حين فجروا المدينة: بيروقراطيّة الموت المؤجّل عمداً

الثلاثاء 3 أغسطس 202110:32 ص

"بيروت- بعد عام"، خمسة أفلام قصيرة من إنتاج IMS وبيروت DC يروي فيها خمسة سينمائيين لبنانيين شهاداتهم بعد عام من الانفجار الذي دمر بيروت في الرابع من آب عام 2020. الأفلام الخمسة تُعرض على منصة أفلامنا ضمن برنامج "عن مساحة الكارثة والتعبير" وتُنشر للمرة الأولى من خلال رصيف22.

أمضى جوزف ما يزيد عن التسعة أشهر كي يؤكد للمؤسسة البيروقراطية في بيروت أن والدته مينيرفا، قضت ضحية في انفجار بيروت المشؤوم، تسعة أشهر كافكاويّة بين أخذ ورد، وصد ودفع، يتخللها الغضب والخيبة لأجل نيل الاعتراف من مؤسسة كانت وما زالت مرتبكةً، مُقصرةً، وحائرة في تعريف من قضوا، هل هم ضحايا، شهداء، موتى، أضرار جانبيّة؟

معاناة جوزيف وغضبه تتكشف أمامنا في فيلم "مينيرفا" من إخراج لوسيان بورجيلي، الذي نسترق فيه السمع والنظر إلى مينيرفا وآخر كلماتها، وبعض من تفاصيل حياتها، ذكرى مؤلمة تستفز المسامات وتنادي الحنق، خصوصاً حين يتتبع ابنها جوزيف آخر خطواتها قبل الانفجار الذي أودى بحياتها.

معاناة جوزيف، الذي أمضى ما يزيد عن التسعة أشهر كي يؤكد للمؤسسة البيروقراطية في بيروت أن والدته، قضت ضحية في انفجار بيروت المشؤوم، تتكشف أمامنا في فيلم "مينيرفا" للوسيان بورجيلي

مينيرفا واحدة من كتلة بشريّة لا نعرف عددها بدقة، إذ يكشف لنا الفيلم عن الصعوبات البيروقراطيةّ ونظام الاعترافات المعقد الذي يجب الدخول فيه من أجل استخراج وثيقة وفاة لمن قضوا بوصفهم "ضحايا الانفجار"، فالأمر الذي من المفترض أن يكون أوتوماتيكياً، يتحول، حسب تعبير جوزيف، إلى "رسالة دكتوراة"، إذ على الواحد أن يبرهن أن من قضى ضحيّة الانفجار.

لكن، كيف نبرهن ذلك؟ هل الصورة التي التقطها جوزيف لوالدته مدماة ومرمية بين الحطام تكفي؟ لا، هل المنزل المدمر وما فيه من زجاج وخراب يكفي؟ أيضاً لا.

يشير جوزيف إلى الإشكاليّة التي ترتبط بوضعية مينيرفا، هي لم تذكر كواحدة من أول الضحايا، ما ترك موتها مؤجلاً، هذه المماطلة البيروقراطيّة، تعيق أولاً تحقيق العدالة، خصوصاً أن لا أرقام رسمية عن عدد الضحايا في الانفجار، تعليق الاعتراف هذا، يحول النسيان إلى أداة سياسيّة، تساهم في إغفال فئة كبيرة ودفعهم خارج مساحة المطالبين بحقهم، ناهيك أنها تهدد شكل الحداد، وتوزع الذنب عوضاً عن توجيهه نحو المتهمين.

تأجيل الموت هذا هو موت آخر يصيب من نجا، مفهوم إيجاد الدليل والإثبات ليس مهمة الأفراد، خصوصاً حين يحاول ابن إثبات أسلوب وفاة والدته، متتبعاً تفاصيلها وصورها، كيف يمكن أن يحتمل عقل وقلب إنتاج "اليقين" بلحظة الموت وأسلوبه؟

يحاول جوزيف التماسك خلال الفيلم، تأسره المعاملات البيروقراطيّة، تؤجل حداده وتراكم الحزن داخله، يلملم مقالات كتبت عن والدته ووثائق رسميّة وكأن من قضى جزء من أحجية لابد من إكمالها. الأمر أشبه بمن يصفع مراراً حد التخدير، يتلقى الصفعة وراء الأخرى من تلك المؤسسة التي لا تبالي، ولا لوم لموظفيها، بل "نظامها" بأكملها، الذي يلوم الميت نفسه على "حياته" لزمن أكثر من المفترض قبل رحيله، كم هو قاس أن نقول لو أن مينيرفا قضت مباشرة لكان إثبات موتها كضحية أسهل.

يكشف لنا فيلم "مينيرفا" عن الصعوبات البيروقراطيةّ ونظام الاعترافات المعقد الذي يجب الدخول فيه من أجل استخراج وثيقة وفاة لمن قضوا بوصفهم "ضحايا الانفجار"، فالأمر الذي من المفترض أن يكون أوتوماتيكياً، يتحول إلى "رسالة دكتوراة"

نشاهد جوزيف في الفيلم القصير يعلق صورة والدته إلى جانب صور الضحايا، كي لا تُنسى حسب تعبيره، لكن حين نرى وجهها بين أوجه من قضوا يمكن القول إنها اكتسبت حياة أخرى، تترفّع عن الأوراق الرسمية والأشخاص وتنضم إلى "مانا" المدينة، تلك الطاقة الممزوجة بالغبار والأنفاس والأشلاء، والتي تحفّز الجميع وتشحذ هممهم (كحالة جوزيف نفسه)، والأهم، تذكر من سيأتي لاحقاً، أن هذا الهواء مزيج من نترات وضحايا وغضب، بانتظار أن يُصبّ على كل من كان له يد فيما حصل.

المرعب حين نشاهد الفيلم وحين نعلم أن هناك من النترات ما سرق أو أخفي أو قذف للبحر، أن هناك احتمالات بكارثة أخرى، قد تودي بكل من تبقى، كارثة لن تترك أحداً ليطالب بـ"موت" من قد يرحلون، ربما جوزيف وغيره، ممن فقدوا من يحبون مهددون أيضاً، أولئك الذين لا نعرف أسماءهم، والذين كمن قضوا في الانفجار، موتهم مؤجل، فلا أوراق رسميّة قادرة على الاعتراف بأن هؤلاء على وشك الموت.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard