شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

لنبدأ من هنا!
نسل الأغراب... ماذا نعرف عن قبيلة الجمس في الصعيد وتهميشها؟

نسل الأغراب... ماذا نعرف عن قبيلة الجمس في الصعيد وتهميشها؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

على بعد 20 كيلومتراً غرب محافظة المنيا في مصر، تقطن عائلات "الجمس"، واحدة من القبائل أو العائلات التي تُعرف باسم "نسل الأغراب" والتي تتمركز في صعيد مصر، لا سيما في محافظات المنيا وسوهاج والأقصر وأسوان.

أصول قبيلة "الجمس"؟

وفقاً لما يذكره الباحث التاريخي عبدالكبير، فإنّ "الجمس" تنتمي إلى قبيلة بني هلال بن عامر وهي من أشهر قبائل العرب، لارتباط اسمها بالبطل الأسطوري أبي زيد الهلالي "سلامة بن رزق"، وقد وفدت القبيلة عام 414 إلى صعيد مصر بسبب النزاعات والحروب المستمرة بين القبائل.

في هذا السياق، يعرض ابن خلدون في تاريخه لسيرة بني هلال على لسان طائفة من أعيان المدن، ويضيف "سنة 360هـ، عندما تغلب المعز الفاطمي على أمصار الشام وانتزعها من القبائل وغلبهم عليها وردهم على أعقابهم إلى قرارهم بالبحرين، ونقل أشياعهم من العرب من بني هلال وسليم فأنزلهم بالصعيد، وفي العدوة الشرقية من بحر النيل فأقاموا هناك، (تاريخ ابن خلدون: 6/13 مختصراً)". 

في هذا التقرير، يرصد رصيف22 واقعاً يعيشه أكثر من مئة ألف شخص من قبيلة "الجمس" في الصعيد على مدار سنوات طويلة في حالة من الإقصاء المجتمعي الذي جعلهم يقطنون في مجتمعات عشوائية منعزلة "غيتوهات"، تضفي على واقعهم طابع العزلة والتهميش مما أغرقهم في مستنقع الفقر، والجريمة أحياناً

تفرّعت القبيلة بعد ذلك إلى 10 بطون وأنساب، والجمس هي واحدة من العائلات التي تنتمي إلى هذه القبيلة، التي اعتمدت على الأعمال البسيطة كالسقاية "مهنة حمل قرب الماء والطواف بها"، وتربية المواشي. لكن القبيلة لأسباب تاريخية واجتماعية أصبحت تواجه مع مرور الزمن تحديات كثيرة تُشبه تلك التي تواجهها فئات أخرى مثل "الحلب" و"الغجر"، حيث يتم التعامل معهم كـ"عائلات من الدرجة الثانية".

في هذا التقرير، نرصد واقعاً يعيشه أكثر من مئة ألف شخص على مدار سنوات طويلة في حالة من الإقصاء المجتمعي جعلهم يقطنون في مجتمعات عشوائية منعزلة "غيتوهات"، تضفي على واقعهم طابع العزلة والتهميش مما أغرقهم في مستنقع الفقر، والجريمة أحياناً.

بلا أوراق ثبوتية أباً عن جد

خالد أحمد، شاب لا يعرف عمره بدقة، 16 أم 18 عاماً. فهو كغيره من أفراد عائلة الجمس في قرية الفقاعي بمحافظة المنيا لا يمتلك أية أوراق ثبوتية. يقول لرصيف22: "لم أتلقَّ حتى تطعيم شلل الأطفال، ولم أذهب إلى المدرسة، ولم أحصل على تموين، ولن أذهب للخدمة العسكرية، فأنا غير موجود حتى وإن قررت في الصباح أن أسعى لاستخراج شهادتي فهذا مستحيل لأنّ والدي وجدي لا يمتلكان شهادات ثبوتية أيضاً". 

تشير إحصائيات حصلنا عليها من عمدة القرية إلى أنّ "90% من أهالي الجمس غير مسجلين في السجلات الحكومية" وغالبية زيجاتهم تتم بالإشهار، لأنّ معظم الزيجات تحصل قبل السن القانونية، والنتيجة أن أحداً لا يمتلك أوراقاً ثبوتية، لا الأهالي ولا أطفالهم، مما أدى على مدار السنوات إلى حرمانهم من حقوق أساسية كالتعليم والعمل والزواج، وتعرضهم للتهميش الاجتماعي في المعاملات اليومية، وعلى مر الزمن تكرست الصور النمطية السلبية حولهم، مما زاد من عزلتهم وتهميشهم بفعل خطابات الكراهية التي تفاقم الوضع وتزيد من حدة معاناتهم.


"لن أكون أول من يعلّم ابنته في القبيلة"

تمارا أدهم، فتاة في الحادية عشرة من عمرها، لم تحظَ بفرصة الذهاب إلى المدرسة، تقول في حديثها لرصيف22: "لو كنتُ صاحبة القرار كنت أتمنى أن أذهب إلى مدرسة"، لكنها تُدرك أنّ واقعها لا يسمح بذلك وأنّ التعليم لا يزال حلماً بعيد المنال بالنسبة لفتيات الجمس، فمن يقرر هذا الأمر؟

يخبرنا أحمد نبيل شحاته، من قبيلة "الجمس" أنّ لديه طفلين، موضحًا أنّ الولد قد يتلقى تعليمه أمّا الفتاة فلا مجال لذلك، وقال: "نحن لا نعلم بناتنا، ولا توجد أي فتاة أو امرأة متعلمة داخل الجمس لأننا نتحاشى المشاكل مع أبناء الفلاحين ونتفادى التحرش والتنمر التي لا داعي لها"، ولفت إلى أنّه غير مستعد لأن يكون أول من يعلم ابنته في القبيلة، فيتعرض للهجوم المتكرر والمضايقات من كل الأطراف، مضيفًا أنّه "وصل لقناعة أن الفتاة تتعلم في بيتها دروس الحياة".

أما شهد (21 عاماً) التي تزوجت في سن الرابعة عشرة فتخبر رصيف22 عن تعرض الفتيات للتنمر من قبل أبناء القرية بسبب شكل شعورهن ومظهر ملابسهن، وتقول إنّ الأطفال يطاردونهن ويستهزئون بهن بعبارات مسيئة، متسائلةً: "كيف سيكون الحال لو ذهبت إلى المدرسة؟".

المدرسة الابتدائية واقعة شرق منازل الجمس على بعد أمتار قليلة منهم، لكنهم محرومون من التعليم. وطبقاً لعبد الغني يسري، مدير المدرسة، فإنّ قرية الفقاعي في محافظة المنيا تضم حوالي 3 آلاف من أبناء وبنات الجمس الذين تبلغ أعمارهم أقلّ من 15 عاماً في المرحلة الابتدائية، لكنّ لم يتم تسجيل أي منهم في المدرسة، عازياً ذلك لأكثر من سبب، فالأطفال لا يمتلكون شهادات ميلاد، ولا بدّ أن تعزّز الجمعيات الأهلية دورها في توعية العائلات ورفع ثقافتهم وتوضيح أهمية التعليم للأجيال الجديدة.

يمتهنون التسول

خالد وتمارا هما نموذج لكل ولد وفتاة داخل عائلات الجمس، بعد حرمانهما من التعليم. في سنوات مبكرة ذهب خالد إلى تربية الجاموس، وهي المهنة التي يتقنها رجال أهل الجمس، بينما ذهبت تمارا للتسول، حيث تجوب كل يوم مع فتيات من القبيلة في قرى ومحافظات الصعيد.

من جانبه، يقول عامر، كبير عائلة الجمس لرصيف22: "نحن تعودنا على هذه الحياة البدائية، وكما تربينا نربي أولادنا بالمثل، على العمل في رعي الحيوانات وتربية الجاموس، فكل شاب يصبح له جاموسة أو أكثر في قطعة أرض مستأجرة صغيرة، وتعيش المواشي في نفس المنازل التي نعيش فيها نحن مما يضفي على المكان بعض الرائحة غير المستحبة". 

لا يعرف خالد عمره بدقة 16 أم 18 عاماً. فهو كغيره من أفراد "الجمس" لا يمتلك أوراقاً ثبوتية. ولم يتلقَّ تطعيم شلل الأطفال، ولم يذهب إلى المدرسة، ولن يذهب للخدمة العسكرية، ويقول إنه حتى لو قرر أن يسعى لاستخراج أوراقه فهذا مستحيل لأنّ والده وجده لا يمتلكان شهادات ثبوتية أيضاً 

في هذا السياق، يتحدث لرصيف22 الروائي خالد إسماعيل وهو من أبناء الأقصر حيث تعيش تعدادات كبيرة من أبناء الجمس، يقول إنّ الصعيد لا يزال متمسكاً بالتراتبية الطبقية، حيث يتم تقسيم المجتمع وفقًا لعوامل معينة مثل القوة والثروة والنسب، معتبراً أنّ هذا النظام يضطرهم إلى العمل في الأعمال التي يتجنبها الآخرون، مثل مهنة السقاية "حمل قربة ماء والطواف بها" التي كانوا يمارسونها في الماضي، حيث يحملون الماء على حميرهم وظهورهم ويجوبون بها القرى. ومع ذلك، كانوا يتلقون نظرات متنمرة من قبل المجتمع الذي ما زال محملاً بتقاليد وأفكار قديمة. وبحسبه فهذا الأمر يحتاج إلى تكاثف جهود الدولة والمجتمع المدني والجمعيات الأهلية لتغيير النظرة الثابتة. 

من جهته، أفاد شاهر محمد، عمدة القرية لرصيف22، بأنهم بذلوا جهوداً كبيرة لمنع النساء والفتيات من التسول خلال السنوات الأخيرة، حيث تمّ إرسال بلاغ إلى وزارة الداخلية التي استجابت بوضع كمائن على مداخل ومخارج القرية. ورغم هذه الإجراءات، لم تفلح المحاولات، إذ كانت المتسولات يجدن دائماً وسيلة للخروج إما بحجج مختلفة أو متنكرات، مما أدى في نهاية المطاف إلى رفع الكمائن وتركهن.

مشاكل وصراعات داخلية

ويضيف العمدة أنّ معظم مشاكل الجمس وصراعاتهم تحدث بين بعضهم البعض، فالعنف منتشر داخل عائلاتهم وقد يصل إلى حد الجريمة، وهو ما حدث منذ أشهر قليلة في صراع بينهم أدى إلى مقتل أحدهم بالنابوت الذي يستخدمونه في الرعي، ووصل الأمر حد الحكم بالإعدام على اثنين منهما، ورغم ذلك لا يزال الطرف الآخر يطلب الثأر.

دعاء محمد، منسقة في مؤسسة سان مارك للتنمية، تعمل على مشاريع قصيرة تخص النساء والأطفال والعمالة المتقطعة، تقول: "تتجنّب الجمعيات الأهلية أو المؤسسات التنموية التعاون مع الجمس بسبب العشوائية، وبما أنّهم يشكلون مجتمعًا داخل مجتمع تسيطر عليه الفوضى، فقد تصل مشكلة صغيرة إلى حد التحريض عليهم وبث الكراهية ضدهم، وهذا يفاقم الوضع في القرية، فأحيانًا يخاف أبناء القرى من سيطرة الجمس، فيظلون يتربصون بهم".

وتضيف: "أدى حادث صغير مؤخراً يتعلق بفتاة من الجمس إلى توتر كبير في القرية، حيث دعا الأهالي إلى طرد أفراد الجمس ومنعهم من استخدام وسائل النقل العامة، ونتيجة لذلك، اضطر هؤلاء للسير على الأقدام لمسافة 3 كيلومترات للوصول إلى وسائل النقل في القرية المجاورة، واستمر هذا الوضع لأشهر"، مشيرةً إلى أنّ "الجمس يتعرضون بشكل عام لخطاب الكراهية بسبب اعتبارهم غرباء وغير مقبولين اجتماعيًا في المجتمعات القروية الصغيرة".


الهروب إلى المدن.. أو الصوفية

في ظلّ هذا الوضع، هناك مخارج يشير إليها خالد إسماعيل، موضحاً كيف عثر بعض المتعلمين من أبناء الفئات المضطهدة، مثل عائلات الجمس والمساليب والغجر، على بعض الحلول كالهروب إلى المدن الكبرى، حيث يمكن للفرد أن يعيش بحرية بدون أن يُسأل عن قبيلته أو عزوته. وبهذه الطريقة، نجحوا في التخلص من القهر الذي كانوا يعانونه. ومع ذلك، استمر الفقراء من هذه الفئات في العيش في القرى وتحملوا عبء الظلم والقهر، وما زالوا يعانون منه حتى اليوم.

ويضيف: "هناك حلّ آخر روحاني وهو اللجوء إلى الطرق الصوفية والسعدية، التي تُنسب إلى شيخها سعد الدين الجباوي. تضم هذه الطرق كل فقراء الريف في الصعيد وتُعادل بين أعضائها. يُسمى الفرد في هذه الطرق (الفقير لله) ويُمارس أعضاء الطريقة الطقوس والشعائر التي تجمع الجميع في مكان مقدس وبهذه الطريقة، يتلاشى الفارق الاجتماعي بين هؤلاء المظلومين وبين غيرهم من أصحاب الهيمنة والنفوذ، مما يضمن التعايش السلمي بينهم، إلا أن ذلك جعلهم في مرحلة ما تحت وطأة الاستهزاء. كما يوضح الكاتب أحمد إسماعيل ابن محافظة سوهاج، فإن انتماء الجمس للصوفية اعتبره البعض هروباً لا يؤخذ على محمل الجد".

الشيخ محمد إبراهيم السيد، مدير مركز الحكمة للاستشارات، يوضح رؤية الدين وكيف أن التفاخر والتعالي بسبب العرق أو النسب هو من بقايا الجاهلية، فيحق لكل أحد أن يعتز بأصله لكن لا يتفاخر ولا يعتبر ذلك منزلة عليا عن الآخرين، فالتفاخر وتحقير الآخر ليسا من الدين، على حد قوله. 

يعمل كثير من شباب الجمس في رعي الجاموس، وتعمل كثير من الفتيات في التسول، وعلى الرغم من محاولات وضع الكمائن لمنعهن من هذه المهنة إلا أن الأمر كان دائماً يبوء بالفشل.

ويفيدنا يسري، مدير المدرسة، بأن فكرة إنشاء مدارس الفصل الواحد داخل القرية لأطفال الجمس الذين بلغوا السن القانوني للالتحاق بالمدرسة ستكون فكرة سديدة، لأن الكثير منهم يرغب في التعلم ولكن يشعر بأن الأوان قد فات.

وتضيف دعاء في ما يخص جانب التنمية أنها تحث المؤسسات التنموية على أن تكرس برنامجًا تعليميًا وتثقيفياً لأطفال ونساء الجمس لرفع درجة الوعي والدور الفعال في المجتمع، بينما يقترح عمدة القرية فيما يخص الأوراق الثبوتية، بأن تكاتف المؤسسات مع وزارة الداخلية لحث أهالي الجمس على تسجيل أبنائهم واستخراج أوراقهم، ومعاقبة من يقوم بالزواج المبكر سواء الأهالي أو رجال الدين.

في النهاية، تبقى عائلة الجمس مثالًا حيًا على التحديات التي تواجهها الفئات المهمشة في مصر، وتذكيراً بأنه لا يزال هناك الكثير يجب فعله لضمان حقوقهم الأساسية وإعطائهم الفرصة العادلة في الحياة، فوضع هذه العائلات يتطلب تدخلاً عاجلاً وشاملاً لتحسين أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية من خلال التعليم، والتنمية الاقتصادية، وتحسين البنية التحتية، والتوعية المجتمعية، وبذلك يمكن مساعدتهم على الخروج من دائرة الفقر والجريمة، ودمجهم في المجتمع كأفراد فاعلين ومساهمين في التنمية المستدامة.

تمّ إنتاج هذا التقرير بدعم من معهد التنوع الإعلامي، ومركز أندلس لدراسات التسامح ومناهضة العنف، والمركز الدولي للصحافيين.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel

ثورتنا على الموروث القديم

الإعلام التقليديّ محكومٌ بالعادات الرثّة والأعراف الاجتماعيّة القامعة للحريّات، لكنّ اطمئنّ/ ي، فنحن في رصيف22 نقف مع كلّ إنسانٍ حتى يتمتع بحقوقه كاملةً.

0:00 -0:00
Website by WhiteBeard