ثقافة الرعب... كيف يزرع السياسيون الخوف في نفوسنا؟

الثلاثاء 29 أكتوبر 201911:47 ص

بعد محاولات عديدة من الطبقة السياسية لكمّ الأفواه وذرِّ الرماد في العيون، استفاق المواطن اللبناني من سباته وبات يحاسب ويجرؤ على قول "لا" بالفم الملآن لجميع من يحاول إسكاته وقمعه وسلب أحلامه وانتزاع حريته، وعليه قام برفع صوته والتمرّد على وضعه المعيشي الصعب حتى استعادة "إنسانيته".

وتجسدت "النقمة الشعبية" بانتفاضات تمتدّ على مساحة الوطن، وتهدف إلى كسر حاجز الخوف الذي لطالما حاولت الطبقة السياسية زرعه في نفوس المواطنين، عن طريق تخويفهم من بعضهم البعض، ومن إقدام القوى الأمنية على اعتقالهم وزجّهم في السجن وإسكات شغفهم والقضاء على طموحاتهم، حتى اقتنعوا لسنوات بأن الحلّ الوحيد يكون عبر التزاحم على أبواب السفارات الأجنبية، سعياً وراء الهجرة وإيجاد فرص حياتية أفضل في بقعة جغرافية أخرى.

لا للخوف

لطالما اعتدنا في أوطاننا العربية على خطابات التهويل والتخوين والممارسات المجحفة بحق الأشخاص الذين يعبرون عن رأيهم بشفافية، وأولئك الذين يحاولون كسر القيود عن طريق التمرّد على الطبقة السياسية والتشريعات الدينية، فيكون مصيرهم الاعتقال والتعذيب والضرب حتى لا يعيدوا الكرّة، غير أن السجن ليس فقط عبارة عن جدران وقضبان، إنما يتمثّل بجعل المرء سجيناً دائماً لمخاوفه.

وما إن بدأت الانتفاضة اللبنانية تشق طريقها حتى حاول السياسيون امتصاص غضب الشارع وإخماد الثورة، عن طريق اتباع مبدأ التخويف والتحذير من حدوث فتنة وفوضى، في حال أصرّ المتظاهرون على البقاء في الشارع، إلا أنه ومن خلال وحدته والتحامه، وجّه الشعب اللبناني رسالة قوية لجميع المسؤولين: "لم نعد نخافكم ونخاف من تهديداتكم المبطنة... ارحلوا عنّا".

لطالما اعتدنا في أوطاننا العربية على خطابات التهويل والتخوين والممارسات المجحفة بحق الأشخاص الذين يعبّرون عن رأيهم بحرية، وأولئك الذين يحاولون كسر القيود عن طريق التمرّد على الطبقة السياسية والتشريعات الدينية
"كل يلّي عم يعملوه المسؤولين اللبنانيين هلق إنو يخوفونا من المجهول والفراغ ومن الفتنة... بس كل هيدا عالفاضي نحنا وعينا وما بقا في شي بيخوفنا أو برجعنا لورا"... الخوف لا يضمن توفير الحلول للمشاكل بل فقط يلغي قدرة الخائفين على التفكير المنطقي

يشير المهندس إيلي الحلو (35 عاماً) إلى أن الانتفاضة التي يشهدها لبنان ساهمت في تقريب اللبنانيين من بعضهم البعض وجعلتهم كياناً واحداً، فكسرت حاجز الخوف من الآخر: "بسبب الأفكار الخاطئة التي ترسخت في ذهننا منذ سنوات والطائفية المتجذرة فينا. كنّا نخشى من بعضنا البعض، أما اليوم فلم تعد المناطق رهن الانتماءات السياسية والدينية والطائفية"، ويضيف لرصيف22: "بطل في شي إسمو مسيحي ومسلم ودرزي، كلنا لبنانيي وقلبنا عالبلد".

وبدورها تعتبر ميرنا، وهي شابة تعمل في إحدى الشركات، أن المسؤولين لطالما حاولوا العزف على وتر الطائفية، غير أن هذه الطريقة في التفكير بدأت تختلف خاصة لدى جيل الشباب، وفق ما توضحه لرصيف22: "كتير خوّفونا من بعضنا ومشيوا على مبدأ (فرّق تسد)، بس الجوع والفقر والحرمان مش محصورين بطائفة وحزب، هيدي الهموم عم نتشارك فيها كلنا بغض النظر عن ديننا وخلفياتنا ووضعنا الاجتماعي"، وتضيف: "نحنا تعبنا وما بقا في شي نخسرو، وكل يلّي عم يعملوه المسؤولين هلق إنو يخوفونا من المجهول والفراغ ومن الفتنة... بس كل هيدا عالفاضي نحنا وعينا وما بقا في شي بيخوفنا أو برجعنا لورا".

وبالرغم من رفضها تقاذف الشتائم والتطاول على السياسيين، إلا أن ميرنا تؤكد أن حاجز الخوف انكسر من اللحظة التي بدأ فيها البعض بـ"تسمية" الزعماء في العلن: "مين كان يتصور إنو يجي نهار ويجيبوا فيه سيرة (الأمين العام لحزب الله) حسن نصر الله بالنبطية أو (وزير الخارجية ورئيس التيار الوطني الحر) جبران باسيل بالبترون أو (رئيس الحكومة) سعد الحريري ببيروت؟ نحن رافعين شعار (كلّن يعني كلّن) وهيدا دليل على إنو بطلنا نخاف من حدا لو مين ما كان يكون".

جذور الخوف

في الواقع، الخوف قديم قدم الحياة، فهذا الشعور الحميمي والعاطفي متأصل بعمق في الكائنات الحية التي نجت من الانقراض.

بالعودة إلى التاريخ، نلاحظ أنه لطالما جرى التعويل على عامل الخوف لتهديد الآخرين وتعزيز سيطرة الزعماء على القبائل، فالخوف هو عبارة عن أداة قوية، وعند تطبيقه على القضايا الاجتماعية والسياسية المعقدة، يمكن أن يطمس الحسّ المنطقي لدى البشر، وأن يؤثر على سلوكهم وتصرفاتهم.

قد يكون هذا السبب الذي يدفع الساسة إلى التركيز على أسلوب التخويف والتهويل والترهيب في خطاباتهم، فما على الشعب سوى اختيار سبب للذعر حتى ينكب السياسيون على العزف على وتره: الإرهاب، اللاجئون، الركود الاقتصادي، الحرب الأهلية، الفراغ، الفوضى...

وإذا قمنا "بتشريح" صورة السياسي، نلاحظ أن لغة الجسد تلعب دوراً هاماً في قراءة "نوايا" صاحبها، فمن خلال رفع الإصبع عالياً والنبرة الحازمة والنظرات المباشرة التي تخرج منها شرارة التحدي، يمكن التماس حالة الخوف التي يحاول بعض السياسيين بثَّها في الرأي العام، ناهيك عن الكلمات الرنانة والرسائل المبطنة التي تلعب على وتر العصبيات وتثير القلق من المجهول.

كيف يعمل الخوف في نفوس البشر؟

"لا تخف، الخوف لا يمنع من الموت ولكنه يمنع الحياة"، يقول نجيب محفوظ في "أولاد حارتنا".

في تركيبتنا البيولوجية كبشر نجيد التقاط الإشارات والعلامات التي تشير إلى كل ما يهدد رفاهيتنا، وكآلية دفاع تم اللجوء إلى الخوف لتحسين فرصنا في البقاء، خاصة عندما كان الإنسان الأول يطارد فريسته ويحاول حماية نفسه من الحيوانات المفترسة. واليوم في ظل وتيرة الحياة المتسارعة، لا يزال الخوف يجعلنا عرضة للتلاعب ويؤثر على جسمنا، بمعنى آخر، عندما نخاف فإن وظائف جسمنا تعمل كما لو كنّا نواجه تهديداً جسدياً، فيستعدّ جسمنا لعملية "القتال أو الفرار" عن طريق إطلاق الكورتيزول (هرمون الإجهاد) وضخ الأدرينالين حتى نتمكن من الاستجابة للخطر، ونتيجة لذلك يمكن للقلق الدائم والخوف أن يغيّرا بنية الدماغ وكذلك التحكم في الدافع.

في كتابه Underpinnings of Emotional Life The Emotional Brain: The Mysterious يكشف عالم الأعصاب جوزيف لودو عن كيفية عمل الخوف على مستوى اللاوعي.

يخبر لودو قصة الطبيب كلاباريد، الذي كان يعالج مريضة فقدت القدرة على خلق ذكريات جديدة بسبب إصابتها في الدماغ، وفي كل مرة كان يجتمع فيها الطبيب مع مريضته، كانت الأخيرة تتصرف على أساس أن هذا هو اللقاء الأول بينهما، وفي إحدى الجلسات قرر كلاباريد أن يقوم بالحيلة التالية: صافح يد المريضة بينما كان يضع مسماراً صغيراً في راحة يده، وفي الجلسة الثانية لم تتعرف المريضة عليه ولكنها رفضت هذه المرة مصافحته، ما يؤكد أن الخوف يعمل في منطقة "اللاوعي".

في سياق متصل، يعتبر الخوف من أهم عوامل تشتيت الذهن وتشويه التفكير، فمن خلال خلق حالة طوارىء في أنفسنا، يصرف الشعور بالخوف انتباهنا عن الحقائق التي يجب أن نبني عليها قراراتنا الواعية، وأمام خطر محتمل نستجيب فوراً وفق نظرية "القتال أو الفرار"، من دون أن يكون لدينا متسع من الوقت للتفكير بعقلانية، فنتخذ قرارات سريعة وعشوائية.

ففي دراسة نشرها معهد ماكس بلانك للتنمية البشرية، اتضح أن عدد الأشخاص الذين قضوا بسبب حوادث السير في الولايات المتحدة الأميركية، في الأشهر الثلاثة التي أعقبت هجمات 11 أيلول/ سبتمبر، زاد، ورجح محللون أن هذه الزيادة سببها أن مواطنين كثراً اختاروا القيادة بدلاً من الطيران، بسبب التخوّف من هجوم إرهابي آخر، غير أن خوفهم من الموت تسبب في موتهم.

واللافت أن الخوف يعزّز الخوف، بحيث يمكن للمواطنين أن يجدوا أنفسهم في حلقة مفرغة وربما تحمل الكثير من العنف، فعلى سبيل المثال، في المجتمعات التي تحاول زرع الخوف من الأقليات أو من بعض الأعراق، فإن ذلك قد يؤدي إلى النتيجة التي يتم التخوف منها، بحيث تتعزز الصور النمطية وتصبح الخشية أمراً واقعياً، وعليه تتصاعد التوترات لدرجة تندلع فيها الصراعات ما يعزّز المخاوف التي نشأت في البداية.

والجدير بالذكر أن الأشخاص الذين يعمدون إلى إخافة الناس لاتخاذ القرارات، لا يتوصلون في أغلبية الأحيان إلى تقديم حلول ناجحة، فالاستماع إلى السياسيين وهم يحذرون من الإرهاب ومن اندلاع الحرب الأهلية لا يضمن أن يتمكنوا من توفير حلول فعالة لمثل هذه القضايا المعقدة، بل على العكس سيكون الخوف كافياً لشلّ قدرة الناس على التفكير بشكل منطقي.

على غرار المخدرات، يمكن القول إن الخوف يعمل خارج الإرادة الواعية بحيث لا يختلف الأمر عن "تخدير" شخص ما للاستفادة منه، وبالتالي فإن ترويج الخوف من أجل النهوض بالأجندات السياسية أو دعم مشاريع السياسيين يشكل إساءة للمشاعر وجريمة ضد فكر الإنسان.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard