"بلا أصدقاء بلا شهوة بلا أمل"... عالمنا كما يراه مرضى الشيزوفرينيا

الأربعاء 4 نوفمبر 202003:02 م

في إحدى ليالي الشتاء لم يستطع عادل (26 عاماً) النوم على الرغم من محاولاته العديدة، لم يعتد الأرق، وقد استمر هذا الأمر أياماً متتالية.

يقول عادل لرصيف22: "في بعض الأوقات يغلبني النوم بعض الوقت، ولكني أستيقظ بشكل لم اعتده، أعتقد دائماً أنّ هناك كارثة ستحدث". وهو يتخيل أنه على وشك السقوط، ويسمع أصواتاً غريبة تزيد من توتّره، إذ بدأ يفقد الاهتمام بنظافته الشخصية، والعمل، والموسيقى. وإن تحدث مع أحد شعر وكأن ثلاثة أشخاص يتحدثون معه، ويفقد تركيزه.

أدرك عادل، وهو موظف من محافظة القاهرة، بعد تردّده إلى طبيب نفسي، أنّ ما يشعر به هو أعراض لمرض "الشيزوفرينيا" أو "انفصام الشخصية". كل ما يعرفه عن هذا المرض هو أن يكون الشخص منفصلاً عن الواقع، يسيطر عليه هذا الانفصال بشكل تدريجي، حتى يفقد قدرته على التواصل إلّا إذا عزز الذين حوله قدراته على التفاعل مع الآخرين.

كان أكثر ما يخشاه عادل هو مواجهة الناس بعد شفائه، طلب المكوث في المستشفى فترة طويلة، ولكنّ والدته شجّعته على المواجهة، ولا يزال يخشى أن تعود له حالته المرضية مرة أخرى. في البداية قابل أحد أصدقائه مراراً حتى تأكد من شفائه.

"حياتي تتغير، فشعوري باللذة تجاه بعض الأطعمة بات للأسوء، وكذلك الجلوس مع الأصدقاء، وكذلك الجلوس مع الأصدقاء، بالإضافة لضعف شعوري بالمتعة والرغبة الجنسية"

يتخيل بعض المصريين أن مرضى الفصام يشبهون الفنانة سعاد حسني في فيلم "بئر الحرمان" (إنتاج عام 1969). أدت فيه دور شخصية تعاني الازدواجية بين جدران مغلقة، اسمها ناهد صباحاً، شخصية رقيقة، هادئة، وميرفت في المساء، فتاة الليل المغامرة. يكتشف الطبيب النفسي (أدى دوره محمود المليجي) أنها تعاني عقدة نفسية تعود لطفولتها، إذ اكتشف والدها خيانة والدتها له، مما دفعه للتعامل مع ابنته بشكل قاسٍ.

مسّ شيطاني

"كثيراً ما أواجه شخصاً يريد أن يؤذيني، ولا أدرك الأسباب، أحاول الدفاع عن نفسي بالهجوم عليه، لذا اعتبرني أهلي شخصية عدوانية، وتجنبوني قدر الإمكان"، تقول مريم، (29 عامًا) من محافظة أسوان.

مع مرور الوقت، تحكي مريم لرصيف22، تطوّر الأمر، وتضاعفت الأعراض، وكان هذا في بداية المراهقة، "كانت فترة المرض صعبة، إذ كان الأهل لا يفهمون طبيعة المرض".

لا تنسى مريم تلك الليلة عندما وقعت في إغماءة خفيفة، ثم استيقظت فجأة لتجد شخصاً، يرتدي عمامة، وثوباً فضفاضاً، وتزين العديد من المسابح صدره، وأمامه طبق مليء بالماء، تتصاعد منه الأبخرة، وبجوارها والدتها تردد آيات قرآنية بصوت خافت، ثم يصرخ الرجل في أذن والدتها: "بنتك كان معمول لها عمل، وأنا استطعت أن أحله"، وتصاعدت الزغاريد، وعلت الفرحة وجهي الوالدة والخالة.

"بالفعل، بعدها اعتقدت والدتي أن الأعراض ستقلّ، وأني في طريقي للشفاء ببركة هذا الشيخ، ولكن ما حدث أنّ حالتي راحت تتدهور حتى رأوني أتحدث إلى أشخاص غير مرئيين، وهذا ما جعلهم يعتقدون أنّ هناك قوى أخرى تلاحقني وهي أكبر مني ومنهم".

تصف مريم الطبيب النفسي بـ"المنقذ"، إذ أوضح لعائلتها طبيعة مرضها، وكيفية التعامل معه، وأنه اضطراب نفسي وليس مساً شيطانياً.

الأمل والشيزوفرينيا

يتحول الرصيف فجأة، في أقل من الثانية لحفرة، لو تخطى خطوة سيموت، منظر يراه كريم (35 عاماً) من القاهرة، بشكل مستمر، وهو لا يزال يتلقى علاج مرض الفصام.

أصعب ما في رحلة العلاج، بحسب كريم، هو منح الأمل للمريض بالشفاء التام، يقول لرصيف22: "الأطباء كانوا يتعاملون معي مدركين حالتي، ويصفون العلاج، ويشرحون آثاره الجانبية، ولكن حياتي تغيرت، فشعوري باللذة تجاه بعض الأطعمة بات للأسوأ، وكذلك الجلوس مع الأصدقاء، بالإضافة لضعف شعوري بالمتعة والرغبة الجنسية".

يرى كريم أنه يتوقع المستقبل بشكل دقيق، ويرى أن ذلك يجعله يشعر بمتعة أقل حيال الأمور المستقبلية.

وقد ذكرت منظمة الصحة العالمية أن الفصام يؤثر على 21 مليون شخص حول العالم، وشددت على أن تعرض المصابين بهذا المرض للوصم، والتمييز هو أمر شائع، واعتبرته انتهاكاً لحقوق الإنسان.

يرى الدكتور إبراهيم مجدي حسين، أستاذ الطب النفسي بجامعة عين شمس، أنّ حقيقة مرض "الشيزوفرينيا" بعيد عما صوره الخيال السينمائي، وأضاف لرصيف22: "أجمع الباحثون على أن المرض تتدخل فيه عوامل وراثية، ومجموعة من العوامل الأخرى الخاصة بكيمياء المخ التى تساهم في الإصابة".

أما عن المضاعفات الخاصة بالمرض، فيوضح حسين أنها قد تصل إلى الرغبة في الانتحار، والسلوك العدواني، والعزلة الاجتماعية، وعدم القدرة على ممارسة الحياة بصورتها الطبيعية.

"دائمًا ما أواجه شخصاً يريد أن يؤذيني، ولا أدرك الأسباب، فقط أحاول الدفاع عن نفسي بأني أبدء بالهجوم عليه؛ لذا اعتبرني أهلي شخصية عدوانية، وتجنبوني قدر الإمكان"

وعن المعتقد الشائع بأن للمريض بالانفصام شخصيتين، يقول حسين:" هذا اعتقاد خاطىء تم تصديره من قبل التلفزيون بصورة لا تمس لمريض الفصام بصلة، فهو لا يخرج عن شخصية واحدة تتعرض لكافة هذه الاضطرابات، ما يجعلنا نتعاطف معه. هذا المرض نفسي مزمن يصيب 1% من أفراد المجتمع رجالا ونساءً، وتتم معالجتهم في مؤسسات الصحة المختلفة بواسطة الأدوية، وبمساعدة العلاج النفسي وإعادة التأهيل".

"مرض الفصام هو تعدّد العقل وليس تعدّد الشخصية".

"مرض الفصام هو تعدد العقل وليس تعدد الشخصية، فالمريض يواجه اضطرابات حادة في سلوكه الاجتماعي، مما يجعل حالته النفسية تتغير طوال الوقت، فهو لا يسمع ولا يرى سوى الهلوسات التى يتعرض لها"، يشرح حسين. ويرى أنه مهما كانت الاطضرابات السلوكية لمرضى الفصام فإن السيطرة عليهم من الأمور السهلة عن طريق الأدوية، ولكل مرحلة علاج آثارها الجانبية، مثل: غلبة النعاس، الميل للعزلة.

العلاج من انفصام الشخصية ليس أمراً صعب المنال، خاصة في البداية، ومن الممكن أن يكون "مرضاً مزمناً" على صاحبه أن يتعايش معه، ويكوّن أسرة بشكل طبيعي، ولكن مع تناول الأدوية بشكل صارم في مواعيدها، وعدم التهاون في ذلك، بحسب الطبيب حسين.

وليس فيلم "بئر الحرمان" وحده الذي سقط في فخ التعريف غير الصحيح لانفصام الشخصية، فهناك أيضاً العديد من الأفلام الأمريكية مثل "أنا ونفسي وآيرين" و"دوني داركو" و"عقل جميل"، مما يجعله أكثر الأمراض عرضة للتفسير الخطأ، والخيالات غير العلمية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard