من المخزي استخدام "ميزة" ولادتك ذكراً لتجبر امرأة على طاعتك

الخميس 25 يونيو 202001:52 م

لطالما أثار الحديث عن طاعة الزوج حفيظة الرجل، الذي اعتبر الطاعة واحدة من مكتسباته بالولادة ذكراً، وغضب المرأة التي وجدت نفسها مطالبة بعيش حياتها كمواطنة درجة ثانية، بعد الأب والأخ في منزلها الأول، وبعد الزوج في منزلها الثاني، وهكذا فإنها أبداً لن تستطيع الحصول على حق استقلال القرار إن خصّها وحدها، أو اعتبار صوتها مساوياً لصوت الرجل إن كان القرار يؤثر على كليهما.

بالنسبة للرجال، فالدفاع عن مكتسباتهم بلا جهد مسبق يعتبر أمراً طبيعياً، فالبشر عموماً يحبذون تلبية رغباتهم دون جدال، أو الاضطرار إلى الدخول في مناقشة يُرجِّح فيها العقل كفة صاحبه، فما بالك لو جنبنا العقل تماماً، وأصبح الرأي الأوحد واتخاذ القرار للإنسان سعيد الحظ الذي وُلِد بعضو ذكري، تلك منافسة لن تستطع المرأة مجاراة الرجل فيها بلا شك.

كرجل، استفدت من هذا الوضع في أوقات كثيرة، ولكن ذلك انعكس عليَّ سلباً بعد مرور الوقت، فالاعتياد على انصياع أخريات لرغباتي دون الحاجة لإقناعهن، أو على الأقل حتى وإن لم يقتنعن، جعلني لا أستوعب الرفض بسهولة، أتألم إن لم أحصل على ما أريد في الحال، في العمل والعلاقات العاطفية أيضاً، كل ذلك تغير الآن، ربما لأنني وجدت ما هو أهم من تلك السلطة المحدودة، عندما بدأت باستخدام العقل بدرجة أكبر، وكما يقولون: "عندما يتمدد العقل ليستوعب أفكاراً جديدة فإنه لا يعود لحجمه السابق أبداً"، هكذا تمدد وأصبح أكثر استيعاباً وتفهماً وتقبلاً للرفض أياً كان مصدره، وجدت الراحة في العلاقات، لأن الاحترام والمنطق حل محل الانصياع.

الاحترام تمثل بالنسبة لي في قدرتي على الأخذ بنصيحة من هن أذكى مني في أمر ما، شقيقتي أو زميلتي في العمل، أو غيرهن من النساء المحترفات في حقول عديدة، وتقريباً في كل مرة حدث ذلك تمت الأمور بأفضل طريقة، لأن النقاش بلا وصاية يطلق العنان للأفكار الجيدة كي تسود، ما يؤثر إيجاباً على القرار بالطبع، وعلى العكس تماماً، فإن كان الرأي لي وحدي فسوف أحمل هم أنه يجب ألا أخطئ في التفكير ولا مرة، أن أحقق العلامة الكاملة في اتخاذ جميع قراراتي... من يستطيع فعل ذلك؟ لا أحد طبعاً.

تخيّل مثلاً أن تشهد زواج أذكى فتاة تعرفها من أغبى رجل تعرفه، ثم تطلب منها أن تطيعه في جميع قراراته... أين المنطق؟ أنا لا أراه.

كرجل، استفدت من هذا الوضع، ولكن ذلك انعكس عليَّ سلباً بعد مرور الوقت، فالاعتياد على انصياع أخريات لرغباتي دون الحاجة لإقناعهن، أو على الأقل حتى وإن لم يقتنعن، جعلني لا أستوعب الرفض بسهولة، أتألم إن لم أحصل على ما أريد في الحال، في العمل والعلاقات العاطفية أيضاً، لكن، كل ذلك تغير الآن

ما قبل التغيير

قبل أن أفكر بتلك الطريقة التي حولت العديد من علاقاتي الاجتماعية إلى وضع أفضل بكثير، حدث خلاف بيني وبين إحدى زميلاتي في العمل، كنا نتحدث عن سلطة الأخ وفرض وصايته على اختيارات شقيقته، فقلت لها إن هذا ما يجب أن يحدث، لمصلحة المرأة التي يحاول الرجل رعايتها والحفاظ عليها على الأقل، فأمسكت بعلبة السجائر الخاصة بي وسألتني: "لماذا يُمكنك منع شقيقتك من ارتداء ما تحب إن كانت لا تستطيع منعك من التدخين؟".

تمتمت وقتها ببضع كلمات تفتقد إلى أي منطق بالنسبة لها أو لي، ولكني أغلقت باب النقاش بأن طاعة شقيقتي لي فرض عليها والعكس غير صحيح، ابتسمت زميلتي وصمتت، في الغالب علمت أن حججي قد انتهت مبكراً فذهبت للاستقواء بسلاح الدين، أو لأنها اعتبرت الحديث معي أمراً ميؤوساً منه... بعد ذلك، ناقشت نفسي مرات عديدة في تلك النقطة: لماذا يجب عليّ توجيه شقيقتي، زوجتي أو ابنتي وعليهن الطاعة، وألا يحدث العكس؟

فالمنطق الوحيد الذي يجعل من هذه القاعدة صحيحة، هو أنني كرجل أذكى من كل الفتيات اللاتي أعرفهن، فماذا أعرف عن نفسي؟

أعرف أنني لست كاملاً، أنا رجل يحتاج للنصح والإرشاد والعون على اتخاذ القرارات، خاصة تلك التي لا تخصّني حصراً أو تؤثر بي وحدي، هذا أنا، وأثق تمام الثقة بأن هذا أنتم أيضاً، وكما يعظني عقلي بأن من المنطق عندما يتعلق الأمر باختيار قرار ما يخص فردين، زوجين/ صدذيقين، أن يحدث ذلك بالاتفاق لا الطاعة، العقل لا الجنس، وسواء أكان الشخص الآخر ذكراً أم أنثى، فلا حاجة لي بإرغامه/ا على طاعتي، فقط أتأمل أن نصل لتقريب وجهات النظر، أما القرارات التي تخص الزوجة فقط، فإن لم تر في نصيحتي خيراً لها وأصرت على تنفيذ رغبتها، فسأتمنى بكل تأكيد أن يحالفنا الحظ عندما تحين لحظة العواقب.

إن جلست وزوجتي نستعرض أمورنا المالية مثلاً، فأنا أعلم أنني لست منظماً في هذا الأمر، وسأحاول الاستفادة من عقلها في ذلك الشأن، وترجيح رأيها على رغبتي، للاطمئنان بأن الفائدة ستعود على الجميع، هي أذكى مني في ذلك، فلم الإصرار على تنفيذ رغبتي الغبية لمجرد أنني رجل المنزل؟

إن فُرضت الطاعة على الزوجة واضطرت لمجاراة زوجها، فمن الضروري أن يكون الزوج هو الأكثر قدرة على اتخاذ قرارات المال، تربية الأبناء، توفير حصص الطعام، ترتيب المنزل، الحفاظ على صحة الأسرة وكل تلك الأمور. فقط تخيل ماذا سيحدث في حالة أن الزوجة تطيع زوجها وهو لا يفقه شيئاً في هذه الجوانب؟ على ماذا نحصل؟ على منزل من التعساء الفوضويين المفلسين، و"زوجة مطيعة" فقط!

ولم الافتراض، أنا نفسي واجهت مأزقاً، بين رغبة أبي في حرماني من مصاريف الدراسة لفترة بسبب تراجع النتائج، وبين كفاح والدتي لتوفير تلك المصاريف كي أكمل دراستي، حينها جلسنا لنناقش أبي، ليُمكنني من حضور جميع محاضرات الجامعة، ولكنه رفض واشترط النجاح قبل ذلك، ورأيت ووالدتي أن النجاح يستلزم الحضور في المقام الأول، حينها كان من غير المسموح لي بالعمل لجلب مصاريفي الخاصة، رفض أبي ذلك أيضاً، فقامت والدتي بتوفير فرصة عمل لي لدى إحدى زميلاتها، وادخرت بعض المال، ثم زادتني هي ما يكفيني للسفر واستكمال الدراسة، وللعلم والدتي كانت تعرف أن ما سأحصل عليه من العمل لن يكفي، ولكنها سعت لتوفير العمل لي، لأنني كنت سأرفض أخذ المال منها دون أي مجهود أقوم به.

والآن لنرى، إن أطاعت والدتي أبي لأصبحت بلا شهادة دراسية موثقة تؤمن لي التقدم لأي عمل، حتى لوكان لا يمت بصلة لطبيعة دراستي، وكنت سأستنزف الفرصة الأخيرة لي في كلية التجارة، ما يجعلني أبدأ مشوار الدراسة الجامعية من البداية مجدداً في كلية أخرى، أي أن طاعة والدتي لوالدي كانت ستكلفني أعواماً من حياتي وشهادة تخرجي، هل هذا يُعقل؟

أما عن الدين، فأنا أعلم بأنه لا طاعة لمخلوق في معصية خالق، أو ليست الإهانة، التعدي على الآخرين، الإسراف، البخل، إهدار الحقوق، انتهاك الخصوصية والتعذيب النفسي، معصية، أم أن الله يعتبر تلك الأشياء فضيلة خلق المرأة محملة بها سلفاً؟ 

لكن ماذا عن الطاعة والشرع؟

أما عن الدين، فأنا أعلم بأنه لا طاعة لمخلوق في معصية خالق، أو ليست الإهانة، التعدي على الآخرين، الإسراف، البخل، إهدار الحقوق، انتهاك الخصوصية والتعذيب النفسي، معصية، أم أن الله يعتبر تلك الأشياء فضيلة خلق المرأة محملة بها سلفاً؟ هل سيحاسبني الله على ملابس زوجتي وسلوكها ويتجاوز عن تسببي في تعاستها؟ هل يرضى الله أصلاً أن ترتدي زوجتي الزي الشرعي، كمثال، خوفاً مني وطاعة لي، لا حباً به أو طاعة لأمره؟

في النهاية، لا أجد أي حرج في القول بأن الطاعة تفسد العلاقات والنفوس والبيوت، الرأي والرأي الآخر دائماً ما يؤتي ثماره، طالما نتطلع إلى اتخاذ القرار السليم السعيد لجميع الأطراف، وإن لم تستطع إقناعها بعقلك لعيب فيها أو فيك، فمن المخزي استخدام ميزة ولادتك كذكر لتجبر فتاة ما على موافقتك.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard