حزب الله وألمانيا... مفارقات الحنين والسياسة

الأحد 10 مايو 202011:51 ص

كانت الساعة تشير إلى التاسعة والنصف صباحاً، وكان يوم أربعاء من أحد أيام العام 2013. درجات الحرارة نزلت إلى الصفر من دون أي أمطار. يوم عمل عادي، في طقس عادي، في مدينة تبدو الحياة فيها عادية أيضاً.

بعد ست محطات، أو ربما سبع، نزل حسن من المترو الأصفر. أخذ الدرج صعوداً، ثم انحرف إلى اليمين، بعد مئة متر تقريباً، قبل أن ينحرف مرة ثانية إلى اليسار، ومثلها إلى اليمين، ثم مشى إلى آخر الشارع المحاط بمبانٍ من الحجم نفسه، ولكنها لا تبدو مأهولة بالدرجة ذاتها. لا يثير ذلك أي اهتمام، لأن المشهد عادي، وهذا مكان العمل.

هناك في برلين، يصرف حسن وقته تحت الأرض، في عمل شرعي تماماً: تخزين قطع السيارات وتوضيبها، قبل شحنها إلى سيراليون لمصلحة تجار لبنانيين يوزعونها هناك. فور وصوله، رفع الباب الحديدي للكاراج بقوة، فأحدث صلصلة تواصل أثرها بضعة ثوانٍ. ظهرت حيطان المحلّ تدريجياً. قذفت الشمس أشعتها على صورة كبيرة: أمين عام حزب الله حسن نصر الله وهو يبتسم. انصرف لقضاء يوم عمل عادي، أما الابتسامة فبقيت مصوّبة باتجاه الطريق.

بعد 25 عاماً قضى حسن معظمها في شمال الراين، قبل أن ينتقل إلى برلين، لم يجد صورة يعلّقها على حائط الكاراج إلا صورة أمين عام حزب الله. ربما مجرد حنين، وربما أكثر بقليل. فهو في ذلك مثله مثل غالبية المهاجرين.

اللبنانيون يتحدثون عن الدين العام وعن احتمالات عودة الحريري وعن هفوات جبران باسيل. لا يشغلهم فعلاً من سيخلف أنجيلا ميركل. العراقيون يفكرون بأخبار العراق أيضاً. السوريون، رغم ما حلّ بهم من قتل وتهجير بسبب النظام، انشغلوا أخيراً بالخلاف بين بشار الأسد ورامي مخلوف، أكثر من انشغالهم بكثير، من التفكير بمستقبل الحزب الديموقراطي المسيحي في ألمانيا. الحنين يلازم المهاجرين.

بهذا المعنى، من حق حسن، أن ينشغل باهتمامات خاصة، لا تمليها عليه شروط "الاندماج" المتكبّرة. بقليل من الشاعرية، يمكن أن نقول إن لديه "الحق في الحنين". وبكثير من الجدية، وبفرضية تنطلق من اعتبارات جيوسياسية منطقية، يمكن أن نقول إن من حقه رفض التحوّل إلى "مخبر محلي"، بالمعنى الذي يتحدث عنه حميد دباشي.

وبين الشِعر والجد، يمكن أن نسأل لماذا نصر الله، وليس أي أحد آخر؟ حسن، عندما فتح باب الكاراج، لم يفكّر بالأسئلة أو بالأجوبة. هو يدفع الضرائب، ويحترم القانون، ويلتزم جميع شروط الدولة بصيغتها "العقلانية". حتى أن ألمانيا نفسها كانت موافقة على ذلك.

ألماني مع البرازيل

في زياراته القليلة، اكتشف "حسن الألماني"، كما يلقبه أهل القرية في لبنان، أن الأقرباء المقيمين في قرية جنوبية بعيدة، يتحمسون لتشجيع منتخب ألمانيا لكرة القدم أكثر منه، بل يتحمسون لتشجيع ألمانيا أكثر من تشجيع لبنان. صدمهم عندما قال بعربية متكسرة إنه مع البرازيل. اكتشف أيضاً أنهم وَرِثوا أعلاماً لألمانيا من آبائهم الذين شجعوها منذ أيام الهجرة التي تعود إلى السبعينيات من القرن الماضي. وكان يستغرب وجود النسر في العلم لأنه وُلد بعد ألمانيا الاتحادية وبعد ألمانيا الديمقراطية. يعرف علماً واحداً لألمانيا ويعرف معنى مختلفاً لتاريخها. أخيراً، بدأ الحاضر يصير ملتبساً.

بعد نقاشات، في الزيارة الثالثة، كان صعباً عليه إقناعهم بأن النازية ليست "مفخرة" وأن هتلر ليس شخصاً يمكن التباهي به في ألمانيا. اعتبر الأمر بديهياً. وكان صادماً، إلى درجة ما، أن تنحسر تصوراتهم عن ألمانيا بهذه الطريقة. لكن، في الوقت عينه، كان يعرف أن هذه عيّنة يفتش عليها الخبثاء، وأن هناك عينات تعرف أن النازية ليست بضعة جنود، بل تاريخ طويل ومتشعب.

ينبّهنا حسن في شهادته أيضاً، إلى أن ما يعرفه الألمان عن لبنان، أو عن فلسطين وسوريا، وعن قضايا العرب عموماً، لا ينطلق من مركزية غربية في فهم الصراعات وحسب، بل ليس لديه أي قيمة تاريخية. لا يعرفون شيئاً، فلماذا يحزن إذا لم يعرف اللبنانيون عن ألمانيا.

في برلين، يصرف حسن وقته تحت الأرض، في عمل شرعي تماماً: تخزين قطع السيارات وتوضيبها. فور وصوله، رفع الباب الحديدي للكاراج بقوة، وظهرت حيطان المحلّ تدريجياً. قذفت الشمس أشعتها على صورة كبيرة: أمين عام حزب الله حسن نصر الله وهو يبتسم

لا نتحدث عن المختصين إنما بشكلٍ عام عمّا يعرفه العاديون، ويتخيله العاديون عن بعضهم البعض. يقول حسن إنه لولا "الحرب في سوريا" لما سمع أحد بالمنطقة. أما عن دور حزب الله في المشاركة بالقتال إلى جانب النظام، فبالنسبة للألمان لم يكن مشكلة، مثل الأطراف الجهادية الأخرى التي قاتلت.

ذاكرة السبعينيات

ذات يوم من عام 1981، وضع عباس بندقيته جانباً. نزل عن مدافع "بيروت الغربية" وغادر إلى غير رجعة. بعد يومين، وفي ليلة باردة، رافقته دلال في رحلة قصيرة. في الثانية فجراً، عبرا معاً الجبال التشيكوسلوفاكية تحت ضوء القمر. تأسست العائلة في ألمانيا، قبل أن يلحق به ثلاثة من إخوته مع عائلاتهم تباعاً. صارت العائلة أكبر من جذورها. في دورتموند صارت "الجبهة الديمقراطية" من الماضي. لكن الحنين إلى بيروت بقي قوياً، واتخذ أشكالاً متعددة. ثمة باب خلفي دائماً.

آنذاك، لم تكن موافقة الألمان على هجرة اللبنانيين الشيعة مشروطة، ولم يكن لها ما يميّزها عن بقية أشكال الهجرة ومصادرها. حسب الدراسات، بدأت الموجة الأولى من الهجرة اللبنانية إلى ألمانيا في أواخر السبعينيات، بالتزامن مع الهجرة إلى الدول الإسكندنافية التي تعلو ألمانيا على خريطة العالم بقليل.

وحسب مهاجرين من تلك الحقبة، كان ذلك يعود لسببين أساسيين: الأول، هو بداية التصديق بأن الحرب الأهلية اللبنانية لن تنتهي بعام أو بعامين، وكان ذلك الجيل محقاً، إذ امتدت الحرب عقداً وبضعة سنوات؛ أما السبب الثاني، فهو عدم الحاجة إلى "شبكة هجرة" في ألمانيا، كما حدث مع المهاجرين الأوائل إلى أمريكا اللاتينية.

المهاجرون كانوا من النسيج اللبناني، أي أن بينهم كان هنالك فلسطينيون أيضاً. وفيما تركزت الهجرة اللبنانية بعد الاجتياح الإسرائيلي لبيروت، ازدادت وتيرتها فلسطينياً خلال حرب المخيمات. هذه كلها، أسباب سياسية. ترك المهاجرون الحرب وراءهم لكن أجزاء من الأيديولوجيا بقيت عالقة في ذاكراتهم. جاءت الأحداث ومسختها، جيلاً بعد جيل.

عباس هو والد حسن. عندما هاجر إلى ألمانيا، لم تكن دلال زوجته بعد. كان في الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، وبعدها في أحد الأحزاب الاشتراكية التي نشطت في الحرب الأهلية اللبنانية، وهي كانت في الحزب الشيوعي اللبناني.

في ألمانيا الغربية، كان العثور على رفاق بذات التصورات أمراً صعباً. مع الوقت، عادا إلى الجماعة الدينية التي تركاها في بيروت. لا أحد، حتى عباس ودلال، يعرف كيف صارا مناصرين فعلاً لحزب الله، لكنهما يعرفان أنهما كذلك فعلاً.

آخر ما يربطهما ببيروت، ليس الزيارات المتقطعة والمكلفة، إنما الصور التي غادرت معهم، وعندما عادوا لم يجدوها. بيروت الغربية والمتاريس والأحزاب. هل يمكن الحنين إلى شيء كهذا؟ يجيب عباس بنعم. دلال تقول: ليس حنيناً، هذا ما نذكره فقط. حزب الله، هو استمرار لهذه الصور. الحلقة التي تصل أصوات المدافع ببعضها البعض.

ذات يوم من عام 1981، وضع عباس بندقيته جانباً. نزل عن مدافع "بيروت الغربية" وغادر إلى غير رجعة. في مدينة دورتموند الألمانية صارت "الجبهة الديمقراطية" من الماضي. لكن الحنين إلى بيروت بقي قوياً، واتخذ أشكالاً متعددة. ثمة باب خلفي دائماً

العلاقة مع الآخرين

في "سوبرماركت"، وهو فيلم لرونالد كليك في 1974، يكون المهاجر إلى ألمانيا الغربية شرقياً، على الأرجح قادماً من الجارة الشيوعية آنذاك، بولندا. لم يأت المهاجر من خلف المدافع مثل عباس. كان يأتي من تاريخ بعيد، لكن من جغرافيا قريبة. ثم جاءت الثمانينيات. تغيّرت النقاشات حول الهجرة إلى الغرب، قبل أن تعود وتشتد في أيامنا هذه.

بالنسبة إلى غالبية اللبنانيين لطالما كانت ألمانيا، قبل وحدتها، غربية. لم تكن جمهورية ألمانيا الديمقراطية (الشرقية) في حسابات المهاجرين اللبنانيين إلا في ما ندر، حتى بالنسبة إلى المهاجرين من حرب أهلية، حضرت فيها الأيديولوجيا بالطول والعرض.

في الفيلم، كان كليلك متعاطفاً مع المهاجر العنيف، والفيلم عموماً يميل إلى تفهم الوضعية التي أدت إلى العنف، ولكن على أن يكون شرط التقبل هو القانون، أي فرض الرؤية الغربية على المهاجر الشرقي.

بعد الثمانينيات، هاجر لبنانيون من حربهم الأهلية إلى ألمانيا الغربية. وبعد الاتحاد الأوروبي، فتحت الحدود. تغيّر المهاجرون بعد استفحال قوة الأسواق الحرة وفتكها بالعالم. العملية شائكة وطويلة. العقلانية ليست أبجدية. الاستعمار ليس مجرد حقبة.

كل شيء يتغيّر عاماً بعد عام، والدولة مجرد أداة. المفارقة اليوم أن المجتمعات اللبنانية-الشيعية في ألمانيا ليست مرعوبة من قرار تصنيف حزب الله منظمة إرهابية. ليس لأن جزءاً كبيراً من الشيعة لا يعتبر نفسه معنياً بالقرار، بل لأنه، وحسب كثيرين، لا يعتقد هؤلاء أن ألمانيا جدية "حتى الآن" في تصنيفها حزب الله كإرهابي. النقاش عن أحقية التصنيف كإرهاب مفتوح، ولكنه يستدعي نقاشاً آخر. السبب الثاني، هو أن موجات الهجرة المتعاقبة، جعلت من أمزجة اللبنانيين على اختلاف طوائفهم مختلفة، في النظر إلى الحزب وإلى لبنان، وإلى ألمانيا نفسها.

أخيراً، بين عامي 2005 و2014 فقط، تم تجنيس 43 ألف لبناني في دول أوروبية. ما يقارب السبعين في المئة منهم كانوا في فرنسا وألمانيا. واليوم، حسب معظم التقديرات، فإن نصف المهاجرين اللبنانيين المقيمين في ألمانيا، هم مواطنون ألمان. وهذا، يدل من بين أشياء كثيرة، إلى أن اللبنانيين حصلوا على الجنسية الألمانية بسرعة، بالمقارنة مع جاليات أخرى. هذه تقديرات الإحصاء، أما التقديرات الاجتماعية، فتستدعي أبحاثاً أخرى. ما يقوله لبنانيون في ألمانيا، لا يختلف كثيراً عما تقوله معظم المجتمعات المغلقة (Communities) هناك، عن لحمتها وعن تصوراتها للجماعة. هذا في حال صح تصنيف اللبنانيين مجتمعاً مغلقاً في الأساس، لأن المفردة بالإنكليزية لا تذهب إلى هذه الدرجة من الإيحاء.

لذلك، ليس هذا بحثاً في تبعات القرار الألماني واعتباراته الجيوسياسية. ولا يهدف إلى فتح نقاش في الأيديولوجيا، فهذا يحتاج إلى أبحاث وإلى أطر نظرية وعملية أكثر وضوحاً. هذا مجرد عرض لسلسة مفارقات من "الوزن الخفيف". آخر هذه المفارقات قد تكون مع صديقنا حسن نفسه.

صارت الساعة الثامنة ليلاً. أطفأ زر الإنارة، فتضاءلت الابتسامة على الحائط بسرعة، قبل أن تختفي تماماً. أغلق باب الكاراج. بحركة اعتيادية أدار ظهره وغادر، تاركاً خلفه ابتسامة معلّقة في الظلام.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard