وصلت للإساءة للسيدة عائشة خلال تظاهرات لبنان... حقد دفين أم سياسة إقليمية؟

الأحد 7 يونيو 202003:42 م

حالة من الترقّب والاستياء تعمّ الأوساط اللبنانية، عقب الإساءة إلى السيدة عائشة أم المؤمنين، ثالثة زوجات الرسول وابنة الخليفة أبي بكر الصدّيق، خلال مناوشات بين متظاهرين في ضواحي العاصمة اللبنانية بيروت، أمس في 6 حزيران/ يونيو، وسط مخاوف من عودة البلاد إلى الاكتواء بلهيب "الفتنة الطائفية" التي غذّت الحرب الأهلية بين عامي 1975 و1990.

واستأنف المئات من اللبنانيين وسط بيروت، احتجاجاتهم ضد عجز السلطات في وقف تسارع الانهيار الاقتصادي، في أول تحرّكٍ عقب تخفيف قيود مواجهة أزمة تفشي فيروس كورونا.

ويبدو أن رَفْع بعض المتظاهرين شعارات المطالبة بنزع سلاح حزب الله أغضبت شباناً موالين للحزب وحليفته حركة أمل، فوقع، مساءً، تبادل لإطلاق النار في العاصمة، تحديداً بين سكان منطقة ذات غالبية سنية وسكان منطقة مجاورة ذات غالبية شيعية، في معقل حركة أمل.

وتداول عدد من روّاد مواقع التواصل الاجتماعي هتافات مسيئة للسيدة عائشة، صدرت عن الشبان الشيعة الموالين لحزب الله و"أمل"، وهذا ما أدى إلى اشتباكات في العاصمة، وأيضاً في مدينة طرابلس، حيث أقدم متظاهرون على رمي حجارة على القوى الأمنية التي ردت بإطلاق الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي.

وزعم البعض أن المقطع الذي يتضمن الهتافات المسيئة "مركّب ومفبرك"، ولم يتسنَّ لرصيف22 التحقق من ذلك، غير أن التصريحات الرسمية تناقضه.

وأعلنت قيادة الجيش اللبناني، في 7 حزيران/ يونيو، "عن إصابة 25 عنصراً بجروح، إصابة أحدهم بليغة في العين"، معربة عن اعتقادها بأن "البلاد اجتازت أمس قطوعاً كان من شأنه أن يجرّنا إلى منزلق خطير، إذ إن ما حصل كاد يطيح بالوحدة الوطنية ويمزّق السلم الأهلي ويغذي الانقسام".

وحذّرت القيادة العسكرية من "مغبّة الانجرار وراء الفتنة، وتؤكد وجوب التعامل بمسؤولية ووعي وحكمة، للحفاظ على السلم الأهلي، وصوناً للوحدة الوطنية ودرءاً للوقوع في أفخاخ الفتنة".

استنكار رسمي طوائفي شعبوي 

وصدرت مواقف منددة للهتافات المسيئة للسيدة عائشة، وتحذيرات من الانجرار نحو "الفتنة الطائفية" وإفساد "السلم الأهلي"، مع دعوات للتعقّل من ممثلي كافة الطوائف الدينية والكتل السياسية الرسمية في البلاد.

وحذّرت دار الفتوى في الجمهورية اللبنانية، أعلى هيئة دينية سنيّة في البلاد، جمهورَ المسلمين من الوقوع في فخّ الفتنة المذهبية والطائفية، مشيرةً إلى أن "شتم أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها، من أي شخص كائناً من كان، لا يصدر إلا عن جاهل يحتاج إلى توعية، وأبواب دار الفتوى مفتوحة لتعليمه من تكون السيدة عائشة زوجة خاتم الأنبياء والمرسلين، وأي إساءة بحقها تمس كل المسلمين".

"من حقّ شبابنا علينا أن نمنحهم حياة كريمة، لا أن ندفعهم إلى التقاتل وسفك الدماء وازدراء المقدسات"... الرئيس عون يحذر من السقوط في فخ الفتنة الطائفية من جديد، واستنكار رسمي وشعبي واسع للإساءة إلى السيدة عائشة أم المؤمنين في تظاهرات لبنان

وأضافت أنه "انطلاقاً من ذلك، فإن ما صدر من سبّ وإهانات من بعض 'الجهلة الموتورين'، لأنهم في غفلة من أمرهم ولا يفقهون تعاليم ومفاهيم ومبادئ الإسلام، وعليهم الاقتداء بأخلاق الإسلام".

الرئيس اللبناني ميشال عون، اعتبر أن "التعرّض لأي رمز ديني ولأي طائفة لبنانية، تعرّضٌ للعائلة اللبنانية، وقوّتنا ستظل في وحدتنا الوطنية"، لافتاً إلى أن "ما جرى ليل أمس جرس إنذار، وليس بالشتائم والاعتداءات نحقّق عيشاً كريماً، إذ لا نصرة لأحد على الآخر بالقوة أو العنف معاً".

وناشد عون "الحكماء الذين عايشوا أحداث 1975-1976 وَأْد الفتنة الناجمة عن المساس بمقدساتنا الدينية والروحية والمعنوية"، مشدداً على أنه ينبغي على اللبنانيين "وضع خلافاتهم السياسية جانباً، والمسارعة إلى العمل معاً من أجل استنهاض الوطن من عمق الأزمات المتتالية عليه".

وختم: "من حق شبابنا علينا أن نمنحهم حياة كريمة، لا أن ندفعهم إلى التقاتل وسفك الدماء وازدراء المقدسات".

بدوره، عبّر رئيس الوزراء اللبناني حسان دياب، عن إدانة واستنكار الحكومة "كل هتاف أو شعار طائفي مذهبي، ولا سيما التعرض لأم المؤمنين السيدة عائشة"، مهيباً بـ"جميع اللبنانيين، وقياداتهم السياسية والروحية، التحلي بالوعي والحكمة والتعاون مع الجيش والأجهزة الأمنية المكلفة حماية الاستقرار والسلم الأهلي".

رئيس الحكومة السابق سعد الحريري، في سلسلة تغريدات، نبّه "كافة المواطنين الذين هالهم التعرّض لأم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها، إلى التزام حدود الوعي والحكمة، وعدم الانجرار لأي ردّات فعل يمكن أن تهدد السلم الأهلي، وتفسح المجال أمام الجهلة لإشعال الفتنة بين أبناء الوطن الواحد".

وأشار إلى أن "أي تطاول على السيدة عائشة أمر مشين ومرفوض، أصابنا جميعاً في الصميم، ويشكل إهانة لكل المسلمين دون استثناء، وليس لطيف واحد من أطيافهم، وهو ما كان محل استنكار وإدانة عن أولي الأمر في السياسية ورجال الدين من إخوتنا في الطائفة الشيعية، بمثل ما صدر عن أهل السنة ودار الفتوى تحديداً".

وفي عظته الأسبوعية، أعرب البطريرك الماروني، الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، عن أسفه الشديد لـ"إدخال المعتقد الديني في الانقسام السياسي وجعل هذا المعتقد وسيلة للنزاع بالأسلحة. لماذا نعطي الأسرة العربية والدولية هذه الصورة المشوَّهة عن لبنان؟ وهل بهذه الممارسات النزاعية نساند الحكم والحكومة في توطيد الاستقرار الضروري للنهوض من حضيضنا؟".

"مؤامرة"... ضد ماذا؟

من جانبهما، دان حزب الله اللبناني وحركة أمل أيضاً، وعدد من المراجع الشيعية في البلاد، الهتافات المسيئة لأم المؤمنين عائشة، لافتين إلى وجود "مؤامرة" خلفها.

رئيس مجلس النواب وزعيم حركة "أمل" نبيه بري، رأى أن هذا التطور يمثل "فتنة تطل مجدداً لاغتيال الوطن ووحدته الوطنية واستهداف سلمه الأهلي"، لاعناً من يوقظها ومحذّراً من "الوقوع في أتونها".

الهتافات المسيئة للسيدة عائشة خلال تظاهرات لبنان وما نتج عنها من اشتباكات… "مؤامرة صهيونية لإفساد السلم الأهلي" أم "مؤامرة لخلق الفتنة وتبرير وجود الأحزاب الدينية"؟

وتساءل بري: "التطاول أو الإساءة للمقدسات والرموز والحرمات الإسلامية والمسيحية مدان ومستنكر، فكيف إذا ما طالت زوجة نبي الرحمة ومتمم مكارم الأخلاق"، مبيناً أن أي فعل يستهدف "وحدة اللبنانيين وأمنهم واستقرارهم وعيشهم الواحد هو فعل إسرائيلي، وإن أي صوت يروّج للفتنة بين أبناء الوطن الواحد وأبناء الدين الواحد، هو صوت عبري ولو نطق بلغة الضاد".

وفي بيان، قال حزب الله إن "ما صدر من إساءات وهتافات من قبل بعض الأشخاص مرفوض ومستنكر، ولا يعبّر إطلاقاً عن القيم الأخلاقية والدينية لعامة المؤمنين والمسلمين". وذكّر الحزب بـ"الموقف الشرعي والديني للإمام القائد، السيد علي الخامنئي، وفتواه المعروفة بحرمة التعرّض لزوجات الرسول وأمهات المؤمنين، وعامة مقدسات المسلمين".

وحذر ختاماً من "مسبّبي الفتن والمستفيدين منها، وكل أولئك الذين يروّجون للفتنة ويدعون لها". 

في حين أبرز نائب رئيس المكتب السياسي لحركة "أمل"، حسن المصري، في بيان للحركة، أن "ما يتم تناقله عبر بعض وسائل التواصل المشبوهة، هو محاولة مكشوفة لبث الفتنة بين المؤمنين"، مؤكداً أن "أي إساءة او تطاول أو تجرّؤ، يحاول البعض من الجهلة الذين لا يعرفون مدرسة أهل البيت وتعاليمهم، هي مدانة ومرفوضة ومستهجنة، خصوصاً إذا حاولت، ولو بأي حد مهما كان، المسّ بأم المؤمنين عائشة".

ودعا إلى "ضرورة الانتباه من قليلي الدين والإيمان الذين يحاولون أن يصيبوا المسلمين بمقدساتهم".

أما رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، عبد الأمير قبلان، فاستنكر "المحاولات المشبوهة لإثارة الفتن المذهبية بين اللبنانيين وضرب وحدتهم الوطنية والإسلامية، خدمة لأعداء الدين، وتحقيقاً لأهداف سياسية تخدم العدو الصهيوني الذي يتربص بأمننا واستقرارنا ووحدتنا"، شاجباً "أي إساءة لأي رمز ديني، من منطلق رفضنا للشتم والإساءة والتعرض لكرامة الرموز الدينية من كل الطوائف والمذاهب، ولاسيما شتم أم المؤمنين السيدة عائشة، فهذه الإساءة مرفوضة ومدانة على مختلف المستويات الأخلاقية والدينية".

واتفق العديد من المعلقين اللبنانيين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، على أن مثل هذه "الأزمات المفتعلة" هي في حقيقتها مؤامرة، لكنهم اعتبروها "مؤامرة لحرق الثورة ومطالبها المعيشية المحقة، عبر إثارة نعرات طائفية مقيتة".

ومنذ 17 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، يتظاهر اللبنانيون ضد الأوضاع الاقتصادية الخانقة في البلاد، إذ يعيش أكثر من 45% من السكان تحت خط الفقر، فيما ارتفعت البطالة إلى أكثر من 35%، وفق تقديرات وزارة المالية اللبنانية، وتوقعات حكومية بنمو اقتصادي سلبي بنسبة 13%.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard