أصل إخواني مشترك وعلاقات معقدة بإيران... ما الذي يجمع "الجهاد" و"حماس" وما الذي يفرقهما؟

الأربعاء 27 نوفمبر 201905:43 م

كان اغتيال القيادي البارز في "الجهاد الإسلامي" بهاء أبو العطا بغارة إسرائيلية على قطاع غزة مناسبة أظهرت خلافاً نادر الحدوث بين حركته وحركة "حماس"، إذ لم تشارك الأخيرة في "الرد على العدوان إلى جانب المقاومة تاركة إسرائيل تنفرد بها"، على حد وصف الكاتب الفلسطيني هاني المصري.

الحديث عن خلاف بين الحركتين برز جلياً في وسائل الإعلام الفلسطينية التي تحدث العديد من كتّابها عن وجود شرخ تقتضي أسبابه تمحيصاً دقيقاً، والعمل على تجاوزه قبل وقوع الفأس على الرأس، بحسب قول المثل.

ما الاختلاف بين الحركتين؟

تجمع حركتي "حماس" و"الجهاد" خلفيةٌ إسلامية واحدة، إذ خرجتا من رحم جماعة "الإخوان المسلمين"، لكن الاختلاف الجوهري بينهما ظهر في 3 قضايا، أولاها التعامل مع إيران، وثانيتها شكل القتال مع إسرائيل وثالثتها ممارسة العمل السياسي في الداخل.

يرجع هذا الاختلاف بين الحركتين إلى الرحم ذاتها – الإخوان المسلمين – حيث قررت مجموعة من الطلاب الفلسطينيين من "التيار الإسلامي" كانوا يدرسون في أواسط السبعينيات في جامعة الزقازيق في مصر تأسيس "جماعة جهادية جديدة".

سارع هؤلاء إلى تأسيس الجماعة الجديدة بحجة أن الجماعة الأم تأخرت في العمل العسكري، ولم تفصح عن برنامج لمقاومة الاحتلال باكراً أسوة بباقي الحركات والقوى الوطنية واليسارية التي كانت تتفرد بذلك في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي.

"بعد تأسيس حماس كذراع إخوانية ورثت الحركة كل هيكليات الإخوان في غزة والضفة كما ورثت الخلاف -لا سيما حول إيران - مع الجهاد".

هكذا انطلق الخلاف مع الإخوان على الأولويات والأهداف، فرأت "الجهاد" أن تحرير فلسطين يسبق النزاعات الداخلية التي انخرطت بها الجماعة وتركزت على إنشاء وحدة إسلامية، رافضة رؤية الأخيرة للقضية الفلسطينية بأنها إحدى المشكلات الفرعية للأمة، مؤكدةً أنها القضية الأم في نظر "الجهاد".

يتحدث الرئيس التنفيذي لمنتدى الشرق الأوسط للدراسات الإستراتيجية الدكتور عبد المهدي مطاوع لرصيف22، شارحاً أن "الجهاد" تأسست نتيجة انشقاق أفرادها عن الإخوان المسلمين بسبب عدم إقرار هؤلاء النضال ضد إسرائيل في السبعينيات وبداية الثمانينيات.

يلفت مطاوع إلى دور منظمة التحرير في هذا السياق، إذ يقول إن الأخيرة دعمت "الجهاد" وساندتها في مواجهة الإخوان بناءً على تعليمات من القيادي الراحل خليل الوزير المعروف باسم أبو جهاد.

ويضيف الباحث الفلسطيني مستذكراً لقاء أبو جهاد ومؤسس الحركة فتحي الشقاقي في القاهرة ومساعدته على إنشاء قناة اتصال مع إيران.

ويقول القيادي في "الجهاد" والمتحدث باسمها مصعب البريم لرصيف22 إن "الجهاد الإسلامي، كباقي الحركات الفلسطينية، ينتمي لقضيته، ونشأة الحركة جاءت عبر سلسلة تراكمية للعمل الوطني والبناء الثقافي والأيديولوجي، فيما استلهمت تجربة فصائل منظمة التحرير في مقاومة الاحتلال".

العلاقة مع إيران

يوثق باحثون في عدة دراسات الخلاف بين جماعة الإخوان والجهاد واتهام الأولى للثانية بالتشيّع والتحول إلى جسر لإيران في المنطقة، فضلاً عن اتهامها بتلقي الدعم من الحكومة الإيرانية والعمل على عرقلة مسيرة الحركة الإسلامية في فلسطين، إضافة إلى تهم عدم الصدقية والتحالف مع القوى العلمانية ضدها.

يقول مطاوع: "بعد تأسيس حماس كذراع إخوانية ورثت الحركة كل هيكليات الإخوان في غزة والضفة كما ورثت الخلاف -لا سيما حول إيران - مع الجهاد".

ويضيف الباحث الفلسطيني: "على الصعيد الفكري، تعتبر حماس حركة الجهاد خارج السنة وأقرب للشيعة، علماً أن أول بيان كانت حماس قد أصدرته ضد الجهاد حمل عنوان التحالف بين الشيعة والشيوعية في إشارة إلى الجهاد وفتح".

المتحدث باسم الجهاد يؤكد أن حركته تعلن دائماً افتخارها بعلاقتها بإيران، وتجزم أن الجمهورية الإسلامية هي الدولة الوحيدة التي تقدم مساعدات للشعب الفلسطيني والمقاومة. في المقابل، يشير إلى أن الجهاد لا تنخرط في أي صراع مذهبي، ولم تملِ عليها إيران أي شروط سياسية أو مذهبية.

يوثق "مركز واشنطن للدراسات" الخلافات التي نشبت بين الحركتين في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات، ويشير إلى أنها عائدة إلى حد كبير للاختلافات الأيديولوجية المتعلقة بتقارب الجهاد الإسلامي - ورفض حماس - للخمينية الإيرانية ومبدأ ولاية الفقيه.

و"في الثمانينات كان الصراع شديداً حول المساجد بين الحركتين إلى درجة الاشتباك بين عناصرهما، علماً أن هناك مسجداً في منطقة الزيتون في غزة تم قسمه جزءين وكانت تقوم فيه صلاتان وأذانان وفيه إمامان وجماعتان"، حسب مطاوع.

وإثر توقيع اتفاقات أوسلو عام 1993، انضمت حماس والجهاد إلى تحالف القوى الفلسطينية المتمركز في دمشق، واضعتين خلافاتهما جانباً، حسب "مركز واشنطن للدراسات"،

وعام 1995، انضمت حماس إلى الجهاد في إنشاء مقر عملياتها في دمشق - كان مكتبها السياسي في عمان آنذاك- ثم قامتا معاً بطلب من إيران وتسهيل من حزب الله بالتنسيق حول الأنشطة.

وقال المركز إن أكثر فترات التوتر وضوحاً بين حماس والجهاد كانت بين عامي 1994 و1995 عندما دخلت الجهاد في المنافسة في مجال نشاط الرعاية الاجتماعية، وباتت تدير عدداً صغيراً من منظمات الدعوة التي توفر الدعم اللوجستي والمالي والشعبي للحركة. في تلك الفترة، اتهمت حماس الجهاد بنسب عمليات جهادية لمقاتليها بينما كانت هي الأصل في تنفيذها.

تجمع حركتي "حماس" و"الجهاد" خلفيةٌ إسلامية واحدة، لكن الاختلاف بينهما ظهر في 3 قضايا: التعامل مع إيران، شكل القتال مع إسرائيل، العمل السياسي في الداخل... قراءة في الاختلاف بين الحركتين الخارجتين من رحم الإخوان
حاولت إسرائيل مؤخراً اللعب على وتر الخلاف بين "الجهاد الإسلامي" و"حركة حماس"، في وقت سعى الطرفان للتأكيد على صعوبة الشقاق بينهما... عودة إلى تاريخ نشوء الحركتين ونقاط الاختلاف بينهما في السياسة والمقاومة

وفقاً للمركز الأمريكي، عقب انهيار مفاوضات السلام واندلاع انتفاضة الأقصى في سبتمبر/أيلول 2000، ضغطت إيران على حماس والجهاد للعمل معاً على نحو أكثر ترابطاً من قبل.

وفي العام التالي، أظهرت وثيقة مؤرخة في تشرين الثاني/أكتوبر 2001 أن رئيس الأمن الوقائي الفلسطيني جبريل الرجوب أطلع ياسر عرفات على معلومات تشير إلى "عقد اجتماعات مكثفة في دمشق، يشترك فيها قادة حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وحزب الله في محاولة لزيادة الأنشطة المشتركة بدعم مالي من إيران".

وخلال اجتماع للعشرات من ناشطي حماس المسؤولين عن الدعاية في تشرين الثاني/ أكتوبر 2004، استهجن عضو "مجلس شورى حماس" فتحي حمد العلاقة الحميمية للجهاد مع حزب الله وإيران، مشتكياً بمرارة من هيمنة دعاية الجهاد الإسلامي.

إلا أن هذا الموقف قد تبدل وفقاً لما جاء على لسان المتحدث باسم حركة حماس فوزي برهوم في حديثه لرصيف22، إذ قال: "لم يعد هناك أي خلاف حول إيران، فإيران تدعم مقاومة شعبنا وتساهم في تعزيز صموده وتطوير قدراته".

وفي الإطار نفسه، يعتبر مطاوع أن الجهاد معروفة بتميّز علاقتها مع إيران، إلا أن حماس حظيت في السنوات الأخيرة بدعم مادي وعسكري أكبر من الجهاد ويعود ذلك إلى رغبة إيران في الحفاظ على حضور لدى السنة، وتحديداً داخل جماعة الإخوان، وذلك عبر حماس، لذلك تحافظ على علاقة رئيسية معها.

خلاف على التهدئة

القضية الخلافية الجوهرية بين حماس والجهاد هي أن الأخيرة ترفض في مبادئها وشعاراتها مسألة التهدئة مع الاحتلال حتى يتم زواله، لذا تظل أي تفاهمات أو اتفاقات لحركة حماس مع إسرائيل عُرضة للانهيار والتخريب بسبب عدم تقيّد الجهاد بها.

وكانت إسرائيل قد بررت اغتيال أبو العطا بأن نشاطه يهدف إلى إحباط جهودها مع حماس من أجل ترسيخ تهدئة أمنية في غزة.

وحول هذه النقطة، يلفت المتحدث باسم الجهاد إلى أن فكر الحركة قائم على المواجهة وعلى إبقاء الصراع مشتعلاً وليس على التهدئة التي قد تكون استثناءً، مضيفاً أن هناك اتفاقاً مع حماس على بقاء إستراتيجية المقاومة باعتبارها الخيار الأساسي.

ويضيف البريم: "نشعر بخطر وجود قوة اقليمية تريد أن تحوي حماس من خلال النفوذ وتقديم المال، وهو مخطط معروف لتصفية المقاومة، لذلك نحن في الجهاد سنكون شوكة في حلق هذه المؤامرات للحفاظ على نسيج المقاومة".

في هذا السياق، يشرح مطاوع أن الجهاد أكثر تشدداً في رفضها أي شكل من أشكال التصالح أو التعامل مع الإسرائيليين، لاعتقادها أنها تخالف تماماً صحيح نص القرآن، مضيفاً أن الخلاف الأخير بين الحركتين يندرج في إطار أن حماس بدأت تفاهمات سرية مع الاحتلال".

وكانت حماس قد نشرت عام 2017 وثيقة المبادئ والسياسات العامة، ومن أبرز بنودها قبول الحركة بقيام دولة فلسطينية على حدود الرابع من يونيو 1967 من دون التنازل عن كامل فلسطين، لكن ما سرعان ما أعلنت الجهاد رفض الوثيقة.

في المقابل، ينفي المتحدث باسم حماس وجود خلاف حول التهدئة والمواجهة، مضيفاً أن التنسيق بين الجانبين كان ولا يزال في أفضل صورة على كل الأصعدة السياسية والعسكرية والأمنية والإعلامية، وسيعمل الجانبان على تطوير العلاقة وتعزيزها.

الممارسة السياسية

من المبادئ التي نشأت عليها الجهاد كان امتناعها عن العمل السياسي حتى زوال الاحتلال، لذا عُرف عن الحركة حيادها في الانقسام بين حماس وفتح منذ عام 2007، وهذا ما منحها رصيداً شعبياً على حساب الجانبين المتنافسين في غزة والضفة الغربية.

ويشير البريم إلى أن موقف الجهاد الرافض للدخول في العملية السياسية والسلطة ثابت، وقناعة الحركة تتمثل في الامتناع عن ممارسة العمل السياسي حتى زوال الاحتلال، فيما تبقى الأولوية لقتاله إذ إنه بعد التحرير يمكن الحديث عن بناء منظومة الدولة لأن الاحتلال مسؤول عن التعطيل.

ويردف: "ما يميز الحركة أيضاً حفاظها على خطاب وحدوي، ويُشهد لها على طهارة سلاحها في الانقسام وطهارة خطابها وحفاظها على مسافة من الجميع تقوم على الوحدة الوطنية، لذلك كانت جزءاً من الحل ولم تكن ولن تكون جزءاً من العقدة".

في الموازاة، يعلق مطاوع بأن الجهاد أحدثت بعض التغييرات السياسية في دعمها للانتخابات خلافاً لموقفها السابق، مضيفاً "أعتقد أن هذا الموقف مرجعه إيران التي لا تمانع أن يكون هناك اتفاق مع أمريكا سيكون جزءٌ منه تفاهمات حول الجهات التي تدعمها إيران في المنطقة".

أما المتحدث باسم حماس فيزعم أن حركته لا تفرض على أي فصيل كيفية تعامله مع الفصائل الأخرى، وأن "الجهاد الإسلامي له طريقته في التعامل مع باقي الفصائل وهذا متروك لقيادته التي لها دور كبير في تقريب العلاقة بين حماس وفتح وجهود المصالحة وتحقيق الوحدة".

بدوره، عاد المتحدث باسم الجهاد ليؤكد أن "الجهاد تثمن مواقف السلطة لتعرية الاحتلال، لكن ترفض مواقفها على المستوى الوطني بشأن قطع مرتبات بعض الموظفين والشهداء والأسرى، لأن ذلك يستهدف فكرة النضال، ونطالبها بإلغاء قراراتها وتبني خطاب تصالحي لمواجهة الاحتلال".

هل هناك مخاوف من اقتتال بين الحركتين؟

عام 2013، اندلعت أزمة بين الجانبين عندما قتلت الشرطة التابعة للحكومة التي تديرها حماس أحد قادة الجهاد الميدانيين، واعتدى عناصرها على القيادي البارز محمد الحرازين أثناء مشاركته في جنازة تشييع المجنى عليه.

"حماس لن تذهب بعيداً في الاقتتال مع الجهاد حتى تحصل على بديل من إيران يدعمها مادياً وعسكرياً وفي الوقت نفسه لن تسمح للجهاد بتخريب التفاهمات مع اسرائيل".

أما في الظروف الحالية، فيرى مطاوع أن "حماس لن تذهب بعيداً في الاقتتال مع الجهاد حتى تحصل على بديل من إيران يدعمها مادياً وعسكرياً وفي الوقت نفسه لن تسمح للجهاد بتخريب التفاهمات مع اسرائيل".

ويقول المتحدث باسم حماس: "العدو الصهيوني هو المتضرر الوحيد من وجود علاقة قوية ومتينة بين مكونات الشعب الفلسطيني، وتحديداً بين حركتي حماس والجهاد الإسلامي لما لهذه العلاقة من أثر كبير على طبيعة الصراع مع العدو الصهيوني".

ويضيف:" العدو سعى في أكثر من مرة إلى إحداث الوقيعة بين حماس والجهاد وفي التصعيد الأخير حاول دق إسفين بينهما، ولكن حالة الوعي التي وصلت إليها المقاومة في قوتها ووحدتها وفهمها أهمية هذه الوحدة في غرفة العمليات المشتركة فوتت الفرصة على العدو".

أما المتحدث باسم الجهاد فقال: "قد نختلف في إدارة المعركة إلا أننا متفقون على الخطوط العامة ومتحدون في مواجهة الاحتلال وسنحافظ على طهارة سلاحنا".

ما مواقف الحركتين من القضايا الإقليمية؟

يشير المتحدث باسم الجهاد إلى أن موقف الحركة في القضيتين السورية واليمنية كموقفها في باقي القضايا، وهو عدم التدخل في الشأن الداخلي للآخرين، وتدعو للحوار في جميع قضايا المنطقة وحقن الدماء، ولم تكن ولن تكون جزءاً من التعقيد الداخلي في أية دولة.

وفي حديثه عن الأزمة الخليجية، يقول :"نرفض أي حلف أو اصطفاف يؤدي الى التطبيع... لكننا نقف مع المستضعفين في المنطقة وندعمهم سياسياً ومعنوياً ونرفض تدخل دولة عربية في شأن أي دولة أخرى ونريد تأسيس قاعدة احترام".

أما المتحدث باسم حماس فيقول: "علاقتنا بأية دولة وقربنا منها يقومان على مدى قربها من القضية الفلسطينية ودعم شعبنا الفلسطيني وتعزيز صمود مقاومته الباسلة، لكننا لا نتدخل في الشؤون الداخلية لأية دولة ولسنا جزءاً من صراعات أو خلافات داخلية بين الدول".

وعن موقف حماس من النظام السوري الذي قطعت الحركة علاقتها به عام 2011، قال برهوم إن المعركة مع العدو في داخل فلسطين وليست خارج فلسطين، رافضاً الحديث بشكل مباشر عن مستقبل العلاقات مع دمشق.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard