"تقاوم الشمس كل لحظة كي لا تموت"… حوار مع مخرجة فيلم "بنت القمرة" هبة الذوادي

الأحد 21 يوليو 201904:01 م

" كانت غايتي نقل قصص العزيمة والقوّة لبنات القمر، رغم ظروفهن الصعبة، وعدم قدرتهن على الخروج تحت ضوء الشمس، وإيضال صوت "أطفال القمر" سواء للمجتمع الذي يجب أن يتقبّل اختلافهم، أو الدولة لتهتمّ بالمرضى، وتوفّر لهم العلاج المجاني".

تحكي المخرجة التونسية هبة الذوادي عن فيلمها "بنت القمرة" في حوارها مع رصيف22، عن مشروعها السينمائي الأول وفكرته.

"بنت القمرة" فيلم وثائقي طويل، يتناول حياة المصابين بــ "مرض القمر"، ويعرف باسم "Xeroderma Pigmentosum"، أو جفاف الجلد المصطبغ، المعروف أيضاً باسم " أطفال القمر"، الناتج عن خلل في الجينات الوراثية، يمنع مرضاه من التعرض لضوء الشمس نهائياً، وإلّا كان الموت مصيرهم.

يرصد الفيلم خلال 62 دقيقة حكاية ثلاث شخصيات: لمياء، آية، وسهام، عن معاناتهن الجسدية والنفسية من مرضهن، وسبل مواجهتهن لهذا المرض المضني من أجل تحقيق أحلامهن.

Official Trailer - Girl of the Moon from LEYTH PRODUCTION on Vimeo.

حصل "بنت القمرة" على جائزة أفضل فيلم وثائقي بمهرجان السينما التونسية لعام 2019، ويستمر في جولاته بالمهرجانات التي بدأت بمهرجان قرطاج السينمائي الدولي، مهرجان سينما المرأة العربية بالسويد، ومن المقرر عرضه جماهيرياً في أكتوبر المقبل.

في البداية.. ما الذي جذبك في حكاية "أطفال القمر" لتقدميه على الشاشة في أول أفلامك؟

بدأت الحكاية منذ 2009، عندما شاهدت لأول مرة ريبورتاج عن "أطفال القمر" على إحدى القنوات التونسية، ولم يكن معروفاً نهائياً آنذاك عن "شنوا" هذا المرض وأسبابه، وأصابني اللقاء بصدمة ودارت في ذهني تساؤلات كثيرة حول كيف في بلاد كتونس، شمسها ساطعة طوال العام ويأتي لها السياح من الخارج للاستمتاع بها، هناك على الجانب الآخر ناس تموت لو تعرّضت للشمس وأشعتها فوق البنفسجية؟! وكيف يعيش هؤلاء المرضى؟ وكيف يواصلون حياتهم؟  

ظلت الفكرة تختمر في ذهني حتى جاء موعد تخرجي من المعهد العالي للفنون والملتيميديا بتونس عام 2012، لأقرّر تحويلها لمشروع تخرج.

وانطلقت في رحلة البحث بالتواصل مع جمعية "مساعدة أطفال القمر"، لتساعدني في لقاء بعض الحالات، وكان أول رقم للفتاة "لمياء الحكيم" حاصلة على ماجستير في علم الوراثة، وعندما طرحت عليها فكرة الفيلم وافقت في البداية، ولكن عادت لترفض وتطلب إعطاء الفرصة لمرضى آخرين للظهور الإعلامي، وكانت تمر بظروف قاسية آنذاك دفعتها للتفكير في الانتحار.

هنا توقف بحثي قليلاً، ولكن إيماني بالفكرة لم يمت، إلى أن عُدت مجدداً لإقناعها عام 2013 بالمشاركة في الفيلم، بجانب الوصول لشخصيات أخرى مثل "ابتسام" الفنانة التشكيلية و"آية" الطالبة الجامعية.

ولكن ما الذي كنت تبحثين عنه في شخصياتك لتطرحيه على الشاشة؟

أردت الوصول لشخصيات لديهن قصص قوية، فالفيلم هدفه نقل قصص العزيمة والقوة لبنات القمر، رغم ظروفهن الصعبة وعدم قدرتهن على الخروج بالشمس، يرصد كيف يواصلن تعليمهن، ويتكيفن مع نظرة المجتمع لهن، أردت تقديم فيلم هادئ بعيد عن التشنّج، وأن تكون قوته في قصصه وليس في الصراع بين الشخصيات، وأن يتساءل المشاهد بعد خروجه من القاعة: "عليش انا ماكنش كيفهن، عليش كل طفلة بالفيلم تُكمل حياتها ولم تقف رغم المعاناة، وعليش أنا لو واجهتني مشكلة صغيرة يُصيبني الإحباط واليأس؟"

غايتي من الفيلم إعطاء رسالة قوة لضعاف الشخصية بأن يروا "أطفال القمر" الذين يعانون في كل لحظة من حياتهم، وهم ناجحون مع ذلك، بالإضافة إلى توصيل صوت "أطفال القمر" سواء للمجتمع الذي يجب أن يتقبل اختلافهم أو الدولة لتهتم بالمرضى وتوفر لهم العلاج المجاني.

لاحظت أن تصوير معظم أحداث الفيلم في فصل الصيف.. هل كان مقصوداً؟

نعم، تعمدت تصوير أكثر من 90% من الفيلم بالصيف لتوصيل صورة مكثفة عن معاناة هؤلاء الفتيات، في تونس التي يكون ميعاد شروق الشمس في 4 صباحاً والغروب 8 مساء، وكيف تقضي تلك الفتيات أكثر من 18 ساعة محتجزات خلف جدران المنزل في الصيف، بدلاً من الخروج والتنزه على الشواطئ. وتوصيل رسالة أنه كيفاش هُن ملهمات قادرات على تحدي هذه الظروف القاسية ومستمرّات في المعافرة بالحياة، حتى لو حريتهن مقيدة ومسموح لهن فقط بـ6 ساعات للخروج ليلاً.

الفيلم يرصد حياة ثلاث فتيات من أطفال القمر.. لماذا لم نر حكايات عن مرضى رجال؟

لم يكن مقصوداً، ولكن لاحظت من لقاءاتي العديدة بأطفال القمر بأن الفتيات مقارنة بالذكور لديهن عزيمة قوية جدّاً في تحدي المرض، أما الأولاد فوجدتهم يائسين مُحبطين، بعضهم لا يكترث بصحته نهائياً ويخرج في ضوء الشمس بدون حماية للشارع رغم معرفتهم بخطورة ذلك، بينما البعض الآخر منغلق على ذاته، لا يرغب في الحديث مع أحد.

هبة الذوادي: تعلمت من بنات القمر محو كلمة " منجمش"(لا أستطيع) من قاموس حياتي، "بنت القمرة" شعاره "وقت ماتتشبس بحلمك قد مالحلم يتشبس بك"

لم تكن غايتي منذ البداية تقديم فيلم مأساوي، ولكن تقديم حكايات تبعث الأمل والعزيمة، من خلال مشاهدة قصص نجاح لإرادة ثلاث فتيات، يعشن بكل لحظة من حياتهن مأساةً وحرباً من أجل البقاء وصراعاً ضد الإصابة بالسرطان، لأنه بمجرد ظهور "بقعة" صغيرة في البشرة تتحول لسرطان في الجلد، لينتشر المرض في الأمعاء، الرئة، أو المخ، وعندها ينتظرون الموت فقط، لأنه لا يوجد علاج لمريض السرطان من أطفال القمر، فلا تستجيب أجسادهم للعلاج الكيميائي، وممنوعون من التعرّض للعلاج الإشعاعي، لأنه يستخدم الأشعة فوق البنفسجية الضارة لهم.

هل تعاني المرأة في مجتمعنا العربي من التمييز حتى في المرض؟

هو أحد أسباب اختيار قصص الفتيات، فبجانب معاناتهن من المرض، يواجهن أمراض مجتمعاتنا العربية التي لا ترحم ولا تقبل الاختلاف سواء باللون أو المرض.

في بلادنا يصبح المرض أيضاً عبئاً على المرأة أكثر من الرجل. فهن يتعرّضن لنظرة سلبية وتنمّر بصورة مضاعفة عن المريض الرجل، فالمجتمع يحكم عليك ويحرمك من حقك في الحياة ويطلب منك أن تغلقي باب غرفتك على روحك، وتنتظري الموت بالدقيقة والثانية.

ماهي أسوأ تعليقات واجهتها بنات القمر في حياتهن؟

كانت أشد أنواع التنمّر والسخرية من الفتيات تأتي من نساء أكثر من رجال!، فمثلاً والدة صديق لمياء حرّضته على الانفصال عنها لمرضها، وأنها لا تصلح للزواج وربما تنجب أطفالاً مرضى في المستقبل؟ وغيرها من التعليقات القاسية مثل: " شنوا وجهك كخبزة الشعير" نظراً للبقع السوداء على وجوه بنات القمر، "أنتِ مريضة لماذا تتعلمي"، بالإضافة إلى ابتعاد الناس عن مصافحتهن خوفاً من العدوى، واعتقادهم أنه مرض جلدي يشبه الجَرب.

مجتمعنا قاسي.

 أي مرحلة عمرية كانت أشد قسوة على الفتيات في محاولتهن لتقبل المرض.. برأيك؟

مرحلة الأنوثة والنضج (20- 26 سنة)، وهي المرحلة العمرية لبطلات الفيلم لمياء وابتسام، فهي مرحلة شديدة الدقة، لأنه العُمر الذي ترغب فيه كل فتاة بإظهار جمالها وأنوثتها، وارتداء اللباس المِزيانة والتنورة الباهية، الألوان المبهجة والخروج مع صديقاتها في الصباح، وأن تعيش كأي بنت في عمرها سواء قصة حب، صداقة أو زواج، ولكن كل هذه المشاعر تُواجَه بلافتة ممنوع، فلا تستطيع "بنات القمر" الخروج في النهار بدون ملابس الحماية الثقيلة التي تغطي كامل وجوهن في درجة حرارة تصل لـ39 درجة، وهذه النظارات السوداء الكبيرة، يُصبحن منتقبات إجبارياً، ليس لديهن حرية الاختيار فيما يرتدين أو التوقيت المسموح للخروج فيه.

لا يمكن لأحد أن يتخيل قوة إرادة "لمياء" التي لم تلمس يدها الشمس نهائياً خلال سنوات عمرها، وأن حلم حياتها الخروج في النهار، ولكن إيمانها الداخلي بأن هذه اللحظة السريعة ربما تكلّفها حياتها.

 تتساءل مخرجة فيلم "بنت القمرة": كيف في بلاد كتونس، شمسها ساطعة طوال العام ويأتي لها السياح من الخارج للاستمتاع بها، هناك على الجانب الآخر ناس تموت لو تعرّضت للشمس وأشعتها فوق البنفسجية؟!

رغم أن تصنيف الفيلم وثائقي ولكن هناك مشاهد ظهر كفيلم دوكو دراما.. ما مدى صحة ذلك؟

كثير من المشاهدين كان لديهم هذا الشعور، وهو يعود لرغبتي أن تكون بصمتي حاضرة في كل مشهد بالفيلم، وساعدني في ذلك حكايات الفتيات الحقيقية، وكل ما أضفته هو استخلاص نقاط القوة من كل شخصية وترجمتها لعناصر بصرية سواء بالألوان أو الديكور، فمثلاً الطفلة "آية" تمثل الحلم والأمل بالمستقبل، وحرصت على تصويرها في مشاهد خارجية مع السماء، البحر، الطائرة الورقية، الفراشات، حتى ملابسها كانت ألوانها مبهجة لتخطي تحديات خروجها في الشمس، وأنه يكفي أنها تُزهر بداخلها وتحلم بالغد، وشخصية "سهام" الفنانة التشكيلية، قصدت أن تظهر في جميع مشاهدها بملابس لونها أحمر، وأن تكون ألوان لوحاتها عنيفة وقوية، لتعكس قوة شخصيتها وحدّتها في ردود فعلها تجاه من يؤذيها أو يسخر منها، عكس "لمياء" فهي تمثل قوة الهدوء والأنوثة، استخدمت هذه السمكة داخل البرطمان، والتي تضعها لمياء على حافة البحر ، لتكون انعكاساً لحالتها النفسية، فهي تشبه السمكة وكأنه يفصل بينها وبين العالم هذا البرطمان الزجاجي.

ماهي التحديات التي تواجه أطفال القمر على مستوى الخدمات الطبية؟

هم محرومون من التأمين الصحي، وزارة الصحة تتعامل معه كمرض تجميلي، ومن ثم يتكبّد الأهالي نفقات باهظة شهرياً لشراء كريمات الحماية، وهي ليست للتجميل بل لإنقاذ بشرتهم من الضرر أثناء التعرض للشمس، ويحتاج المريض لعلبة كريم أسبوعياً وسعرها 50 دينار (22دولار)، خاصة أن أطفال القمر يحتاجون لترطيب مستمر من الكريمات بالصيف على مدار كل ساعتين، نظراً لجفاف بشرتهم بشكل مضاعف، فضلاً عن قطرات العيون ومراهم الشفاه والقماش المستخدم في اللباس الواقي، وهو مستورد ويتطلب تغييره كلّ ستة أشهر.

لذا أتمنى أن يصل صوتنا بعد عرض الفيلم لوزارة الصحة وأن تدمج أطفال القمر في التغطية الاجتماعية وتوفير العلاج المجاني لهم، لأن تكاليف العلاج باهظة وجمعية "مساعدة أطفال القمر" لن تستطيع تغطية نفقات الطبية لكل الحالات.

كم عدد أطفال القمر وفي أي مناطق ينتشر المرض؟

يوجد في تونس ألف طفل قمر، وينتشرون في جميع مناطق الجمهورية ولكن النسبة الأكثر تعيش في جهة الوسط الغربي والجنوب الشرقي مثل (مدنين، جربة)، والمرض يعود لخلل في الجينات الوراثية ويتمركز في هذه المناطق لارتفاع معدلات زواج الأقارب بها.

هل هناك إجراءات توعوية وقانونية تمنع بزواج الأقارب في هذه المناطق؟

لا يوجد قانون حتى الآن لمنع زواج الأقارب، ولكن المجتمع المدني يُنظم حملات توعية تجوب هذه المناطق للتعريف بالمرض وأسبابه، وتحفز الأهالي على ضرورة إجراء فحوص طبية دقيقة تخص اكتشاف احتمالية الإصابة بالمرض باكراً قبل الزواج.

هل هناك بحوث طبية جارية من أجل الوصول لعلاج للمرض؟

ليس هناك علاج لأطفال القمر حتى الآن سواء في تونس أو خارجها، بل لا يوجد أساساً أبحاث طبية عن المرض، فالباحثون والعلماء لم يخصصوا وقتاً لمرض غير منتشر ونسبته ضئيلة جداً على مستوى العالم.

ما هو أصعب مشهد واجهك أثناء التصوير؟

أصابني البكاء في مشهد الاعتراف لشخصية "لمياء"، رغبت أثناء التصوير أن أعري الجانب الخفي العميق في حياتها، لمياء من الداخل وليس التي شاهدناها طوال أحداث الفيلم مُنطلقة تمشى تضحك، قوية ومُحبة للحياة. لنكتشف لمياء تحكي في حزن عن قصص حبها التي تنتهي دائماً بالانفصال، لأن الآخر لا يتقبل مرضها، وتلك الجملة القاسية التي تكررت على أذنها "أنت مِزيانة وحلوة ولكن لاتصلح للعرس"، وكم هي تتعذب كفتاة لديها حلم الزواج والإنجاب ولكنه لا يتحقق.

كان المشهد صعباً ومؤثراً جداً، لم أستطع السيطرة على دموعي، حتى عائلتها التي شاهدت ابنتها لأول مرة عن قرب، انهارت الأم والأب من البكاء بعد عرض الفيلم.

ما الذي تركته تجربة فيلم " بنت القمرة" على هبة الذوادي؟

حقيقي لم يكن فيلماً سهلاً، بل شديد الإنسانية وتطورت شخصيتي 180 درجة، وأصبحت مؤمنة جداً بأنه لا يوجد حلم ينزرع فيك وتتنازل عنه، "من يريد الوصول لهدف سيتحقق طالما تمتلك العزيمة والإرادة. تعلمت من بنات القمر محو كلمة " منجمش"(لا أستطيع) من قاموس حياتي، "بنت القمرة" شعاره "وقت ماتتشبس بحلمك قد مالحلم يتشبس بك".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard