شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
المُبتعثون السعوديون في الولايات المُتحدة: الحكومة تُراقب جميع تحرّكاتنا

المُبتعثون السعوديون في الولايات المُتحدة: الحكومة تُراقب جميع تحرّكاتنا

سياسة

الخميس 21 مارس 201904:00 م

"حينما وصل الطالب السعودي البالغ من العُمر 26 عاماً لأوّل مرة إلى حرم كُليّة ميدويست في الولايات المُتّحدة قبل سنتين، كان يتطلّع إلى التعرّف على أصدقاء جُدد، والتدرب على التفكير بطريقة مُختلفة، وتنظيم الفعاليات داخل الحرم الجامعي، ولكنّه على عكس زملائه، لم يُسمح له بالتحدث بحُريّة".

بهذه المُقدّمة نقل موقع PBS NewsHour الأمريكي الثلاثاء مُعاناة الطلبة السعوديين المُبتعثين كاشفاً تجسس الحكومة السعودية عليهم في الولايات المُتحدّة وفقاً لمُقابلات أُجريت مع ثمانية طلاب سعوديين حاليين وسابقين وخُبراء أمنيين.

"على عكس زملائه، لم يُسمح له بالتحدث بحُريّة"

قال الطلبة إن الحكومة السعودية راقبتهم عن كثب حين قرروا السفر للدراسة في الولايات المتحدة، مُضيفين أن العقوبات المفروضة على مُنتقدي السعودية أثناء ابتعاثهم "قاسية"، وشملت تجميد جوازات السفر، والتهديدات بالقتل، وسحب المنح الدراسية، ومحاولة إعادتهم إلى المملكة، فيما تنفي الحكومة السعودية مُراقبتهم أو محاولة إعادتهم.

يقول المتحدث باسم السفارة السعودية في واشنطن، فهد ناظر، إن الغالبية العُظمى من الطلبة المُبتعثين إلى الولايات المُتحدّة يعتقدون أنها "تجربة إيجابية"، كما وصفهم "بالسفراء غير الرسميين"، لافتاً إلى أن مُعظمهم يعود إلى المملكة للمُساهمة في تطويرها” على حد قوله.

وبالتزامن مع تصريحه، كشف الطالب الذي التحق بجامعة ميدويست، ويُفضّل عدم ذكر اسمه خشية المُلاحقة، إنه في أحد نشاطات الجامعة عام 2017، أخبره طالب سعودي بأنه يحضر رفقة شخص آخر بهدف تقديم تقرير إلى السفارة والحكومة السعودية.

وأكّد في حديثه مع PBS NewsHour أن “للسعودية جاسوساً أو اثنين داخل كل منظمة طلابية نُشارك فيها"، مُضيفاً أن السفارة السعودية تتواصل مع هؤلاء الطلبة (الجواسيس) وتطلب منهم تقريراً شاملاً حول "كل ما يُقال" في أي فعالية . وبحسب الطلبة الثمانية الذين أجريت معهم المُقابلات، تسعى الحكومة السعودية في عهد محمد بن سلمان “إلى التأكد من أن الطلاب على دراية بأنهم تحت المراقبة".

سيطرة كاملة

يذكر التقرير أن هُناك مئات المنظمات الثقافية التي يقودها الطلبة السعوديون في الولايات المتحدة، وهي مُنظمات تقول الملحقية الثقافية السعودية إنها "سفارات للمملكة" يقودها "سفراء غير رسميين"، فيما يؤكد الطلبة أن هذه النوادي (المنظمات الثقافية) تخضع لسيطرة السفارة السعودية بالكامل.

ويوضح أنه يتوّجب على الطلبة الحصول على إذن من السفارة لتتمكن المنظمات الطلّابية السعودية من تنظيم أي فعالية بشكل رسمي، مُضيفاً "سواء كنت تقرأ الكتب أو تلعب كرة القدم، يجب أن يكون لديك إذن من الملحقية الثقافية السعودية في الولايات المتحدة".

ولفت إلى أنه في حال تنظيم مؤتمر أكاديمي، تحتاج المنظمة الطلابية إلى إذن من السفارة قبل ثلاثة أشهر على الأقل ولذلك "أُلغيت كُل الفعاليات التي أردنا إقامتها في الحرم الجامعي"، بحسب قوله.

الأمر ليس جديداً

في عام 2016، تمت دعوة عبد الله العودة، وهو طالب في جامعة جورج تاون ونجل الداعية سلمان العودة المعتقل في السجون السعودية، للتحدث في فعالية نظمها نادي الكتاب في الحرم الجامعي، وبحسب التقرير، اقترب منه شخص وأخبره أن الملحقية الثقافية بواشنطن كلّفته تقديم تقرير شامل، مُحذراً إياه من انتقاد السعودية، كما أخبره بأن طالباً آخر في الفعالية سيقدم كذلك تقريراً للملحقية الثقافية.

وتعقيباً على مُراقبته، يقول العودة إن الحكومة السعودية "تُراقبهم" لتعرف رأي السعوديين في الحكومة والسياسة الخارجية السعودية في الولايات المتحدة، بينما ينفي المتحدث باسم السفارة السعودية في واشنطن أي محاولات من الحكومة للتجسس على الطلاب قائلاً "الادعاءات التي تقول إن الملحقية الثقافية السعودية تأسست بغية جمع معلومات استخبارية في بلد كبير جداً كالولايات المتحدة أمر سخيف للغاية".

وكان العودة يتابع تعليمه في عام 2015 بمنحة سعودية في جامعة بيتسبرغ، و"دون أي إنذارات"، ألغت الحكومة السعودية منحته وطلبت منه العودة للمملكة لحل المسألة.

يقول العودة إنه كان يعلم بأنه "فخّ" للعودة إلى المملكة ومُحاسبته على "تعليقات قالها وأُخرى نشرها على مواقع التواصل الاجتماعي"، وهو ما دفعه لرفع دعوى قضائية ضد وزارة التعليم لاستعادة المنحة الدراسية، وكان قد فاز بها العام الماضي، لكنه لا يزال ينتظر الحصول على أمواله.

"لا حدود أمامهم..يستطيعون الوصول إليك في أي مكان" كيف تراقب السعودية حركات وسكنات مبتعثيها في الولايات المتحدة؟
"للسعودية جاسوس أو اثنان داخل كل منظمة طلابية نُشارك فيها" يقول طالب سعودي في الولايات المتحدثة، مُضيفاً أن السفارة السعودية تتواصل مع هؤلاء الطلبة (الجواسيس) وتطلب منهم تقريراً شاملاً حول "كل ما يُقال" في أي فعالية .
العقوبات المفروضة على الطلبة السعوديين مُنتقدي السعودية أثناء ابتعاثهم "قاسية"، شملت تجميد جوازات السفر، والتهديدات بالقتل، وسحب المنح الدراسية، ومحاولة إعادتهم إلى المملكة.

استخدام المال لإسكاتهم

ويقول طُلاب آخرون إن السعودية تستخدم المال كوسيلة ضغط لإسكاتهم، من بينهم الطالب في جامعة سان دييغو عبد الرحمن المطيري الذي تلقّى اتصالاً في شهر أغسطس الماضي من المتحدث باسم السفارة في مدينة فيرفاكس في فرجينيا مُخبراً إياه: "توقف عن انتقاد الحكومة السعودية وإلا فسنضطر إلى أخذ كل شيء منك".

وتعقيباً على ذلك، يقول المطيري إن "الطلبة السعوديين الذين يدرسون في الولايات المتحدة يخافون من التعبير عن آرائهم حتى خارج حرم الجامعة" مؤكداً: "لا أحد يستطيع انتقاد الحكومة، ولا توجد فرصة ثانية. إن قاموا بإلغاء منحتك الدراسية، فقد انتهى الأمر".

"توقف عن انتقاد الحكومة السعودية وإلا فسنضطر إلى أخذ كل شيء منك"

وكان قد طُلب من المطيري أن يتوقف عن انتقاد المؤسسة الدينية في السعودية على مواقع التواصل، موضحاً أنه تلقى اتصالاً من مسؤول الملحقية الثقافية السعودية ليخبره بضرورة التوقيع على التعهد وإلا فسيتم إلغاء المنحة الدراسة وتعليق جميع استحقاقاته، وهو الأمر الذي يُشبهه بـ "الكابوس" لكل طالب سعودي، لافتاً إلى أن الملحقية الثقافية السعودية تستخدم هذه الطريقة لابتزازهم.

وأشار المطيري إلى أنه وقّع على التعهد خشية أن تُسحب منه المنحة الدراسية، ويضطر إلى العودة إلى المملكة لكنه استمر بالنقد ليتلقى بعدها رسالة إلكترونية تخبره أن المنحة توقفت.

طيف خاشقجي

بعدها بنحو شهر، نشر المطيري فيديو يتحدث فيه عن دور الحكومة السعودية في مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي وتقطيع جثته، وهو ما دفع الحكومة لتطلب من عائلته "وقف الدعم المالي عنه والتواصل معه" كونه "معارضاً سياسياً".

صلاحية جواز سفره كانت على وشك الانتهاء قبل حادثة خاشقجي بسنة، وتحديداً في أكتوبر 2017، وحينما تقدم بطلب تجديده للسفارة، ردت عليه قائلة إنه لا يستطيع تجديده دون العودة إلى المملكة.

وفي الشهر ذاته تلقى رسالة من زميل سعودي، سأله عما إذا كان يريد العودة إلى السعودية ليسلّم على عائلته، وحينما رفض هدده بأنه سيعود سواء أحب ذلك أم لا. وأخبره زميله أيضاً أنه اتصل بوزارة الخارجية لإجباره على العودة بصفته "مواطناً سعودياً".

وفي السياق ذاته، يقول الباحث في قسم الشرق الأوسط في منظمة هيومن رايتس ووتش، آدم كوغل، إنه تلقّى اتصالاً الخريف الماضي من أستاذ بجامعة جونز هوبكنز عبّر من خلاله عن استيائه لتلقي أحد طلابه رسالة نصية من السفارة السعودية تطالبه بالابتعاد عن الأحداث "المعادية للسعودية".

ويدرس نحو 60 ألف سعودي في الولايات المتحدة حالياً، 40 ألفاً منهم بمنحة دراسية من وزارة التعليم في السعودية كاملة الرسوم الدراسية، إلى جانب تأمين صحي وراتب شهري.

البيت الأبيض على دراية

يقول العميل السابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي FBI، فرانك مونتويا، الذي شغل منصب مدير مكتب الهيئة الوطنية لمكافحة التجسس بين 2012 و2014 إن المملكة "تتخذ من قبول البيت الأبيض العلني لمُمارساتها فرصة للقيام بما تريد في الوقت الذي تختاره، ويشمل ذلك ما تفعله داخل الولايات المتحدة".

ولفت إلى أن حادثة مقتل خاشقجي دليل على أن السعودية "تتجاوز المعايير الراسخة والمعمول بها".

وقال مونتويا "لا يمكن للسعوديين قتل صحافي مُقيم في الولايات المتحدة إن لم يكونوا على دراية بأنهم يستطيعون الإفلات من العقاب في ظل حكم الرئيس ترامب".

الحلّ

يقول آدم كوغل إن "الحكومة السعودية لن تحظى بدعم حكومة الولايات المتحدة إلى الأبد"، مُضيفاً أنها تصنع أعداء، من بينهم الكونغرس، الذي قد ينقلب ضدها".

ولفت إلى أن الحكومة السعودية لن تحظى بدعم من رئيس آخر مثل ذلك الذي حصلت عليه في عهد ترامب الذي لم يتبقّ لإدارته الحالية "سوى سنوات محدودة".

"لا حدود أمامهم..يستطيعون الوصول إليك في أي مكان"

أما الطلبة، فأكّدوا في ختام التقرير أن "لا مهرب من مُراقبة المملكة إذ يقودها محمد بن سلمان الذي لا يخضع لرقابة الولايات المتحدة".

"لا حدود أمامهم..يستطيعون الوصول إليك في أي مكان.. هذه هي الرسالة التي وصلت لجمال خاشقجي: سنصل إليك في أي مكان"، يقول عبدالله العودة.

Website by WhiteBeard