"مكانك في ماخور"... عندما ذكّرنا نائب تونسي بالربط الذكوري بين المرأة القوية والمومس

الأربعاء 6 مايو 202005:31 م

قد يبدو الرابط بين السياسة والدعارة غير بديهي في البداية، لكن نائب الشعب عن حزب "قلب تونس" ذكرنا بهذه العلاقة الوثيقة، والتي حسب رأيه، أدت إلى اختلاط المجالات على رئيسة الحزب الدستوري الحر، ونائبة الشعب في البرلمان التونسي.

فهو ارتأى أنها بدل امتهان المحاماة وخوض غمار السياسة، كان عليها تبني أنشطة الدعارة، وصاغ تخيلاته العضوية في عبارة اقتبسها من جدران أزقة الذكورية: "بلاصتك في كارتي"، أي مكانك في ماخور.

"بلاصتك في كارتي"، أي مكانك في ماخور.

هذا ما أتى على لسان النائبة عبير موسي، التي نددت بهذا الاعتداء الذي احتضنته جدران البرلمان ومسها من زميلها المشرّع. بعيداً عن ثبوت الأقوال وعن موقف مختلف فئات المجتمع من توجهات عبير موسي السياسية، اهتز المجتمع المدني وصحافيون/ات وبعض السياسيين/ات على وقع هذا التصريح، وتحوّلت عبير موسي إلى رمز للنسوية في المجال السياسي، بل وتحول الدعم على مواقع التواصل الاجتماعي إلى شعبية مجانية.

لكن دعونا نتعمق في هذه العبارة الشعرية ذات النغمة الراقصة "بلاصتك في كارتي"، فهي تجديد للمقولة الشهيرة "مكانك في المطبخ". نستشف من هذا التماثل في الأقوال، إنه لا يوجد طريقة أخرى تستعملها الذكورية الكلاسيكية لمعارضة النساء فكرياً سوى تذكيرهن بالتوقعات الجندرية، وسجن الجسد الذي خلقته نفس هذه الذكورية، التي أصبحت تبدو عليها علامات الانفصام.

المومسات يبعن أجسادهن ويشتريها ذكور، ويبررون ذلك بأنهن يبعن الهوى بكامل إرادتهن، حيث يكمن سر الذكورية في الانتقائية بفهم الاختيار وكمال الإرادة في الجنس، بينما يخمد آخرون أعقاب سجائر الشرف في تلك الأجساد المنهكة والمنتهكة.

دعونا نتعمق في العبارة الشعرية ذات النغمة الراقصة "بلاصتك في كارتي"، فهي تجديد للمقولة الشهيرة "مكانك في المطبخ". نستشف من هذا التماثل في الأقوال، إنه لا يوجد طريقة أخرى تستعملها الذكورية الكلاسيكية لمعارضة النساء فكرياً سوى تذكيرهن بالتوقعات الجندرية، وسجن الجسد الذي خلقته نفس هذه الذكورية

لابد من تفهّم النائب الفاضل عياض اللومي، فهو "لم يقصد" أن النائبة تبيع جسدها، بل هو أعلن فقط أن نساء السياسة اللواتي يعتمدن القوة والإصرار، والتي "كُتبت للذكور منذ الأزل"، يشتركن مع العاهرات في الجرأة والصوت العالي وتحدي التوقعات الاجتماعية الجندرية منهن، وبما أنهن حفيدات حواء المثيرات ورمز الشهوانية، فإن هذه الخصال مجتمعة هي وصفة مومس ناجحة.

منذ سنوات عديدة والشارع الشهير "عبد الله قش" أو "نهج زركون" في العاصمة التونسية، يحتضن مواخير تمارس الدعارة القانونية وبرقابة من الدولة. المومسات اللاتي يعملن يمتلكن أوراقاً قانونية تمنحهن حق بيع الهوى بمقابل مادي، وبذلك أصبحت عبارة "بكوارطها" ترافق بعض الجمل في اللهجة التونسية، للإحالة إلى الجرأة التي ترافق بطاقات احتراف الدعارة التي تعطيها الدولة لمومسات ماخور العاصمة الشهير.

وبالوقت الذي من المفروض أن يسنّ المشرّع قوانين تحمي المرأة، يعتدي عليها باختزالها في مجرد جسد غير قادر على مواجهته بالكفاءة، فكيف سنلوم الميسوجيني والعنيف والمتحرش والمغتصب إذن؟ كيف سنفسر للمجتمع أن المومسات لسن مواطنات من الدرجة الثانية، بل يتمتعن بكامل حقوق المواطنة في الدولة، منها الاحترام والحماية من الهتك والعنف، كيف سنوقف هيستيريا الشرف المرتبطة بجسد الأنثى، ونعلن كما أعلنت نوال السعداوي قبلنا، أن العذرية لا تنفع إن كان الفكر عاهراً؟ هذا الفكر العاهر الذي ينطلق من مواخير السياسة ويواصل متسكعاً في شوارع البلاد.

ليس عياض اللومي وحيداً في هذا الاستهجان الجندري للنائبة عبير موسي، ففي لقاء حديث لها مع إذاعة راديو "موزاييك"، لم تستطع المذيعة كبح جماح فضولها حول إن كانت عبير موسي تطبخ وتمارس "أنوثتها" في بيتها، وعن رأي زوجها في الجدل المحيط بها في عالم السياسة.

بالوقت الذي من المفروض أن يسنّ المشرّع قوانين تحمي المرأة، يعتدي عليها باختزالها في مجرد جسد غير قادر على مواجهته بالكفاءة، فكيف سنلوم الميسوجيني والعنيف والمتحرش والمغتصب إذن؟ كيف سنفسر للمجتمع أن المومسات لسن مواطنات من الدرجة الثانية، بل يتمتعن بكامل حقوق المواطنة في الدولة، منها الاحترام والحماية من الهتك والعنف

لكن حينما أخبرتها النائبة عن التعاون المتبادل بينها وبين أفراد أسرتها وعن حسائها الرمضاني الشهير، لم تستطع المذيعة تمالك نفسها ودخلت في حالة من الصدمة، كللتها بتوضيحها أن منطقها لم يستوعب كيف أن "المعارضة الشرسة" تطبخ. لا يمكن لوم المذيعة، ففي الكوكب الذي تعيش فيه، وهو ليس الأرض، المعارضات والسياسيات لا يأكلن، أو على هذا الكوكب، صفات الأنوثة التي طالما ارتبطت بالمطبخ، لا يمكن البتة أن تجتمع بصفات كقوة الشخصية والمعارضة السياسية.

لكن في العالم الذي أحلم به، فإن الأنوثة هي وجود روحي لا علاقة له لا بالمطبخ ولا بالنشاط السياسي، والأسئلة التي تُوجه للمرأة في المعارضة بأن تكون دائماً على علاقة بكفاءتها وبما هو جديد في الساحة السياسية.

كما أن في هذا الخيال، بائعة الهوى ليست مواطنة من الدرجة العاشرة، تقنن عملها الدولة وينتهك شرفها المواطنون، ولا فيه المشرّع قائد الأسلحة الذكورية ضد النساء التونسيات، لكن كيف يتحقق الخيال في الكوكب الذي نعيش فيه، وهناك عياض اللومي وأمثاله، يشدون الخناق على أحلامنا؟

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard