجتماع الأول أو رفاقه التواصل مع خالد الإسلامبولي كونه دخل معسكره في الجيش، رغم المحاولات، ثم نُفّذت العملية وقُتل السادات، فقررت الجماعة وقتها السير في باقي الخطة.

وباقي الخطة تمثلت في محاولة السيطرة على محافظة أسيوط، ومنها البدء في مخطط للسيطرة على مصر بالكامل. وبالفعل حدثت مذبحة أسيوط الشهيرة في الثامن من تشرين الثاني/ أكتوبر 1981 حين اقتحم أفراد الجماعة الإسلامية مديرية أمن أسيوط. قُتل 181 شخصاً في ذلك اليوم ولكن قوات الشرطة والجيش نجحت في السيطرة على الأحداث سريعاً وألقت القبض على كل القيادات الكبرى في الجماعة.

يؤكد الحطاب مشاركة زهدي في التخطيط فقط في هذه العمليات وعدم مشاركته في التنفيذ الفعلي بسبب إصابته إصابة بالغة قبل العمليات بفترة، وتردد وقتها أنه أطلقت عليه رصاصة أثناء هروبه من محاولة للقبض عليه ضمن المطلوبين في اعتقالات أيلول/ سبتمبر الشهيرة.

كان كرم زهدي في شبابه عنيفاً جداً، ويشير الحطاب إلى أنه كان مرحِّباً بشدة باغتيال السادات ومشاركاً في العمليات ولكن بالتخطيط لا بالتنفيذ، وهو ما كان سبباً في الحكم عليه بالسجن المشدد لمدة 25 عاماً.

نشاط زهدي وجماعته

لنعود إلى الجماعة الإسلامية. ما هي؟ وكيف تأسست في مصر؟ وما هو دور الشيخ كرم زهدي في تأسيسها؟

يروي القيادي السابق في الجماعة في الأقصر منتصر عمران لرصيف22 كواليس تأسيس الجماعة. يقول إنها بدأت في كلية طب - القصر العيني في جامعة القاهرة في سبعينيات القرن الماضي، وبعدها انطلقت حركة تأسيس الجماعات الإسلامية في كل الجامعات المصرية ووصلت إلى الصعيد وكان من قادتها هناك الشيخ كرم زهدي الذي كان يدرس في معهد التعاون في أسيوط، وصديقه محيي عيسى الذي أصبح بعد ذلك أحد القادة التاريخيين للجماعة الإسلامية ثم في جماعة الإخوان بعد أن انضم لها.

تحوَّل الشيخ زهدي وقتها تحولاً رهيباً. كان في البداية يحلم بأن يكون ممثلاً كبيراً قبل أن يدخل في عقله فكر الإسلام السياسي ويصبح من أهم قادة تيار الإسلام السياسي.

كان يدعو إلى تكفير الحكام، وضرورة تغيير المنكر بقوة السلاح، وجواز قتل ضباط الشرطة والجيش، ونفّذ أفكاره على أرض الواقع، ولكن بعدها ساهم في مراجعات فكرية ردّ فيها إسلاميون على أنفسهم بأنفسهم بكتب تؤكد خطأ تفكيرهم السابق

وكتب المهندس محيي عيسى مؤخراً، في نعي كرم زهدي، منشوراً طويلاً على فيسبوك روى فيه دور صديقه في تحويل الجماعة الإسلامية من مجرد نشاط طلابي دعوي إلى عمل مسلح، ما كان سبباً في انشقاق عدد كبير من قادة الجماعة وانضمامهم للإخوان ومنهم محيي عيسى نفسه وأبو العلا ماضي وعبد المنعم أبو الفتوح.

وقال: "كان نشاطنا مكثفاً كجماعة إسلامية شبابية في عام 1977 حتى تم اعتقالي في أحداث يناير المعروفة باسم ‘انتفاضة الخبز’ المعارضة للقرارات الاقتصادية للرئيس السادات، ووقتها قام كرم بجهد كبير للإفراج عني، وبعدها بدأت ميول الشيخ كرم إلى العنف تزيد، وكان يتوق للشهادة ويرى وجوب مقاومة السلطة في مصر بالسلاح، فقد كان مفتوناً بكارم الأناضولي صاحب محاولة الانقلاب على الحكم في مصر في التنظيم المعروف إعلاميا بتنظيم الفنية العسكرية والذي تم القبض عليه في تلك الفترة وكان يستمع كثيراً لخطبه أمام المحكمة والتي تم تسريبها ويرى أنه نموذج للمسلم الصادق".

وأضاف: "كانت صدمة كرم الكبيرة عندما علم بانضمامي أنا والمهندس أبو العلا ماضي للإخوان من خلف ظهره فحزن كثيراً، واتجه هو إلى طريقه الذي يؤمن به وهو العنف والعمل المسلح".

ويروي منتصر عمران أن "كرم زهدي كان الذراع الأيمن لأمير الجماعة الإسلامية عمر عبد الرحمن لفترة ثم أصبح صانع القرار الأول في الجماعة ويرسخ لآراء المنظر الشرعي لها"، أي عمر عبد الرحمن الذي مات في السجون الأمريكية عام 2017 وكان مسجوناً بتهمة ارتكاب العديد من العمليات الإرهابية. ومن هذه الآراء تكفير الحكام، وضرورة تغيير المنكر بقوة السلاح، وجواز قتل ضباط الشرطة والجيش، وهو ما بدأت الجماعة الإسلامية بتنفيذه بالفعل منذ عام 1981 باغتيال السادات.

مراجعات وقف العنف

الدور الأبرز للشيخ كرم زهدي في تاريخه هو قيادته للمراجعات الفكرية من داخل السجون المصرية ومساهمته في إنهاء العمليات الإرهابية في مصر بالكامل، بعد أكثر من 16 عاماً من العنف المتواصل.

عن هذه المراجعات، يتحدث الخبير في الحركات والتنظيمات الإسلامية وأحد المقربين من زهدي، ماهر فرغلي، ويقول: "في بداية دخول الشيخ كرم السجن، أصدر سبعة تسجيلات مسجلة لتحريض الجماعة الإسلامية على مزيد من العنف للضغط على الحكومة من خلال العمليات الإرهابية كي يخرجوا من سجنهم، والدولة قررت ألا تستجيب لمثل تلك الضغوطات".

تحوَّل كرم زهدي تحولاً رهيباً. كان في البداية يحلم بأن يكون ممثلاً كبيراً قبل أن يدخل في عقله فكر الإسلام السياسي ويصبح من أهم قادة تياراته الداعية إلى ممارسة العنف

أشهر العمليات التي خططوا لها، بحسب فرغلي، محاولة اغتيال وزير الداخلية الأسبق زكي بدر من خلال تفجير كوبري الفردوس الشهير، وأحداث ديروط، وأحداث ملوي، وضرب السياحة من خلال استهداف السياح الأجانب، ولعل أبرز ما حدث في هذا السياق حادثة الأقصر التي راح ضحيتها أكثر من 60 سائحاً، ومحاولة اغتيال صفوت الشريف، ونجيب محفوظ، واغتيال فرج فودة ورفعت المحجوب.

ويضيف: "بعد عام 1992، بدأت رؤية الشيخ كرم تتغير وصار يؤمن بأن الدولة لن تنهزم فقرر تغيير أفكاره والتخلي عن العنف رغم أن أعضاء جماعته خارج السجون كانوا يرفضون الأمر، ووقتها حدث شرخ داخل الجماعة، وما عمّق هذا الشرخ فشل عبود الزمر عام 1995 في الدعوة إلى المراجعات، ورفض الدولة لأسلوب الصفقة الذي كان يتحدث به عبود وكأنه يفرض شروطه على الدولة".

بعد فشل الزمر، يروي فرغلي، "تولى كرم زهدي المبادرة، ومن أسرار المراجعات الفكرية أنه كان هناك تفتيش في مصلحة السجون فخرج الشيخ كرم بعلبة من الحلاوة ووزعها على الضباط والعساكر وقال لرئيس مصلحة السجون وقتها ‘نحن نريد وقف العنف ونحن أخطأنا وبدون أي شروط أو قيود’، فتم إيصال رأيه لأمن الدولة وأصدر وقتها بياناً بعنوان ‘مبادرة وقف العنف بدون قيد أو شرط’، وتسبّب هذا البيان بخلاف شديد داخل الجماعة بعد أن رفضه مصطفى حمزة ورفاعي طه، قادة الجناح العسكري فيها، وكانت نتيجته تنفيذ حادث الأقصر عام 1997 للقضاء على مبادرة وقف العنف، ووقتها قال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك لأمن الدولة ‘دول عيال مالهمش كلمة’".

توقفت المبادرة بين عامي 1997 و2001، ولكن زهدي ورفاقه لم يتوقفوا عن كتابة المراجعات الفكرية، فبعد أن كانت الجماعة في البداية تشرعن تكفير الحاكم وتغيير المنكر باليد وتجيز قتل الشرطة والجيش، ردوا على أنفسهم بأنفسهم بكتب تؤكد خطأ تفكيرهم السابق.

ووفقا لماهر فرغلي، عاد الأمل للمبادرة بعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر وحديث الأمريكيين عن وجود تطرف كبير في مصر، ما دفع بالحكومة المصرية إلى إخراج المراجعات إلى النور ودعمها، تأكيداً على تغيّر الجماعة الإسلامية على أرضها تماماً.

ويروي فرغلي أن زهدي التقى وقتها مع اللواء أحمد رأفت، "الأب الروحي للمراجعات، بدعمه لها، وخاصة أنه صاحب نظرية أن التكفير يتولد في السجون وأن السجن يصنع التطرف والإرهاب"، وبدأت المراجعات الفكرية والفقهية بالفعل تجوب السجون، "وكان الشيخ كرم في كل جلسة يعترف بخطئه في اغتيال السادات ورأى أنه مسلم وشهيد وقُتل زوراً وبهتاناً، وتسبب هذا التصريح في صراع فكري بين الأعضاء داخل السجن، ورفض وقتها القياديان في الجماعة عاصم عبد الماجد وعصام دربالة تنظير كرم زهدي وأرسلا للأعضاء رسالة يحرّمان فيه ما يقوله، فعزلتهما إدارة السجن".

استمر زهدي ومؤيدوه في عملهم، و"حدث تفاعل كبير وقُدّمت في المقابل تسهيلات عدّة في السجون لكل مَن يشارك في المبادرة مثل توفير مصاحف وراديو وزيارات، وظلت المبادرة قائمة بقوة من عام 2001 إلى 2006 حتى نجحت تماماً، لتصبح أول مراجعات تحدث في تاريخ الجماعات الإسلامية، وكانت نتائجها تغيّر حال 30 ألف معتقل دخلوا سجون مبارك ولم يعد منهم سوى 400 فقط إلى الجماعة وهي نسبة لا تذكر"، بحسب فرغلي.

الإطاحة من الجماعة

استجابت السلطة لرغبة زهدي بعدم حلّ الجماعة، كي تتم السيطرة على مَن خرجوا من السجون، واختير الشيخ كرم زهدي والدكتور ناجح إبراهيم قادة لها حتى أحداث 25 كانون الثاني/ يناير 2011.

يكشف ماهر فرغلي كواليس الإطاحة بزهدي وإبراهيم من الجماعة ويقول إن الأمر بدأ بانتخابات في الجماعة خسر فيها الثنائي، وتولى مكانهما الثنائي عصام دربالة أميراً للجماعة وأسامة حافظ نائباً له.

وبرأيه، كان سبب ذلك هو رغبة الجماعة في التحالف مع الإخوان في ظل اعتراض زهدي بشدة خوفاً من العودة إلى ما قبل المراجعات. أطيح بهما وخاضت الجماعة الإسلامية تجربة التحالف مع الإخوان وفشلت فشلاً ذريعاً. مع ذلك، لم تنقطع العلاقات بين قادة الجماعة إذ حرص زهدي على تواجده بجوارهم كناصح لهم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard