"أريد قهوتي أو أرتكب جريمة"... عن إدمان الكافيين وكيفية التخلص منه

الجمعة 16 أكتوبر 202006:25 م

"لا أستطيع أن أركز من دون فنجان القهوة الصباحي"، "نهاري ما ببلش صح من دون القهوة عالريق"، "أول شي بعملو وقت أوعى الصبح أني بحط ركوة القهوة على النار"، "الصبحية لا تكتمل من دون رائحة القهوة المنعشة"، "أريد قهوتي حالاً وإلا أرتكب جريمة".... هذه بعض العبارات التي نسمعها على لسان أشخاص يعشقون القهوة لحدّ الإدمان، فيحتسون مشروبهم المفضل بشراهة وبكميات كبيرة، وهم غالباً ما ينتقلون من القهوة في فترة ما قبل الظهر إلى الشاي بعد الظهر، ويعرجون على المشروبات الغازية ومشروبات الطاقة في المساء.

أما في حال تأخروا ولو قليلاً عن "موعدهم" مع الكافيين، فإن "العقاب" يكون على شكل صداع وآلام في الرأس، بالإضافة إلى تقلب حاد في المزاج ونوبات قلق وتوتر...

عالم الكافيين

توجد مادة الكافيين، وهي مادة بيضاء، طبيعياً في أكثر من 60 نباتاً، بما في ذلك حبوب القهوة، أوراق الشاي وحبوب الكاكاو المستخدمة في صنع الشوكولا.

تختلف كمية الكافيين بحسب الأطعمة والمشروبات، فبالنسبة للشاي والقهوة فإن نسبة هذه المادة تعتمد على العلامة التجارية، نوع الحبوب والأوراق المستخدمة، طريقة تحضيرها ومدة نقعها، كما تحتوي أغلب المشروبات الغازية على الكافيين، ونذكر منها مشروبات الطاقة التي تحظى بشعبية كبيرة لدى المراهقين/ات، وتتراوح كمية الكافيين فيها من 60 إلى 250 ملغ.

"القهوة أولاً" ليست مجرد اقتباس مطبوع على الفناجين أو القمصان العصرية، بل هو أسلوب حياة بالنسبة للكثيرين، الذين يعتبرون أن احتساء فنجان القهوة في الصباح الباكر هو من أجمل اللحظات في اليوم

واللافت أن الكافيين هو من العناصر الرئيسية في الكثير من المنشطات والمنبهات التي لا تتطلب وصفة طبية، بحيث تعمل هذه المادة على تقليل التعب وزيادة الانتباه واليقظة وتزويد الجسم بالطاقة.

يبدأ الشعور بآثار الكافيين بعد 15 دقيقة من تناوله، ويصل إلى ذروته بعد نحو ساعة من تناوله ويستمر مفعوله لعدة ساعات، وينخفض أثره إلى النصف بعد 6 ساعات، هذا وقد يستغرق الأمر 10 ساعات تقريباً للتخلص تماماً من الكافيين من مجرى الدم.

القهوة أولاً

في العام 2017، كشف موقع Indy 100 عن أكثر الدول استهلاكاً للقهوة في العالم، وتبيّن أن لبنان يتصدر المركز الأول عربياً، بحيث يتجاوز معدل استهلاك اللبنانيين الـ 4.8 كيلو سنوياً للفرد، يليهم الفلسطينيون بمعدل 3.8 كيلو ثم الجزائريون بمعدل 3.5 كيلو.

لا شك أن القهوة حاضرة بقوة في يومياتنا، ولعلّ عبارة "القهوة أولاً" ليست مجرد اقتباس مطبوع على الفناجين أو القمصان العصرية، بل هو أسلوب حياة بالنسبة للكثيرين، الذين يعتبرون أن احتساء فنجان القهوة في الصباح الباكر هو من أجمل اللحظات في اليوم، بحيث يستعدّ الجسم والعقل بهدوء لتحديات النهار، على غرار ما قاله الشاعر الكبير محمود درويش: "القهوة هي القراءة العلنية لكتاب النفس المفتوح والساحرة الكاشفة لما يحمله النهار من أسرار".

إدمان الكافيين

بينما يبدو أن احتساء القهوة هي عادة صحية وغير مضرة، بخاصة وأن العديد من الأبحاث ركزت على تأثير هذا المشروب على المرء من الناحية الجسدية، بما في ذلك محاربة السرطان وأمراض القلب والأوعية الدموية والصحة العامة، فضلاً عن تأثيراته النفسية، كالنظر بإيجابية إلى الأمور والتقرب من الآخرين ودوره في نسج المشاعر الدافئة، فإن شرب القهوة بكميات زائدة، خاصة إذا كان ذلك يترافق مع احتساء سوائل أخرى، مثل الصودا ومشروبات الطاقة، بشكل منتظم، قد يؤدي إلى الإفراط في استهلاك الكافيين والاعتماد عليه، ما قد يكون له آثار سلبية كبيرة على الجسم.

بمعنى آخر، فإن الاستهلاك المفرط للمشروبات التي تحتوي على كافيين، قد يتحول مع الوقت إلى إدمان يصعب التخلص منه.

فما هي العلامات التي تدل على الإفراط في استهلاك الكافيين؟

صداع مزعج: في حال غادرتم/نّ المنزل على عجل من دون أن يتسنّى لكم/نّ احتساء القهوة في الصباح، وبدأتم تعانون من صداع مزعج وألم شديد في الرأس، فقد يكون هذا مؤشراً على إدمان الكافيين.

وجدت دراسة أجرتها كلية الطب في جامعة جونز هوبكنز، أن ما يزيد قليلاً عن 50% من مستهلكي القهوة المنتظمين أبلغوا عن صداع متوسط إلى حاد بعد تجنبهم الكافيين ليوم واحد فقط.

في هذا السياق، شرح الدكتور راي ساهيليان، مؤلف كتابي Mind Boosters وThe Stevia Cookbook عن الصداع الذي يرافق الشخص المدمن على الكافيين: "يرتبط صداع الكثير من الناس باستهلاكهم للكافيين، والذي غالباً ما يكون على شكل قهوة وشاي ومشروبات غازية وشوكولا وأدوية"، مشيراً إلى أن "الكافيين يشبه إلى حد بعيد في تركيبته مادة كيميائية أخرى في أجسامنا تسمى الأدينوزين، التي تتمثل إحدى وظائفها بتوسيع الأوعية الدموية في الرأس، في حين أن الكافيين يمنع هذا التمدد. وبالتالي عندما يتم التوقف عن استهلاك الكافيين، يكون جسم البعض مفرط الحساسية للأدينوزين والأوعية الدموية سوف تتمدد، ما يسبب صداعاً شديداً.

تسارع دقات القلب: في حال كان قلب المرء يدق عند المرور بالقرب من قهوته المفضلة، أو لمجرد التفكير في ذلك الفنجان الذي تنبعث منه رائحة البن المنعشة، فهذا يعني بأنه وقع في حب الكافيين، ولكن إذا تطورت الأمور وشعر حرفياً بقلبه ينبض بعد ارتشاف القهوة، فقد يكون منخرطاً في علاقة ضارة وسامة مع مشروبه المفضل.

بحسب مركز القلب والأوعية الدموية في جامعة أيوا، فإن الكافيين هي مادة ترتبط بشدة بخفقان القلب: "بعض الناس حساسون لأي كمية من المنشطات، لكننا بدأنا نشهد المزيد من خفقان القلب المرتبط بالكافيين، عندما أصبحت المشروبات التي تحتوي على الإسبريسو، مثل الكابتشينو واللاتيه، شائعة في التسعينيات".

نوبات القلق والتوتر: في حال كنتم من الأشخاص الذين يشعرون بالقلق والتوتر بشكل مستمر من دون أن يكون هناك سبب واضح لذلك، فالسبب قد يكون في القهوة.

في هذا الصدد، أوضح الدكتور راي ساهيليان أن بعض الناس حساسون جداً للكافيين، ويصابون بالتململ والتهيج والقلق حتى من كوب واحد من القهوة العادية المحتوية على الكافيين، مشيراً إلى أن هناك أفراداً يشعرون بالقلق حتى ولو كانوا يحتسون قهوة منزوعة الكافيين، سواء كان ذلك بسبب بقايا الكافيين أو الثيوبرومين.

وعليه، إذا لاحظ المرء أنه يشعر بالضيق بعد الكوب الثاني، فهذا يعني بأنه ينبغي تخفيض الكمية المستهلكة من الكافيين، والوضع في الحسبان المشروبات الأخرى التي يتناولها على مدار اليوم، على غرار المشروبات الغازية التي قد تسبب بدورها خفقان القلب والقلق لدى الكثيرين.

الغضب: يزعم البعض بأنه غير قادر على التفكير والعمل قبل تناول قهوة الصباح، ولكن إذا كنتم من الأشخاص الذين يشعرون بأنهم مستعدون "لارتكاب جريمة" و"قتل" شخص ما في حال لم يحتسوا كوب القهوة الخاص بهم بعد، فقد يكون هذا مؤشراً خطيراً.

والحقيقة أن الكافيين منبه يؤثر بشكل كبير على الجهاز العصبي المركزي، كما وأنه يزيد من التمثيل الغذائي والطاقة، وهو ما يفسر سبب شعور البعض بتحسن كبير بعد شربه، فإذا كان هؤلاء في حالة مزاجية سيئة من دون الكافيين، فإنه من المحتمل أن يكون جسمهم قد بات يعتمد على المنشط ليشعروا بالرضا.

تعليقاً على هذه النقطة، قالت دانا هونز، اختصاصية تغذية في المركز الطبي في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس: "أنه يحفز مستقبلات الدوبامين في دماغنا، على غرار الكوكايين وعقاقير معينة أخرى، إنما ليس بنفس القدر تقريباً".

عدم القدرة على النوم: لا شك أن هناك سبباً ما يجعل الناس يشربون القهوة عندما يشعرون بالتعب.

والواقع أن الكافيين يعمل على رفع مستوى الأدرينالين في الجسم، ما يجعل المرء يشعر بمزيد من اليقظة والنشاط.

صحيح أن هذا الأمر قد يكون مفيداً في الصباح الذي يلي العطلة، ولكنه لن يكون مفيداً عندما نحاول الحصول على قسط من النوم بعد نهار طويل ومرهق.

من هنا أوضح الدكتور ساهيليان، أن تناول المشروبات التي تحتوي على الكافيين قبل النوم بساعات قليلة يعطل الساعة الداخلية للجسم، و"يمكن أن يتسبب ذلك في خمول يشبه اضطراب الرحلات الجوية الطويلة خلال ساعات النهار"، على حدّ قوله.

الحدّ من استهلاك الكافيين

في حين أن استهلاك الكافيين بشكل معتدل ليس ضاراً، إلا أن الوصول لحدّ الإدمان على هذه المادة ليس صحياً على الإطلاق.

لذلك، إذا كان اعتمادكم/نّ على القهوة أو الصودا يجعل مزاجكم/نّ متقلباً أو يسبب لكم/نّ الصداع أو أي آثار جانبية سلبية أخرى، فقد يكون الوقت قد حان للحدّ من استهلاك الكافيين، مع التشديد على أن يتم ذلك بشكل تدريجي، بخاصة وأن التوقف عن هذه المادة بشكل مفاجىء قد يسبب الأعراض التالية: الصداع، الإرهاق، صعوبة التركيز، آلام العضلات والغثيان، وهي تُعرف بـ "أعراض انسحاب الكافيين"، مع العلم بأنه كلما زادت كمية استهلاك الكافيين كلما زادت شدة أعراض الانسحاب، التي تبدأ بعد 12 إلى 24 ساعة من آخر جرعة كافيين وتستمر من يومين إلى 9 أيام.

 إذا كنتم من الأشخاص الذين يشعرون بأنهم مستعدون "لارتكاب جريمة" و"قتل" شخص ما في حال لم يحتسوا كوب القهوة الخاص بهم بعد، فقد يكون هذا مؤشراً خطيراً

وعليه، لتقليل استهلاك الكافيين، يجب خفض كمية القهوة والشاي والمشروبات الغازية ومشروبات الطاقة تدريجياً، واستبدالها بالماء الذي يعتبر خياراً صحياً، يخلص الجسم من الكافيين ويبقيه رطباً، هذا ويمكن الاعتياد تدريجياً على تناول القهوة منزوعة الكافيين.

سيساعد تقليل استهلاك الكافيين تدريجياً في غضون أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع على التخلص من إدمانه بنجاح، دون أن يكون هناك أعراض الانسحاب.

وهكذا، مع تقليل الكافيين نحصل على تركيز أفضل ونوم أحسن بالإضافة إلى الشعور بالراحة والهدوء.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard