"الإمبريالية والهشك بشك"... حكايات الرقص الشرقي والتحرر والعيب والحرام

الاثنين 31 يناير 202208:01 م

فيما عجت مواقع التواصل الاجتماعي في مصر مؤخراً بأخبار مُدرسة الدقهلية التي رقصت في رحلة مع زملائها وباتت بعد تلك الواقعة مادة خام للتنمر على السوشيال ميديا، بعد أن دشن لها الجميع المحاكم الأخلاقية الواحدة تلو الأخرى، كانت الباحثة شذى يحيى تُحضر للجزء الثانى من كتابها "الإمبريالية والهشك والبشك" والذي غاص الجزء الأول منه في تاريخ الرقص الشرقي.

بدأت رحلة شذى مع الكتاب من خلال الراقصة السورية فريدة مظهر والتي ألهمتها لتبدأ أول السطور في رحلتها البحثية المثيرة.

قالت لنا شذى عن بداية تأليف الكتاب: "في إكسبو شيكاغو 93 18 كان من المفترض أن تكون هناك راقصات يمثلن مصر في الجناح المصري بأمريكا، فتم نشر إعلا،ن وكان من ضمن المتقدمات لهذا الغرض السورية فريدة مظهر، والتي سافرت إلى أمريكا، وأبهرت الجميع، ونجحت في نشر ثقافة الرقص الشرقي، ولذا تم تكريمها في المعرض المئوي لشيكاغو باعتبارها شخصية عامة مهمة، ولها مكانة في المجتمع، وهنا لفتت نظري علاقة الشرق بالغرب في ما يخص الرقص الشرقي".

"اكتشفت أنه حصل نوع من التبادل الثقافي بين مصر والعالم كله من خلال الرقص والراقصة، وهو ما كان له تأثير على الأزياء والثقافة وحركات التحرر النسوية والأدب والفن والتاريخ والمسرح بصور متفاوتة"

وتابعت: "أنا مثلاً لم أكن أعرف أن الرقص الشرقي معروف في أمريكا وأوروبا منذ القرن الـ19، وأنه كانت أماكن مخصصة لممارسته هناك. ومن هنا بدأت أتتبع القصة بشكل منهجي، واكتشفت أنه حصل نوع من التبادل الثقافي بين مصر والعالم كله من خلال الرقص والراقصة، وهو ما كان له تأثير على الأزياء والثقافة وحركات التحرر النسوية والأدب والفن والتاريخ والمسرح بصور متفاوتة. كما وصلت إلى أن حلم المرأة الشرقية تشكل بطريقة ما في الثقافة الغربية بعد عصر الثورة الصناعية عن طريق الراقصات، لأن الراقصة كانت المرأة الوحيدة التي كان متاحاً للأجانب رؤيتها في مصر، حينما حدث الاحتكاك بيننا وبينهم، منذ بداية الحملة الفرنسية وحتى بدايات القرن الـ21، فبالتالي كان الرقص حلماً لدى كثير من النساء وقتها".

الكتاب تناول فكرة التهميش المزدوج، حيث نظرة الغرب للراقصة الشرقية علي أنها سيئة السمعة، فيما لم يتجاوز المجتمع العربي تلك النظرة، بل زاد عليها بمجموعة من المحاذير في إطار التعامل مع الراقصة الشرقية.

عن اسم الكتاب "الإمبريالية والهشك بشك"، وما يمكن أن يحيل القراء إليه تقول شذى: "الكتاب له عنوان جانبي (تاريخ الرقص الشرقى)، وفي الداخل تعريف للإمبريالية وشرح لمعنى (هشك بشك) باللغة العربية وفي المعنى الدارج. وفي المقدمة وضعت تعريفاً لنظرة الشرق للغرب من خلال الراقصة وعلاقة مجتمعات المركز بمجتمعات الأطراف من خلال رحلة الراقصة من البداية، حيث انتشرت فكرة عالم الغوازي، إلى نفيهن في إسنا في عصر محمد علي، وخروجهن من إسنا للخرطوم في السودان".


"من ثم تطرقت إلى أنْ كيف باتت الراقصة كالأسطورة المحرمة التي يركض وراءها الرحالة في كل مكان من أجل أن يشاهدوها أو أن  يعرفوها، وبعد ذلك يختلقون حكايات عنها، فتكوّنت هالة حول الراقصة الشرقية وكأنها شخصية خرافية شريرة ومغرية ومثيرة. والغريب أنه حتى اليوم مازال الغرب محتفظاً بنظرته الأولى للرقص الشرقي والراقصة، رغم أن البعض يعتبر الرقص الشرقي نوعاً من أنواع الرياضة، وفي دول أخرى يوضع الرقص ضمن قائمة الأعمال التي يجب التأمين على أصحابها. أما في ثقافتنا الشعبية فلم نكسر بعد فكرة المجتمع الأبوي الذكوري البطريركي، فالفكر الذكوري هو الذي يضع التقاليد والحرام والعيب".

تستشهد شذى بما جرى مع مُدرسة الدقهلية وتقول: "هناك خط رفيع بين العام والخاص، وللأسف نحن نتجاوزه كثيراً، وربما وسائل التواصل الاجتماعي هى من ساعدت على ذلك، وجعلتنا نحكم على الناس ونتحامل عليهم، وربما يصل الأمر إلى حد التنمر عليهم، تماماً كما حدث مع تلك المُدرسة، مع العلم أن الناس كلهم يرقصون في حفلات الزفاف في المدن والأرياف والحضر، ولكن كما قلت إن الخلط بين العام والخاص يسقط دائماً على الجانب الأضعف الذي هو المرأة، خاصة إن كانت تعمل في الترفيه والفن، كالممثلات، والراقصات. هناك مثلاً تحية كاريوكا وسامية جمال ونعيمة عاكف، كنّ مؤثرات وناجحات على المستوى العملى أو الإنساني، لكننا تعودنا للأسف على أن نعمم الجانب السيء".

من خلال الكتاب صححتْ أيضاً شذى يحيى القاعدة التي تقول إن الراقصات الأجنبيات لم يعرفن الطريق إلى القاهرة إلا مؤخراً.

تقول: "لا طبعاً؛ في كل العصور كانت هناك نماذج لراقصات أجنبيات، رغم أن الرقص الشرقي مصري بالأساس، والرقص عموماً موجود منذ الفراعنة، لكن مع بداية انتشاره كانت هناك مصريات يمارسن الرقص الشرقي، وفي فترة مارسته النساء الأرمينيات؛ كيتي مثلاً في الأربعينيات والخمسينيات. كما كانت أختان مشهورتان جداً ذهبتا إلى هوليود، واشتغلتا هناك. الرقص عموماً ظاهرة ثقافية، ولذلك لا يمكن أن نخلعها من المجتمع".

الكاتبة شذى يحيى تعود بالتاريخ إلى الوراء لتكشف عن تفاصيل يجهلها الكثيرون عن عالم الراقصات

كما ردت أيضاً على ما يدعى بأن شارع "عماد الدين" كان المركز الرئيسي للرقص الشرقي منذ البداية، حيث قالت: "بالنسبة لي كانت الأزبكية ووش البركة هما المركز، وكانا سابقين لشارع عماد الدين. ثم نقلت بديعة مصابني المركز إلى حي الدقي بمحافظة الجيزة، ومنه إلى شارع الهرم بنفس المحافظة".

تعود شذى بالتاريخ إلى الوراء لتكشف لنا عن تفاصيل يجهلها الكثيرون عن عالم الراقصات وتروي: "الرقص الشرقي عموماً كان ينقسم إلى "عوالم" و"غوازٍ". العوالم موجودات في البيوت، ولم تكن أي منهن تظهر أمام الرجال، فيرقصن أمام السيدات فقط، أما الغوازي فكانت قبائل من الغجر تمشي في الشارع، تتسول بالغناء والرقص، وقد ذكرهم الجبرتي، وتحدث عنهم كُتّاب الحملة الفرنسية. العوالم كن محترمات جداً ولهن مدرسة، ويمكن القول إن العصر الذهبي للرقص الشرقي بدأ فعلاً مع وجود اللبنانية بديعة مصابني في مصر منذ العشرينيات إلى السبعينيات من القرن الماضي".

وعن فترة تهجير الراقصات تستكمل شذى يحيى: "في عهد محمد علي، وجد الباشا أنهن يحدثن مشاكل كثيرة بين العسكر والجيش، حيث كانت خيام الراقصات للزبائن المحتملة تنصب جنب معسكرات الجيش والعكسر، وكان العسكريون يشربون ويسكرون، فكان محمد علي يخاف من أن تخرج الأمور عن سيطرته. والسبب الثاني هو أن الراقصات الغوازي كن يقمن بتعلیم (الإتيكيت) لسيدات الطبقات الراقية، بما فيه كيفية التعامل والتكلم والغناء والرقص. ولذلك کنّ يدخلن البيوت بسهولة، وأصبحت لدى مجتمع الصفوة مخاوف من أن تدخل الغوازي بيوتهم، وينقلن ما يرونهه داخل البيوت إلى خارجها، ما كان يمكن أن يسبب لهم المشاكل. فتم أخذ قرار تهجيرهن، إلا أن محمد علي جعلهن أشهرَ من الهرم وعملهن أشهر دعاية، لدرجة أن الأجانب كانوا يستقلون مراكب في النيل، في رحلات محفوفة بالمخاطر كي يشاهدوا الراقصات الشرقيات".

بين صفحات الكتاب برز اسم "شوشو البارودي" التي رقصت "من أجل الحلفاء ونجاح الديمقراطية" وعنها قالت لنا شذى: "الراقصات في الماضى كانت لهن آراء سياسية، مثل حكمت فهمي التي كانت تتجسس للنازيين ودخلت السجن، لكن شوشو (كانت بتاكل عيش)".

في رحله الإعداد للكتاب صادفت شذى يحيى كثيراً من المفاجآت في ما يخص الرقص الشرقي، وهو ما فسرته لنا: "فوجئت بمدى التأثير على الحركة النسائية في الغرب، ومدى التأثير على الملابس التي نرتديها اليوم"

في رحله الإعداد للكتاب صادفت شذى يحيى كثيراً من المفاجآت في ما يخص الرقص الشرقي، وهو ما فسرته لنا: "فوجئت بمدى التأثير على الحركة النسائية في الغرب، ومدى التأثير على الملابس التي نرتديها اليوم. أقصد الملابس التي ابتدعوها للراقصة، حيث لم تكن كما نراها اليوم، وكانت عبارة عن جيب أو سروال مع بلوزة بصدر مفتوح قليلاً وقبعة. وقتها لم يتقبل الناس هذا الشكل، فبدأ الرسامون الفرنسيون يغيرون في شكل ملابس الراقصات، ثم تطورت تلك الملابس أكثر من مرة، حيث دخل عليها تأثيرات من وسط آسيا ومن الهند. والسيدات في بدايات الحركة النسائية في أوروبا، قبل الحرب العالمية الأولى بدأن يعارضن جداً فكرة الكورسيهات والملابس المشدودة، لأنها كانت تجعل حركتهن أصعب، وتؤثر عليهن في التنفس، وعندما خرجت السيدات وقتها للعمل اكتشفن أن الملابس تُصعب من حركتهن".

"ورأت هؤلاء النساء أن الراقصات في الشرق متحررات أكثر منهن، حتى مع وجود الحجاب، ومن هنا بدأت السيدات المتحررات في أوروبا في ارتداء الملابس بدون الكورسيه واستعملن أشياء أخف، مستوحاة من الشرق، وهذا كله جاء من زي الراقصة الشرقية. هذا التأثير أكثر ما أصابني بالدهشة. كذلك ترك الرقص الشرقي تأثيراً كبيراً في الفن التشكيلى والأدب والأزياء وغيرها، ولكن للأسف هذا التأثير كان مردوده خارجياً فقط. أما في مصر فقد بقي الرقص الشرقي مجرد (هز بطن)".

لإنجاز الكتاب استعانت شذي بإصدارات ومراجع أجنبية لسبب بسيط، هو كما فسرته لنا: "ليست في مصر كتب ومصادر إلا  كتاب جليل البندارى (راقصات مصر... السيرة الذاتية للراقصات من الدرجة الأولى)، وللأسف لدينا مشكلة في نوع من الدراسات التي تُسمى (دراسات التابع). هذا النوع من الدراسات تتحدث عن المهمشين. علينا نحن تسجيل التاريخ بوقائعه الكبيرة أو بشخصياته، مثل مذكرات سامية جمال وتحية كاريوكا، لكن الموضوع ليس له صوت كبير في التاريخ سواء الرقص الشرقى أو غيره".

تجهز شذي يحيى حالياً لجزء ثانٍ من الكتاب، غالباً سيكون بنفس العنوان "الإمبريالية والهشك بشك"، لكنه لن يكون له علاقة بتاريخ الرقص الشرقى، وإنما سيدور حول الحياة الليلية والسرية في مصر وآثارها على المجتمع والتاريخ في الوقت الراهن.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard