يُسيطر على 700 قرية، ورواتب بعض عناصره من الحكومة... كيف تغلغل "العمال الكردستاني" في العراق؟

الاثنين 29 نوفمبر 202104:53 م

ما زال حزب العمال الكردستاني، المعروف باسم pkk، يشكّل حافزاً لتركيا التي تجاور العراق من الشمال، للتوغل أكثر داخل أراضيه، والسيطرة على بعض المساحات الحدودية، ودفع قوّاتها إلى التواجد أكثر في مناطق تابعة للإقليم الكردي، في شمال البلاد.

تعمل أنقرة وفقاً لمصادر حكومية عراقية، تحدثت إلى رصيف22، على إقناع بغداد بشنّ عمليات عسكرية ضد الحزب الكردي الموجود على أراضيها، أو الضغط عليه بأي وسيلة، لإخلاء المناطق التي يسيطر عليها.

لم تُصنّف السلطات العراقية الحركة الكردية المعارضة للنظام التركي، تحت أي تصنيف، على الرغم من وجود رفضٍ من قبل غالبية أكراد العراق الذين يطالبون بإبعادها خارج حدود البلاد، كونها "تشكّل توتراً وخطراً على المصالح الكوردية، والسلم المجتمعي، بين كورد العراق، كما أنها تضرّ بالعلاقات بين أربيل وأنقرة".

بدأ تواجد عناصر الحزب داخل الأراضي العراقية في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، عندما بدأ اقتتاله مع القوات التركية، ليتخذ ملاذاً آمناً في شمال العراق، في وقت كانت فيه القوات العراقية منشغلةً بحربها مع إيران.

يُعدّ الحزب الديموقراطي الكردستاني الذي يتزعمه مسعود بارزاني، أبرز الرافضين لوجود الـPKK في العراق، ويعتقد الحزب الذي يُعدّ أقوى الأحزاب الكردية العراقية، أن "حزب العمال الكردستاني يسبّب توتراً في العلاقة بين الأكراد وتركيا"، ومن هنا تبدأ عملية الرفض بالنسبة إليه.

بدأ تواجد عناصر الحزب داخل الأراضي العراقية في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، عندما بدأ اقتتاله مع القوات التركية، لذا ذهب في اتجاه أن يأخذ ملاذاً آمناً في شمال العراق، في وقت كانت فيه القوات العراقية منشغلةً بحربها مع إيران.

يقوم حزب العمال الكردستاني بعمليات عسكرية في جبال إقليم كردستان، يستهدف من خلالها القوات التركية التي تتوغل داخل الأراضي العراقية،. وفي أحيانٍ عديدة يشنّ هجماتٍ ضد قوّات حرس الإقليم، المعروفة بـ (البيشمرگة)

على الرغم من الرفض الكردي في كردستان، والحرب التي تُشنّ عليه من قبل الجيش التركي، يقوم حزب العمال الكردستاني بعمليات عسكرية في جبال إقليم كردستان، يستهدف من خلالها القوات التركية التي تتوغل داخل الأراضي العراقية. ولم يكتفِ بذلك، ففي أحيانٍ عديدة يشنّ هجماتٍ ضد قوّات حرس الإقليم، المعروفة باسم قوات (البيشمرگة)، وهي قوات عسكرية كردية مرتبطة بحكومة إقليم كردستان العراق.

في المقابل، تستمر العمليات العسكرية التركية في شمال العراق، لملاحقة عناصر الحزب، إذ تعلن وكالة الأنباء التركية (الأناضول)، بشكل شبه يومي، عن قتل عناصر من الحزب هناك.

 تستمر العمليات العسكرية التركية في شمال العراق، لملاحقة عناصر الحزب، إذ تعلن وكالة الأنباء التركية (الأناضول)، بشكل شبه يومي، عن قتل عناصر من الحزب هناك.

وفقاً لمعلومات حصل عليها رصيف22، فإن "حزب العمال الكردستاني يسيطر على نحو 700 قرية في إقليم كردستان العراق". هذه السيطرة دفعت مناهضيه من أكراد العراق، إلى تقليل مساحات نفوذه، وتقليص مناطق وجوده، وهذا بحدّ ذاته يؤشر إلى صعوبة إخراج هؤلاء المقاتلين الذين يعارضون أنقرة، من العراق، على المدى القريب".

يقول شاهو قرداغي، وهو باحث سياسي من إقليم كردستان العراق، لرصيف22: "وجود أي قوّة مسلحة داخل الإقليم، يقوّض سلطة القانون، خاصةً وأن حزب العمال الكردستاني هو حزب تركي، وليس عراقياً". ويضيف: "حزب العمال لا يراعي خصوصية أكراد العراق، وتجربتهم، ويحاول فرض رؤيته وأفكاره، مما يسهم في إضعاف هذا النموذج، وهذه التجربة الكردية المهمة".

استفاد حزب العمال من دخول تنظيم "داعش"، وسيطرته على مدينة الموصل، في حزيران/ يونيو 2014، ليوسّع نفوذه أكثر، مع اتساع رقعة الجماعات المسلحة التي قاتلت إلى جانب القوات العراقية في الحرب ضد "داعش"، والانشغال التام للحكومة آنذاك بملف القتال ضد التنظيم، لذا كانت فرصةً مناسبةً للمقاتلين الأكراد لضمّ مناطق نفوذ جديدة لصالحهم.

 "وجود أي قوّة مسلحة داخل الإقليم، يقوّض سلطة القانون، خاصةً وأن حزب العمال الكردستاني هو حزب تركي، وليس عراقياً"

خلال تلك الفترة، استفادت تركيا أيضاً من الواقع المُستجدّ، لتتوغل أكثر داخل الأراضي العراقية، حيث أنشأت قاعدة "بعشيقة" في محافظة نينوى. كانت فترة انشغال الحكومة العراقية بالحرب ضد "داعش" سانحةً لطرفي الصراع التركي.

في عام 2013، أعلنت الحكومة العراقية برئاسة نوري المالكي آنذاك، أن دخول مقاتلي حزب العمال التركي الكردستاني إلى أراضيها، انتهاك لسيادة العراق وأمنه، وقالت إنها ستتقدم بشكوى إلى مجلس الأمن ليمارس مهامه في الحفاظ على السلم والأمن الدوليين.

تقول مصادر عراقية كردية لرصيف22: "الحزب يمارس نشاطاتٍ تجاريةً، ويفرض سيطرته، ويمنع سلطات الإقليم من دخول بعض المناطق، وهو يقوّض سلطة المؤسسات الحكومية هناك"، وتضيف: "بعض عناصر الحزب يستلمون رواتبهم من الحكومة العراقية، وقوائم رواتبهم موجودة لدى الحكومة الاتحادية في بغداد".

يتمتع عناصر حزب العمال الكردستاني بقوّة قتالية كبيرة، وفقاً لمصدر أمني عراقي تحدث إلى رصيف22، مؤكداً أن هناك تنسيقاً بين بعض القوى الكردية والحزب، لكنه ليس دائماً إيجابياً. ويشير إلى أن "الحكومة العراقية لم تستفد من وجود الحزب أبداً".

يتمتع عناصر حزب العمال الكردستاني بقوّة قتالية كبيرة، وهناك تنسيقاً بين بعض القوى الكردية والحزب، لكنه ليس دائماً إيجابياً. ويشير إلى أن "الحكومة العراقية لم تستفد من وجود الحزب أبداً

ويتواجد حزب العمال الكردستاني في جبال "قنديل" في إقليم كردستان، وبعد دخول تنظيم "داعش" إلى مدينة الموصل في العاشر من حزيران/ يونيو 2014، سيطر على أجزاء من قضاء سنجار بعد تحريره عام 2017. ومعروف أن قضاء سنجار محاذٍ للحدود السورية، وهو معقل الإيزيديين، وهناك توسّع نفوذ الحزب التركي الكردي، وصارت الحدود مع سوريا ممراً يسيطر عليه، ويمارس فيه نشاطاتٍ تجاريةً، الأمر الذي أثار قلق تركيا أكثر.

لعب الحزب دوراً كبيراً في أزمة سنجار، بعد تحريرها من تنظيم "داعش" عام 2017، وسيطر عليها بالإضافة إلى جماعات مسلحة شيعية، على الرغم من وجود الجيش العراقي، وقوات البيشمرگة. وشكت حكومة الإقليم كثيراً من سيطرة الحزب على القضاء الذي يُعدّ متنازعاً عليه بين بغداد وأربيل.

وعلى الرغم من تواجدهما معاً في سنجار، إلا أن أي احتكاك لم يحدث بين الجماعات المسلحة الشيعية وحزب العمال، بل تشير مصادر تحدثت إلى رصيف22، إلى أن "علاقةً اقتصاديةً تربط بعض الجماعات بالحزب".

تنتقد أنقرة بشكلٍ مستمر الحكومة العراقية، بسبب تواجد عناصر الحزب داخل الأراضي العراقية، وتهدد بالتوغل أكثر لملاحقة الحزب الذي يعارضها، لكن يبدو أن الحكومة العراقية غير قادرة على فعل أي شيء، خاصةً وأن الحزب يوصف بـ"الشرس".

"بعض عناصر الحزب يستلمون رواتبهم من الحكومة العراقية، وقوائم رواتبهم موجودة لدى الحكومة الاتحادية في بغداد"

وبعد أن قام حزب العمال بعمليات عسكرية ضد قوات البيشمرگة الكردية في شمال العراق، وقتل عدداً من عناصرها، وجّه رئيس إقليم كردستان العراقي، نيجيرفان بارزاني، في حزيران/ يونيو الماضي، رسالةً إلى حزب العمال قال فيها: "يتوجب علينا جميعاً أن نقول بصوتٍ واحدٍ، وموقفٍ واحدٍ لحزب العمال الكردستاني، كفى عدم الاحترام لإرادة أهالي إقليم كردستان، ومؤسساته الشرعية، وعدم النظر إلى مصالح شعبنا".

وأضاف: "على حزب العمال إبعاد ذلك عن شعب كردستان، فهو يخوض حرباً لا طائل منها، وعليه الابتعاد عن أهالي الإقليم، وأن يحترم سيادة العراق، والإقليم، والسلطة الشرعية، وأن يلتزم بقوانين الإقليم، وألا يستمر في كونه سبباً لجرّ الجيوش، وإلحاق الخسائر والأضرار والمشكلات العسكرية، بشعبنا المبتلى أصلاً بالمشكلات والصعوبات".

وتعتمد تركيا في توغلها على اتفاقية (التعاون وأمن الحدود)، الموقّعة من الحكومة العراقية عام 1983، والتي تسمح لها بالتوغل داخل الأراضي العراقية بعمق خمسة كيلومترات، من دون إبلاغ بغداد، لكنها اليوم تتوغل لأكثر من 80 كيلومتراً، حسب مصادر عراقية.

تعتمد تركيا في توغلها على اتفاقية (التعاون وأمن الحدود)، الموقّعة من الحكومة العراقية، والتي تسمح لها بالتوغل داخل العراق بعمق 5 كيلومترات، من دون إبلاغ بغداد، لكنها اليوم تتوغل لأكثر من 80 كيلومتراً

يقول الخبير الأمني، فاضل أبو رغيف، لرصيف22: "عند دخوله إلى العراق، عقد الحزب شراكات مصالح، وكان دوره دفع القطعات العسكرية التركية للدخول إلى الأراضي العراقية"، ويضيف: "استُعين بالحزب من قبل أطراف سياسية عراقية، لمحاربة الإرهاب، لكنه شكّل قلقاً للعلاقات العراقية التركية، والحكومة العراقية أدرجته على لوائح الإرهاب، وعلاقته الآن متوترة مع بغداد، وأغلب الأطراف السياسية رافضة لوجوده".

يمتلك الحزب مناطق نفوذ واسعة تخضع لسيطرته، ويمنع دخول السلطات الكردية إليها، وهو ما يعني أن الحزب فرض نفسه كأحد موازين القوى في العراق، على الرغم من أنه ليس عراقياً.

ووفقاً لتقارير حكومية عراقية سرّية تدرس تواجد حزب العمال الكردستاني في العراق، اطّلع رصيف22 على جزء منها، فإن "الحزب قلّص من الأهداف التي كان يطمح إلى تحقيقها في ثمانينيات القرن الماضي، والمتعلقة بإقامة دولة كردستان (كردستان العراق وتركيا وسوريا وإيران)، إلى ما يُسميه الدفاع عن الحقوق الكوردية"، ويبرر الحزب تواجده في العراق، بالدفاع عن "قضايا الكرد".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard