"إذاعة التحرير"... صوت العراقيين المولود من رحم الثورة

الاثنين 25 نوفمبر 201907:59 م

بالنسبة للكثير من العراقيين، لم تكن ساحة التحرير، وسط العاصمة بغداد، ميداناً للاحتجاج وحسب.

خلال الأسابيع الأخيرة ومنذ بدء الاحتجاجات مطلع تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، تحولت الساحة إلى منزل للكثير من الشباب العراقي المندفع نحو خيار التغيير. بعضهم نقل أعماله إليها، وصارت له مقصداً للعمل وليس فقط للتظاهر احتجاجاً على سوء الأوضاع المعيشية وفساد السياسيين.

لم يكن أصحاب عربات "التكتك" وحدهم من نقلوا أعمالهم من أطراف العاصمة وأحيائها الشعبية إلى الساحة لخدمة المتظاهرين وإسعاف الجرحى، إذ فعل مثلهم أطباء وممرضون ورسامون وحتى ربات منازل حوّلن أرصفة الساحة إلى مطابخ لإعداد الطعام المجاني للمتظاهرين.

إلا أن الحاجة الماسة كانت تقتضي كذلك وجود وسيلة إعلامية تنادي باسم المتظاهرين، وتنقل أخبار الحراك والتظاهرات لآلاف المحتشدين، وتوجههم نحو الحفاظ على السلمية، وتعمل على نشر الوعي بين صفوفهم، فكانت "إذاعة التحرير" أول منصة إعلامية تطوعية تمولها تبرعات العاملين فيها ومن يرغب من المتظاهرين.

أصل الفكرة والتأسيس

علي سعدي إعلامي شاب من مواليد عام 1991، كان يعمل كمقدم للأخبار في وسائل إعلام محلية، وقد تركها بعد انضمامه إلى صفوف المتظاهرين. 

يقول لرصيف22: "كنت في ساحة التحرير يوم السادس والعشرين من أكتوبر، رأيت ′أبو التكتك′ يستمع إلى الأخبار عبر إحدى الإذاعات المحلية، وشعرت أن ساحة التحرير في وادٍ آخر، لا تصل إليها المعلومة التي يجب أن تصل، وحتى وإن وصلت فقد تكون مغلوطة، ومنها ما يقلّل من عزيمة المتظاهرين، ناهيك عن خطر الشائعات".

يضيف سعدي: "من هنا كانت الفكرة التي دفعتني للعمل على تأسيس إذاعة خاصة بالتحرير، ويوم الرابع من تشرين الثاني/ نوفمبر، نشرت عبر صفحتي الشخصية على فيسبوك دعوة للزملاء والناشطين للمساعدة في تأسيس منصة إعلامية باسم ′إذاعة التحرير′".

خلال أربع ساعات بعد نشره الدعوة، كان قد تم تجهيز فريق الإذاعة ومعداتها كاملة، لتنطلق بعدها عملية تركيب الأجهزة من ميكسرات وسبيكرات بلغ عددها نحو 75 قطعة وزعت في أنحاء الساحة.

وُضعت منصة "إذاعة التحرير" قرب بوابة "المطعم التركي"، معقل المتظاهرين الأبرز أو ما بات يسمى عراقياً بـ"جبل أحد"، لتصبح أول منصة إعلامية عراقية تؤدي دور الإذاعة وتصل إلى الجماهير دون أثير أو بث فضائي، وأقرب الوسائل إلى الحدث الحاصل في الساحة والمناطق المحيطة بها.

وباشرت بالعمل في "إذاعة التحرير" مجموعة من الإعلاميين المتطوعين ومن طلبة معهد الفنون المرئية والسمعية التابع لجامعة بغداد.

تعمل المنصة الإذاعية كأي إذاعة أخرى، لناحية الإعداد والبرامج والأخبار، ولا تختلف عن غيرها من الإذاعات سوى بنطاق الوصول المحدود، وهنا يكمن الهدف الأساسي منها ألا وهو استقطاب جمهور محدد في نطاق ساحة التحرير، ونشر التوعية السياسية، ونبذ العنف، والتأكيد على السلمية.

منصة إعلامية خيرية

تؤدي "إذاعة التحرير" دوراً خدمياً وإنسانياً في آن معاً، إذ تُبلّغ عن المفقودات وتوجه المناشدات الإنسانية وأصبحت مركزاً لاستقطاب التبرعات للمحتاجين من الفقراء وغيرهم.

"كنت في ساحة التحرير، رأيت ′أبو التكتك′ يستمع إلى الأخبار عبر إحدى الإذاعات المحلية، وشعرت أن ساحة التحرير في وادٍ آخر، لا تصل إليها المعلومة"... هكذا وُلدت "إذاعة التحرير" لتكون صوت العراقيين، حسب مؤسسها علي سعدي

"من هو أكثر شخص ساعد في إنقاذ الآخرين من قنابل الغاز المسيل للدموع؟"... واحدة من المسابقات التي تنظمها "إذاعة التحرير"، صوت العراقيين الجديد الذي وُلد من رحم الثورة 

ويشير علي إلى أن الإذاعة افتتحت بجانبها مركزاً للمفقودات، جمعت فيه خلال أول أيام العمل أكثر من 25 جوال ضائع، وبطاقات شخصية، ومحافظ أموال وغيرها من الأمور التي وجدها المتظاهرون وسُلمت إلى الفريق المعني للتبليغ عنها.

كما تمكنت الإذاعة من جمع 2 مليون دينار عراقي (حوالي 1600 دولار عراقي)، وسُلمت مناصفة إلى شخصين كانا قد خسرا عربتي "التكتك" خاصتهما في مواجهات أدت إلى حرقهما.

ماذا تقدم الإذاعة؟

تبث المنصة مباشرة لجمهورها في ساحة التحرير أخباراً في فترات محددة كغيرها من الوسائل الإعلامية، وتبدأ بثها صباحاً ببرنامج "صباحٌ في التحرير" الذي يتناول قضايا الساحة والتظاهرات، ويشجع على التعاون مع القوات الأمنية والحفاظ على السلمية والممتلكات العامة والخاصة.

وتختم اليوم عند التاسعة مساءً ببرنامج ترفيهي قوامه الشعر، ويتضمن وقتاً مخصصاً للحديث عن الضحايا الذين قضوا في المواجهات، ثم ينتقل إلى مواضيع ترفيهية، ومسابقات كـ"من هو أكثر شخص ساعد في إنقاذ الآخرين من قنابل الغاز المسيل للدموع؟".

يقول علي الذي خسر عمله الإعلامي بسبب مواقفه السياسية مؤخراً إن حلمه قد تحقق بقراءة نشرة الأخبار أمام الجمهور مباشرة، وذرفت عيناه الدموع أثناء الحديث عن مشهد بث أول نشرة إخبارية من "الإذاعة" أنصتت لها الجماهير لمدة 35 دقيقة، معلقاً: "كان شيئاً من الخيال، شعرت أنني مذيع من الشعب وأنفذ أجندة الشعب وما يريده الشعب لا ما تريده سياسات الوسائل الإعلامية".

من يموّل "إذاعة التحرير"؟

منذ انطلاقتها، اتُهمت الإذاعة والعاملون بها بأنهم ممولون من جهات داخلية، ويذكر علي اسم "التيار المدني" كجهة ألصقت بالإذاعة تهمة الحصول على تمويل منها، بينما هو لا يعرف التيار ولم يلتق من قبل بأي من أعضائه، "إن كانوا موجودين"، حسب ما يعلق.

ويشير علي إلى أن "المقبولية في ساحة التحرير ووقوف المتظاهرين مع الإذاعة وفريقها يظهران أننا مدعومين من قبل الفقراء"، موضحاً أن عدد العاملين في المنصة نحو 25 متطوعاً، وكل واحد منهم يضع في صندوق مخصص، مبلغاً وقدره 5000 دينار يومياً لمن يستطيع ذلك.

وتُستخدم الأموال في دفع إيجار المعدات ومساعدة أي شخص يحتاج أجرة للتنقل والذهاب إلى منزله من العاملين في الإذاعة.

رسالة

لا تبدو الإذاعة في نهجها موجهة ضد الحكومة أو الأجهزة الأمنية، بل تعمل على رص الصفوف وتنشر الوعي ضد عمليات التخريب. ورغم عدم تفاؤل مؤسسها بإمكانية استمرارها كمنصة شعبية، وتأكيده أنها قد تنتهي مع انتهاء التظاهرات وتحقيق المطالب كشرط أساسي، إلا أنه يراها كصرخة ألم صدحت من وسط التحرير لتؤكد أن صوت المطالب المحقة أعلى من أي صوت.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard