شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اشترك/ ي وشارك/ ي!
اعتُقلت لـ

اعتُقلت لـ"صورها بلا حجاب" واعتقل زوجها لـ"عدم تأديبها"... عارضة أزياء يمنية: "استنطقوني الشهادتين"

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

سياسة نحن والحريات الشخصية

الاثنين 8 يوليو 202405:06 م

"أنا مؤمنة بأني ولدت إنسانة حُرّة، ومستعدة للتضحية لأجل حُريتي" كانت هذه الكلمات هي آخر ما قالته عارضة الأزياء اليمنية خلود باشراحيل (20 عامًا) في فيديو نشرته على صفحتها في فيسبوك قبل أيام من اعتقالها هي وزوجها من قبل شرطة أمن المكلا عاصمة محافظة حضرموت شرق اليمن. جاء ذلك بعد نشر باشراحيل صورًا لها بدون حجاب أو عباءة على حساباتها في وسائل التواصل الاجتماعي. 

خلود": الأمن كله تحرك لتغطية شعري"

خلود باشراحيل هي عارضة أزياء يمنية تعمل في هذا المجال منذ سنوات، وتنشر صورًا لأعمالها على حساباتها في مواقع التواصل الاجتماعي بالإضافة إلى صورها الشخصية مع زوجها يحيى.

في حديثها لرصيف22 تقول باشراحيل إنها طوال فترة عملها كمودل كانت تتعرض لحملات تحريض وهجوم عليها هي وزوجها يحيى، ودائمًا كانت تصلهما رسائل تهديد بالقتل والتصفية، تقول: "تعودت على حملات التحريض، وعلى الهجوم الذي غالبًا ما تشنه جماعات دينية في المدينة، وعلى الرسائل التي تصلني أنا وزوجي يحيى، وعلى التهديدات بالقتل والتصفية، لكن لم أتوقع أن تتحرك إدارة الأمن بكاملها لتغطية شعري والاستجابة لدعوات التحريض تلك". 

خلود: "تعرضت دائماً لحملات تحريض وهجوم، وكثيراً ما كانت تصلني رسائل تهديد من جماعات دينية وصلت إلى حد تهديدي بالقتل، لكن لم أتوقع أن تتحرك إدارة الأمن بأكملها لتغطية شعري".  

وعن حادثة الاعتقال تضيف: "ثالث أيام عيد الأضحى 18 يونيو/حزيران وصلت زوجي يحيى مكالمة هاتفية من مدير أمن المكلا، طلب خلالها حضورنا إلى إدارة الأمن، فأخبرناه بأن عليه أن يستدعينا بشكلٍ رسميّ، لكنه أصر على حضورنا ووعدنا بأن الأمر مجرد تفاهم ودي وبأننا سنعود في نفس اليوم".

وتواصل حديثها: "لكننا فوجئنا فور وصولنا بتوقيفنا وإلقائنا في السجن، وعندما حاولت الاستفسار عن الأسباب كان الرد بأنني أنشر صورًا فاضحة ومخالفة للعادات والتقاليد. فطلبت منهم الإفراج عن زوجي ما دامت هذه التهم ضدي أنا وحدي، لكنهم اعتقلوه أيضًا واقتادوه إلى سجن الرجال، وأنا ألقوني في عنبر السجينات". 

الزوج: "اعتقلوني لعدم تأديبها"

من جهته يقول يحيى زوج خلود في شهادته لرصيف22: "عندما أمر مدير الأمن باحتجازنا، سألته عن سبب احتجازي أنا أيضًا، أجاب بأنيّ ولي أمرها والمسؤول عنها وبأنه كان عليّ تأديبها". 

يقول يحيى إنه خلال أيام الاعتقال لم تتوقف نظرات الازدراء تجاهه من قبل أفراد الأمن والضباط الذين أغضبهم موقفه المساند والداعم لاختيارات زوجته، معتبرين ذلك نقصًا في رجولته وقوامته عليها، وبحسب قوله: "بشكل يومي كنت أسمع كلماتهم ونعتهم لي بتلك الصفات والألفاظ الشعبية التي تُلقى على كل رجل أظهر الاحترام لزوجته ولاختيارات حياتها، يخبرني أحدهم بأني (راضي) ويتساءل آخر (أنت ما تغارش على عرضك؟) بل وصل الأمر باتهامي بأني أترزق بزوجتي وبأن هناك منظمات تدعمنا وبأن ما نأكله حَرام. وعلى الرغم من إيماني بصوابية موقفي، من المحزن أن يصدر ذلك من جهة رسمية وأشخاص يفترض بهم أنهم يمثلون الدولة. إن لم نشعر بالأمان والاحترام في أجهزة الدولة فأين سنشعر بهما؟". 

طلب مدير أمن المكلا حضور خلود وزوجها للمركز الأمني من أجل ما أسماه "تفاهم ودي" ووعدهما بأنهما سيعودان في نفس اليوم، لكنهما فوجئا بعد وصولهما بإلقائهما في السجن، وعندما حاولا الاستفسار عن الأسباب كان الرد بأنها كعارضة تنشر صورًا فاضحة ومخالفة للعادات والتقاليد  

تؤكد خلود تكرار نفس تلك الاتهامات من قبل أكثر من شخص في الإدارة، تقول متسائلة: "مش عارفة كيف مقتنعين بهذه التهمة، الجميع في إدارة الأمن لم يتوقفوا عن اتهامنا بتنفيذ أجندة منظمات، وبأن هناك منظمات تدعمنا، أستغرب ما الذي اقترفته أصلًا، وأستغرب أيضًا من تفاهة هذه التهم، فلا أحد اهتم بإظهار شعري من عدمه غير من حرضوا عليّ ومن حركوا أجهزتهم الأمنية لاعتقالي".

وعن عملها هي وزوجها تضيف خلود: "أما عن عملنا أنا وزوجي، فنحن تعودنا على العمل الشريف منذ الصغر، وهو ما صقل شخصياتنا ومنحنا التماسك أمام تقلبات الحياة. يعمل زوجي ميكانيكيًا وينتزع رزقه بقوة ساعده، وأعمل أنا في مجال الـ(مودلينغ) وجلسات تصوير الأزياء. هكذا نتقاسم اللقمة ونتشارك الحياة والحرية".

تهم غير قانونية حفاظاً على الأخلاق 

يصف والد خلود، خالد باشراحيل، ما حدث لابنته بالإخفاء القسري كونه لم يعلم باعتقال ابنته إلا بعد يومين من عملية الاعتقال التي يصفها بـ"التعسفية"، بالإضافة إلى منعهم من زيارتها. يقول لرصيف22: "تعودت أن أطمئن على ابنتي بشكل يوميّ، لذا بدأت بالقلق عليها عندما لم ترد على رسائلي ليومين، فاتصلت بشقيق زوجها يحيى لأطمئن عليها، فأخبرني بخبر اعتقالها، الذي كان بمثابة صدمة هزت أعماقي كوني أثق بتربيتي لابنتي ولم أتوقع أن تتحرك قوات أمن وسلطة محلية لاعتقال فتاة عشرينية لمجرد أنها أظهرت شعرها وأرادت أن تعيش وتمارس حياتها كباقي فتيات العالم".

إدارة أمن المكلا لم توجه لخلود تهماً محددة بشكل رسمي، إلا أنه بحسب والد خلود، فإن إدارة الأمن قالت لهم إن الاعتقال جاء بسبب مخالفة خلود للعادات والتقاليد وأعراف المجتمع، ولنشرها صوراً وصفوها بـ"الفاضحة".

عن ذلك يضيف باشراحيل: "بعد أن عرفت بمكان اعتقال ابنتي حاولنا زيارتها لكننا منعنا من الزيارة".

يؤكد ذلك شهادة خلود لرصيف22، تقول: "منعوا عني أي زيارة في الثلاثة الأيام الأولى من الاحتجاز، حتى إنهم لم يسمحوا لي برؤية زوجي. ترجيتهم وتوددت لهم بكل الطرق وكان الجواب الذي أسمعه (خلوها تتربي). أخبرتهم بأني موافقة على الالتزام والتعهد بما يريدون، لكنهم رفضوا".

وعن ظروف احتجازها تقول: "مرت أيام الاعتقال السبعة وكأنها سبع سنوات، أسوأ أيام حياتي، لم أستوعب ما حدث. مكان الاحتجاز لا يصلح للعيش الآدمي، بالإضافة إلى جلسات التحقيق المستمرة والتي تناوب فيها أكثر من ستة محققين، وكأنني ارتكبت جريمة إرهابية. أسلوب التحقيق ونظرات الازدراء لي ولزوجي، في أول جلسة أخرج مدير الأمن آيباد فتح حسابي على فيسبوك، عرض الصور على زوجي ولم يتوقف عن الصراخ واستجواب زوجي عن سماحه بنشري لهذه الصور".

وتضيف: "كنت أعود بعد كل جلسة تحقيق وأنهار في نوبة بكاء لا تتوقف، إلا أن اللحظة الأكثر قهرًا، هي عندما صعد إليّ رجل عسكري مسلح تحدث معي بأسلوب وقح، بدأ بإلقاء نفس التهم المكررة بأني مدفوعة من المنظمات، ثم قال لي (زوجك هذا بايطشّوه) أي سيقتلونه، وبأن هناك جماعات تريد تصفيته، ثم مد يده في تجاوز وقح لتغطية خصلة شعر ظاهرة من الحجاب الملتف على رأسي، سحب الحجاب بقوة وقال (غطي شعرش هذا). لم أتحمل الموقف فانهرت بالبكاء فورًا".

أما عن قانونية التهم الموجهة لخلود، فلا يوجد قانون في اليمن ينصّ على ارتداء الحجاب، ولا شرطة آداب تراقب الملابس.

والد خلود: "فخور بما قامت به ابنتي، وأعتبره عملًا ثوريًا أمام التابوهات المغلقة على حياتنا وحريتنا، وهي خطوة شجاعة من فتاة في العشرين في سبيل انتزاع الحقوق الأساسية لها ولقريناتها". 

تشير المحامية سارة العولقي في حديثها لرصيف22 إلى أن هناك مواد قانونية عامة وفضفاضة جدًا يتم استخدامها بشكل مزاجي لقمع الحُريات الشخصية، خصوصًا عندما يتعلق ذلك بالنساء، بحجة مخالفة العادات والتقاليد، وتحديدًا المواد المتعلقة بمخالفة الآداب العامة.

وتنص المادة 199 من قانون الجرائم والعقوبات اليمني "يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنتين أو بالغرامة كل من أذاع أو نشر علنًا مطبوعات أو رسومات أو إعلانات أو صور محفورة أو منقوشة أو رسومات يدوية أو فوتوغرافية أو إشارات رمزية أو غير ذلك من الأشياء أو الصور العامة إذا كانت منافية للآداب العامة".

وعما تعرضت له خلود وزوجها تضيف العولقي: "اعتقال خلود وزوجها بهذا الشكل أمر غير قانوني البتّة، لأن القانون ينص على ألا تتجاوز مدة الاحتجاز الـ24 ساعة وإحالتهما إلى النيابة أو إطلاق سراحهما، كما أن منعها من الزيارة وإجبارها على حذف صورها والتعهد بعدم العودة لعملها في المودلينغ، هذه كلها كلها تجاوزات للقانون وانتهاك سافر للحرية الشخصية. عوضًا عما أسموها بجلسة المناصحة التي تعتبر سابقة متطرفة تخالف القانون جملةً وتفصيلًا، وتعتبر عن سوء استخدام للسلطة، وعن تقويض سلطة رجال الدين لمسار القانون، ووصول نفوذهم إلى أروقة الدولة لتنفيذ تفسيراتهم الدينية وأمزجتهم الشخصية". 

جلسة "استتابة" واستنطاق للشهادتين

بعد رواج خبر اعتقال باشراحيل على وسائل التواصل الاجتماعي، وبعد مطالبات من حقوقيين وناشطين بالإفراج عنها وزوجها، تم الإفراج المؤقت عنهما بالضمانة الحضورية، وبشروط خضعت لها باشراحيل وزوجها تمثلت في إجبارها على حذف صورها من حساباتها على مواقع التواصل، والتعهد بعدم العودة إلى عملها كعارضة، وعدم نشر أي صور تظهر فيها بدون حجاب، بالإضافة إلى إخضاعها هي وزوجها لجلسة مناصحة دينية وصفتها خلود لرصيف22 بجلسة "استتابة" لأنهم استنطقوها الشهادتين هي وزوجها.

تقول: "بعد ستة أيام من الاعتقال أخرجوني أنا وزوجي من السجن وأخبرونا بأنهم سيطلقون سراحنا بالضمان مقابل أن أحذف صوري وأتعهد بعدم العودة لعملي، وأن أخضع لجلسة مناصحة لأتوب عن خطئي حسب قولهم، ووعدني مدير الأمن بأنه سيكتفي بذلك ولن يحيل القضية إلى النيابة".

وتضيف: "أرسلوا زوجي ومعه شرطيان لإحضار هاتفينا من المنزل، لكن عندما عادوا تفاجأنا بأنهم صادروا هاتفينا وأعادونا للسجن، وفي صباح اليوم التالي أخرجونا من السجن وأحضروا هواتفنا وقمنا بحذف الصور مجبرين أمامهم، ثم أخبرونا أن ننتظر إلى العصر لنخضع لجلسة مناصحة الشيوخ". 

يحيى زوج خلود: "بشكل يومي كنت أسمع كلماتهم ونعتهم لي بتلك الصفات والألفاظ الشعبية التي تُلقى على كل رجل أظهر الاحترام لزوجته ولاختيارات حياتها، أخبرني أحدهم بأني (راضي) وتساءل آخر (أنت ما تغارش على عرضك؟) بل وصل الأمر باتهامي بأني أترزق من زوجتي وبأن هناك منظمات تدعمنا" 

وعن جلسة المناصحة تواصل خلود حديثها: "جلسة المناصحة حضر فيها ضباط الأمن مع شيخين أحدهما ألقى علينا محاضرة أخلاقية والآخر دوّن أقوالنا، وفي النهاية طلب منا الشيخ ترديد الشهادتين واتصل من هاتفه بقاض ليسمعه نطقنا للشهادتين".

تواجه باشراحيل حاليًا دعوى قضائية في النيابة بتهمة مخالفة الآداب العامة حسب قولها: "على الرغم من أن مدير الأمن قال إنه لن يحيل القضية للنيابة إلا أنه بعد الإفراج عنا وانطلاقنا بسيارة الأمن، وصل الشرطي ونحن في الطريق فطلب عودتنا فورًا، أعادونا إلى السجن لنقضي آخر ليلة قبل تحويلنا اليوم التالي إلى النيابة والإفراج عنا من هناك بالضمانة الحضورية، لحضور بقية الجلسات".

في هذا الصدد يقول والد خلود، خالد باشراحيل في حديثه لرصيف22: "الشيخ الذي أحضروه هو الشيخ صالح الشرفي إمام مسجد عمر في المكلا، ولا أعرف من خوّله إقامة مثل هكذا جلسة ومن أعطاه الحق والسلطة لاستنطاق ابنتي وزوجها الشهادتين في اتهام واضح بالردة، والذي قد يتمثل عليه تهديد مخيف لحياة ابنتي وزوجها، وما هذه الجرأة لاعتبار فتاة ظهرت بشعرها بأنها مرتدة".

نخرج من البيت متنكرين 

ولدت خلود باشراحيل وعاشت في العاصمة صنعاء، لكنها تقول بأنها مثل كثير من العائلات اليمنية غادرت هي وعائلتها إلى حضرموت بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء هربًا من ممارسات الحوثي تجاه النساء والنجاة من تقويض الجماعة للحياة العامة والخاصة، بحثًا عن بيئة مدنية تستطيع ممارسة حياتها الاجتماعية وتحقيق أهدافها، لكنها لم تجدها أيضًا في محافظة حضرموت، التي تعتبر تحت كنف الجمهورية اليمنية وتخضع لسلطة الحكومة المعترف بها دوليًا، لكنها تفاجأت بأنها لم تفلت من قبضة الخطاب الديني، إذ تعرضت هي وزوجها لحملات تحريض قادها رجال دين من المدينة، اعتبروا نشر خلود لصورها بدون حجاب تعدّيًا على الدين ومخالفة للشرع وللعادات والتقاليد، بل وصفوا ذلك بأعظم جريمة جنائية بحسب منشور عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الشيخ عبد الله رفيق السوطي نشره على صفحته في "فيسبوك"، وطالب السوطي في منشوراتٍ أخرى بقية "الجهات المختصة" في المحافظات الأخرى "بأن تحذو حذو شرطة حضرموت في ردع كل من تسول له نفسه المجاهرة بالمعصية" على حدّ قوله.

عن تأثير تلك الحملات تقول خلود: "ما زلنا أنا وزوجي حبيسين المنزل منذ خروجنا من السجن، فالمجتمع أيضًا سجن كبير، وسلطته أقوى حتى من سلطة الدولة وسطوته لا ترحم، خصوصًا وقد صوّرنا رجال الدين في خطبهم ومحاضراتهم بأننا تعدينا على الدين، لم نعد نضمن حياتنا هنا، حتى أننا إذا اضطررنا للخروج نتنكر كي لا يعرفنا أحد، أرتدي اللثام ويخفي زوجي هويته بارتداء كمامة وطاقية على رأسه حتى إن كان خروجه للبقالة المجاورة".

وتختم: "ألغيت كل أعمالي وكل جلسات التصوير التي كنت قد وقعت عليها عقوداً، أيضًا زوجي فصل من عمله، ونتعرض يوميًا لرسائل تهديد وشتائم لا تحصى، تعرضنا لوصم اجتماعي حتى من المقربين".

لم يقتصر تأثير تلك الحملات على خلود وزوجها فحسب، بل طالت والدها أستاذ اللغة خالد باشراحيل الذي فصل من وظيفته، بالإضافة إلى تعرضه لرسائل الشتم والطعن والتهديد بسبب موقفه الداعم لابنته. يقول: "يتوقع المجتمع مني ممارسة سلطتي على ابنتي وتخطيئها ومنعها من ممارسة حياتها الاجتماعية، وهذا من المستحيل فعله، لذا يهاجمونني لأنني خالفت توقعاتهم، ووقفت داعمًا لابنتي في ممارسة حقها في الحياة".

من جانبه اعتبر الصحافي اليمني نشوان العثماني بأن ما حدث لخلود لا يمكن اعتباره إلا "تطرفًا وإرهابًا فكريًا" في مدينة لم تعهد هذا التطرف من قبل، يقول لرصيف22: "للأسف الشديد ما حدث كان صادمًا على ذلك النحو. ما كان ليعبر إلا عن شيء واحد مفاده تنامي حالة التطرف السلفي في محافظات لم تكن تعرفه من قبل. والأدهى من ذلك أن بعض أوجه الصوفية الحضرمية شاركوا في التحريض ضد خلود باشراحيل، ما يجعل الفكر الصوفي هو الآخر متطرفًا. لا معنى لما حدث إلا أنه عبث وتطرف، وإرهاب فكري".

وعن جلسة المناصحة، يقول العثماني: "جلسة المناصحة أوضحت لنا أن أي فعل لا يرضاه الفكر الديني المتطرف ولا يتواءم معه يعني أنه خروج من الإسلام، بالتالي يقف هؤلاء النفر كما لو كانوا حراسًا على ضمائر الناس، يسمحون لأنفسهم التدخل بما يخص غيرهم على نحو فج لا يمت بصلة لحماية أي فضيلة. الفضيلة يجب أن تُحمى من رجال الدين أنفسهم ومن المتأثرين بهم أولًا. أكبر انتهاك للفضيلة هو التدخل في كرامة الإنسان وحريته في الاختيار. هؤلاء لا تعني لهم كرامة الإنسان أي شيء، ويكفرون بحرية الفرد. خلود لم تعمل شيئًا منافيًا للأخلاق على الإطلاق".

ويرى العثماني أن خلود بما قامت به "تكون قد كسرت حاجز الخوف. وقدمت مثالًا يُحتذى لكل امرأة يمنية. لا يمكن لأي مجتمع أن يمضي قُدمًا ونصفه مكبل. العادات والتقاليد إذا كانت ضد حرية الفرد، يجب علينا أن نرفضها وأن نتخذ موقفًا واضحًا منها. العادات والتقاليد صنعها أناس لم يكن وعيهم كافيًا لاستيعاب جوهر الإنسان ومعناه. ولا ننسى أن كثيرًا من العادات والتقاليد تراكم بعضها فوق بعض في مراحل مظلمة من التاريخ".

ويشير إلى أن التحولات لا بد أن تحدث في هكذا مواقف. أما عن الدين، فالإنسان مخير له حق الإيمان أو اللاإيمان، وله حق اختيار المعتقد الذي يراه مناسبًا. لا لفرض الوصاية على أي إنسان مهما كان ومن قبل أي شخص على الإطلاق.

وينهي العثماني حديثه موجهًا رسالة لخلود باشراحيل: "أحيي خلود كثيرًا جدًا على ما قامت به. كان موقفًا بطوليًا شجاعًا في سبيل الانتصار للحق الأصيل في حرية الاختيار. كرامة الإنسان وحريته فوق كل اعتبار، شريطة ألا يفرض رأيه على أحد، وألا يستخدم العنف. وخلود لم تفرض آراءها، ولم تؤذِ أحدًا. كان سلوكًا سلميًا بالكامل".

والد خلود هو الآخر يختم حديثه بقوله: "أنا فخور بما قامت به ابنتي، وأعتبره عملًا ثوريًا أمام تلك التابوهات المغلقة على حياتنا وحريتنا، وهي خطوة شجاعة من فتاة في العشرين من عمرها، فقد قدمت نفسها كفدائية في سبيل انتزاع الحقوق الأساسية لها ولقريناتها من النساء، وهذا عهدته منها وما زرعته فيها منذ طفولتها، وهو أيضًا ما يجب أن تقوم به بقية اليمنيات التي تحاول الأيديولوجيات الدينية تقويض حياتهن وتدجين هويتهن المدنية التي لطالما عرفت اليمن بها".

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

ثورتنا على الموروث القديم

الإعلام التقليديّ محكومٌ بالعادات الرثّة والأعراف الاجتماعيّة القامعة للحريّات، لكنّ اطمئنّ/ ي، فنحن في رصيف22 نقف مع كلّ إنسانٍ حتى يتمتع بحقوقه كاملةً.

Website by WhiteBeard