حسم الصراع وجدلية السلام... هل يمكننا الحديث مرةً أخرى عن دولة واحدة للفلسطينيين والإسرائيليين؟

الأربعاء 15 يونيو 202202:12 م

ضمن القراءة الطبيعية لأيّ صراع في أي مكان من العالم، فإنه لا يمكن تناول هذا الصراع بمعزل عن الاحتمالات التي أولها انتصار أحد الطرفين وهزيمة الآخر، وآخرها السلام... أما بالنسبة إلى الصراع العربي الإسرائيلي، فلا أحد انتصر ولا أحد انهزم منذ سبعة عقود ونيّف. بالرغم من أنَّ مفردتَي الانتصار والهزيمة رافقتا هذا الصراع على مدار سنواته، لكن السؤال الذي ظل مفتوحاً منذ البداية: كيف يُحسَم أطول صراع في التاريخ المعاصر؟ فكل الانتصارات والهزائم كانت مرحليةً غير منفصلة عن فكرة الجولة، حتى تراكُم الجولات والمراحل لم يضع حدّاً لهذه الحرب الضروس، التي حصدت الأرواح من الشعبين بالرغم من وضوح الجاني من بين القطبين والمجني عليه والمستفيد.

أما بالنسبة إلى الصراع العربي الإسرائيلي، فلا أحد انتصر ولا أحد انهزم منذ سبعة عقود ونيّف.

الأرضية التي انطلق منها الصراع

صحيح أنَّ هذا الصراع تم استئنافه من منطلق عقائدي، ولكن ليس صحيحاً أنَّ العقائد هي السبب، ولن تكون الحل، وقد ثبت ذلك في مجموعة الصراعات التي تم وأدها بالتخلي عن الأدلجة العقائدية، أوروبا الجديدة مثالاً... وليس مطلوباً الفهم من ذلك إسقاط الاتجاهات الأوروبية الحلولية على الصراع العربي الإسرائيلي، ففي أوروبا ما يكفي من أشكال غير تقليدية للصراع المركب الذي هو دون العداء المباشر بين الأذرُع، بل الاعتماد عليها ضمن سياق مرجعي تجريبي من أجل إرساء عالم جديد ومُشترَك تحت مظلة واحدة، تحترم الإنسان وحاجته إلى فض الحرب والخصوم... كرامةً للدم وصوناً لمفهوم الإنسان في أرض تاريخية كهذه.

إن التنقيب عن السلام يحتاجُ انتصاباً وجدانيّاً مستمرّاً بجوهرٍ سهل في صراعٍ مركّبٍ كهذا؛ لتعقيداته التي تنمو بالتوازي مع خط سير الزمن، وتشابك المعطيات الخاصة بهذا الصراع من دون استثناء فشل كل الرهانات على الحلول التي اقترِحَت في السابق، والتي أهمها حل الدولتين، وهو الحل الذي يأخذ صبغةً واقعيةً لا تخلو من الحس الصراعي... لكن ماذا عن دولةٍ واحدةٍ تلتقي فيها الهويات والأيديولوجيات المختلفة في أرضٍ كالتي يعيش عليها الفلسطينيون والإسرائيليون؟

بالرغم من أنَّ مفردتَي الانتصار والهزيمة رافقتا هذا الصراع على مدار سنواته، لكن السؤال الذي ظل مفتوحاً منذ البداية: كيف يُحسَم أطول صراع في التاريخ المعاصر؟ فكل الانتصارات والهزائم كانت مرحليةً غير منفصلة عن فكرة الجولة، حتى تراكُم الجولات والمراحل لم يضع حدّاً لهذه الحرب الضروس، التي حصدت الأرواح من الشعبين بالرغم من وضوح الجاني من بين القطبين والمجني عليه والمستفيد

بالرغم أن هذا السؤال (ماذا) ليس جديداً على مشهد الصراع، بل هو قديم يتجدد بتجدد الأجيال التي تنشأ في حالة من السأم نتيجة تراكم مشاهد القتل والدمار والخراب من زاوية فلسطينية، والتوتر وعدم الشعور بالتوازن على مستوى الفرد الإسرائيلي... فكان خليقاً بهذه الأجيال أن يخرج من بين ظهرانيها من يبحث عن حلٍ يُخلّصها من وثاقَي الحرب والخصومة اللذين اشتدا، ولا زالا يحفران معنييهما في الوجدان العربي الإسرائيلي بصورة غير مبررة، إن لم تكن الأيديولوجيات المتطرفة حاضرةً.

الدولة الواحدة تكفل للفرد الإنسان بتجرّده من الخلفيات الدينية، أن يعيش من دون موتٍ يسير معه أو يسايره على الأقل بالرغم من صعوبة هذا المطلب كون الدولتين بدأتا من خلال الارتكاز على تلك الخلفيات كمكون يبدو أساسياً من خلال المرئي من هذا الصراع.

الدولة الواحدة تكفل للفرد الإنسان بتجرّده من الخلفيات الدينية، أن يعيش من دون موتٍ يسير معه أو يسايره على الأقل بالرغم من صعوبة هذا المطلب كون الدولتين بدأتا من خلال الارتكاز على تلك الخلفيات كمكون يبدو أساسياً من خلال المرئي من هذا الصراع.

القومية اليهودية والشعب الفلسطيني: هل هناك مشتركات؟

إنَّ أهم ما يقرّب الأصوات، ويسمو بها لأجل بناء هذه الدولة الواحدة المنشودة، هو البحث في المُشترَكات بين الدولتين الفلسطينية والإسرائيلية، أو بمعنى أدق بين إنسانَي أو مواطنَي الدولتين، وقد نقصد هنا تجاوز الدولتين قصداً مبنيّاً على الحاكمية عندنا وعندهم؛ لأنَّ رأس هذه الحاكمية هو رأس مصالحي بعيداً عن اعتبارات الإنسان... يبدو ذلك شاعريّاً بالتأكيد إذا ما اقترن الأمر بتباينات الصراع، وشئنا أم أبينا لن ننفصل عن كوننا شعراء، ولكن ذلك لا ينفي إمكانية الجدولة الحقيقية لهذا التصور وتأكيدها واقعاً.

إنَّ أول مُشترَك بيننا وبينهم هو مركزية الدين في تصوراتنا، والمفارقة أن هذا المُشترَك هو أول سبب للانفصال بيننا وبينهم أيضاً... فالأديان (بما في ذلك الإسلامي واليهودي والمسيحي)، جاءت لتقتل الوحش في داخل كل منا، لكنَّ من نصّبوا أنفسهم بالوكالة ولاةً لأمر الشعبين، أزهقوا روح هذا الهدف المشترك... لذا وحتى لا نوقع العقائد في فخ الذاتية الفانية، علينا تحييدها من صراعٍ ليس بسيطاً وليس معقداً في آن... إذا ما اعترت فكرة التملُّص من لباسٍ دينيٍّ (فصَّلَته المصالح السياسية على حجم حاجة المعنيّ ببقاء جذوة الصراع في حالة من الاشتعال) عقولَ الجماهير التوّاقة إلى السلام والشعور بالمعنى بعد غيابه الطويل... فإنَّ كان هناك صراع عقائديّ كما ترى إدّعاءات أيقونية تفرض نفسها عند الطرفين بالخطاب الديني الموجه بمقاصد أبعد ما تكون عن مقاصد الدين الجوهري، فهو صراع ويظل، وكما اتفقنا فلكل صراع نهاية… لكن بعيداً عن حاجةِ الطرفيّن إلى النجاة، وحتى لا نُفهَم خطأً… فنحن لا ندعو إلى نسيان الدين أو التخلّي عنه... بل نريد أن يوضَع في موضعه الطبيعي، من خلال جعله رمزاً وخياراً نفعياً يتم اللجوء إليه وقت حاجة الإنسان الواحد إلى التذود الروحاني بعيداً عن الإقحام الدنيوي (بلغة الأديان) الذي يسيء إلى الدين وعلاقته الحقيقية بأفراد الشعوب.

إنَّ أهم ما يقرّب الأصوات، ويسمو بها لأجل بناء هذه الدولة الواحدة المنشودة، هو البحث في المُشترَكات بين الدولتين الفلسطينية والإسرائيلية، أو بمعنى أدق بين إنسانَي أو مواطنَي الدولتين، وقد نقصد هنا تجاوز الدولتين قصداً مبنيّاً على الحاكمية عندنا وعندهم؛ لأنَّ رأس هذه الحاكمية هو رأس مصالحي بعيداً عن اعتبارات الإنسان... 

السلام كداحض لنزعات ما دونه!

إنَّ فكرتنا هذه ليست جديدةً كما أسلفت في البداية، ولن تتوقف عن كونها جديدةً؛ لأنَّ حاجة الإنسان عموماً، والإنسان الفلسطيني والإسرائيلي خصوصاً... لم ولا ولن تتوقف عن البحث عن سلام، بل تتجدد بتجدد الخيبة والموت وفقدان التوازن... إذ ظهرت مجموعة من الأصوات التي لا أجزم بكثرتها أو قلّتها، نادت بالسلام وحل الدولة الواحدة... ولكن بعد فترة من الزمن كانت تنطفِئ وتتلاشى... قد نجد العذر هنا، لأنَّ قوة الإمكانيات من نصيب دُعاة الصراع ومُفتعليه... فمثلاً: في أثناء فترة الانتداب البريطاني، وبينما كانت جذوة الصراع في بداية التهابها، اقترح عدد من المثقفين اليهود، أبرزهم يهودا ماغنس ومارتن بوبر فكرة دولة ثنائية القومية، ولم يجد ذلك صداه عند الفلسطينيين، وربما قوبل بالرفض. في المرحلة نفسها، اقترحت أصواتٌ فلسطينية إنشاء دولة واحدة تضمن حقوق اليهود كأقلية دينية، ولكن مع تتابع مجريات الصراع العمياء، وتنامي منهاج ديفيد بن غوريون الانفصالي بعد هزيمة العرب الأولى عام 1948، ذابت هذه الأصوات في وطيس العداء، ولم تجرؤ على النبس بهذه الفكرة خشية الأذى الذي قد تتعرض له..

في فترة ستينيات القرن الماضي، وبالتزامن مع تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية، تنامت مجموعة من الأصوات التي تنادي بفكرة الدولة الواحدة الديمقراطية، التي يحكمها نظام علماني يكفل مجريات فكرة الدولة، ويحوّل الدين إلى ظاهرة روحية (هذا هو مكان الدين الحقيقي، ومكانته الطبيعية)، ولم تلقَ الفكرة رواجاً، إلى أن ماتت باعلان الفلسطينيين استقلال الدولة الفلسطينية عام 1988 في الجزائر.

إنَّ فكرتنا هذه ليست جديدةً كما أسلفنا في البداية، ولن تتوقف عن كونها جديدةً؛ لأنَّ حاجة الإنسان عموماً، والإنسان الفلسطيني والإسرائيلي خصوصاً... لم ولا ولن تتوقف عن البحث عن سلام، بل تتجدد بتجدد الخيبة والموت وفقدان التوازن... إذ ظهرت مجموعة من الأصوات التي لا أجزم بكثرتها أو قلّتها، نادت بالسلام وحل الدولة الواحدة

القومية اليهودية في كل المراحل حالت بين الواقع وتطبيق فكرة الدولة، وعلى النطاق ذاته كان شعور الفلسطينيين كشعب محتل. ما أرهق فكرة الدولة الواحدة هو احتكامها إلى المراحل، ومدى توغل تأثير هذه المراحل على نفوس الشعبين، وإدارة كل منهم، التي لم يخاطرها السلام يوماً؛ لأنّ الإدراتين وحدهما من يكسب من استمرار العنف، فلم نجد صوتاً إسرائيلياً واحداً وحقيقياً بعد النكبة، ينادي بالفكرة، وكذلك الفلسطينيون قبل النكبة، وهذا يدلل على أن أصحاب المصالح والدمويين مكنوا فكرة موازين القوة من السيطرة على عقل الشعبين إلى درجةٍ يتم فيها اتهام من يدعو لحل الدولة الواحدة المسكونة بالتعددية، بالعمالة، سواء من قِبل الحركة الصهيونية أو الحركة الوطنية الفلسطينية اللتين فشلتا فشلاً ذريعاً في الحلول الموازية من حربٍ استنزفت أرواحَ الطرفين، أو حل الدولتين الذي أثبت الفشل الذريع وسلّح الطرفين، مما زاد عدد الأرواح التي حُصِدَت... لكن هذا لا يلغي احتمال السلام الأقرب إلى الأكيد، والأدق إذا ما تم استئنافه كحلٍّ تلا حلولاً كثيرةً فاشلةً، ولو اخُتزِل ذلك على صعيد فكري مثل دواعي كل الأفكار التي بنت هذا الصراع مرحلةً مرحلةً ونتيجةً نتيجةً، ومرتكزاتها.

المحصلة التطبيقية لطموح السلام

كذلك تكون فكرة الدولة الواحدة إن وصلت إلى الجماهير بروحها النظرية على الأقل، وعلى سبيل الاحتمال؛ فالضمان التطبيقي حتمي، ولسنا نرجو أكثر من ذلك، فنحن ممن طالتهم ويلات هذا الصراع وتمت أذيتهم، وهُدمت بيوتهم... كان يمكن أن نمسك البندقية، ونظل نكتب على جُدُرنا "المقاومة جدوى مستمرة"، ونصرخ ونشجب لو أننا من ذوي ردود الأفعال المباشرة، لكنَّ الواقع وموازينه يجعلاننا نقف أمام عقولنا وقفة مراجعة، مؤداها ومنتهاها أننا وبالرغم من كل ما تعرضنا له بسبب عداء اليمين الصهيوني المتطرف، إلّا أننا لا زلنا دُعاة سلام ومؤمنين بفكرة دولة واحدة، يكون الإنسان فيها هو المركز، وسنظل ننادي بذلك إلى آخر نفس فينا، لأننا وبعد كل الذي مضى لا زلنا نؤمن بمطلب الإنسان. ندرك معاناة شعبنا، ونتأثر بها، ونعيشها يوميّاً... إن لفكرة الدولة الواحدة ما يمنح الفلسطيني، ولا يصنع من الإسرائيلي أكثر من مواطن في دولة، بل ويأخذ منه بالتزامن مع موازين القوى بين الطرفين واتساع الهوة السياسية والزمنية المعتمدة على الممكن بينهما... واعتقادي أنَّ الفلسطيني هو المستفيد هنا.

حل الدولة الواحدة يؤكد الصوت الفلسطيني، ويحميه بعد تراث طويل من الطمس سواء من قِبَل الاحتلال أو الأحزاب الفلسطينية التي حوّلت كبرياء شعبنا إلى ذل، والأقسى أنها جعلت هذا الشعب يعيش مع الذل، ويتعايش معه من خلال سياسة الفقر والتجويع والقبضة التي تعدّ على الفلسطيني أنفاسه، وتحرمه من التعبير عن نفسه وآرائه إلى درجة إلغاء قصوى... ويبدو ذلك جليّاً في قطاع غزة، وإن قال قائل إنَّ صوتي وصوت صديقي هما صوت رافض وغاضب نتيجة حالة الحصار المفروضة علينا من قبل يمين السادة ويمين العبيد، فإنَّ قول القائل صحيح، لأنَّ الغضب هو الذي يحرّك مطالبنا ويشرعنها، ولا يقتل فينا الثورة على ما يضطهد الإنسان الذي في داخلنا وخارجنا.

كان يمكن أن نمسك البندقية، ونظل نكتب على جُدُرنا "المقاومة جدوى مستمرة"، ونصرخ ونشجب لو أننا من ذوي ردود الأفعال المباشرة، لكنَّ الواقع وموازينه يجعلاننا نقف أمام عقولنا وقفة مراجعة، مؤداها ومنتهاها أننا وبالرغم من كل ما تعرضنا له بسبب عداء اليمين الصهيوني المتطرف، إلّا أننا لا زلنا دُعاة سلام ومؤمنين بفكرة دولة واحدة، يكون الإنسان فيها هو المركز

كمثقفين ومؤمنين بالدور الخلّاق للمثقف وعلاقته بقضايا الجماهير الكبرى، والتي نحن منها شاهدون على المآسي التي مرّ الشعبان بها، ومعاصرون لها، وبعد صمتٍ وخشية طويلين، قررنا أن نلامس الجرح الذي بدأ يتعفن، ونصرخ: كفى موتاً. هذه الصرخة التي لا تمثل غيرنا (أنا وصديقي)، من دون مساندة حزبية أو مؤسساتية أو أي من الجهات الأخرى، ولسنا أجندات أو موظفين عند أحد، بل شباب رأى وعيهم حقيقة هذا الصراع بعمقٍ ووضوح وتأثُّر كبير... وعزّت عليهما الأرواح التي تُزهَق يوميّاً والبيوت التي تُهدَم فوق رؤوس ساكنيها وحالة الضياع والتشرذم والعجز التي أصابت الأجيال نتيجة صراع مفتوح الفاتورة.

إنَّ السلام غاية، وإمكانية تحقيقه ستكون الوسيلة برأينا، والإمكانية ليست فكرةً استعاريةً بقدرِ ما هي حقيقة تفتقد إلى الإيمان وتقنية الجرّاح، فالهويات هنا في حالة من التداخل والتباين والقليل من التعقيد. لكنَّ الثابت حولها هو الصراع، لذا فالواجب التطرُّق إلى التصنيف الهوياتي، لأنَّ الهوية الدينية لكل منا (نحن وهم)، في صفة الثابت أيضاً، لكنه ثابت يتقاطع مع ثبات الصراع وفق أبجدية "ديناميكمرئية"، والمطلوب هو هذا الثابت الذي كان قبل بداية الصدام الهوياتي والحفاظ عليه، لأجل أن يبقى الدين منصةً لاجتثاث الوحشية ورغبات الشر من نفوس معتنقيه، لا أن يكون دافعاً لمزيد من أمراض يمينهم ويميننا المستفيدين الوحيدين من هذا الاشتعال، الذي امتهن كرامة الجماهير وأسس لسنوات من العداء. من الطبيعي ألا تكون الطريق ورديةً ومتاحةً أمام هذه الفكرة بسبب اليمينين المتطرفين، وإلّا فلماذا اندثرت من قبل؟ لكننا نرى أنّنا نقطة من نقاط السلام التي امتدت، ولا زالت تمتد بعد سؤال السلام الممتد النقاط.

كمثقفين ومؤمنين بالدور الخلّاق للمثقف وعلاقته بقضايا الجماهير الكبرى، والتي نحن منها شاهدون على المآسي التي مرّ الشعبان بها، ومعاصرون لها، وبعد صمتٍ وخشية طويلين، قررنا أن نلامس الجرح الذي بدأ يتعفن، ونصرخ: كفى موتاً.

هل يمكن أن يكون الحديث عن السلام بمعزل عن طرح برنامج سياسي يؤهله للمطابقة مع الواقع؟

الإجابة على هذا السؤال لا تكون بإخراج ورقة ووضعها على الطاولة، وللسائل؛ فإنَّ البرنامج موجود، وفي حالة توغُّل في الفكرة التي نطرحها، عنوانها العريض "موت الأيديولوجيا الدينية بتراتب يتوازى مع تطبيق السلام زمنياً ومكانياً"، وتلك هي صرختنا إلى حين أن يسمعها سامع، فنوضِّح أو نتّضح، ولسنا بمنأى عمن سبقونا في طرح السلام؛ لكننا إحيائيون، ولسنا مجددين أو مبتكرين في هذا الصدد، بل جئنا لنقول للجماهير المسحوقة التي أنهكتها الثائرة الانفعالية أنَّ السلام بين الشعوب ممكنُ الطرحِ والتطبيق، وتجاهل السادة الذين يجمعون رؤوس أموالهم من دم الشعوب ممكن. على الشعبين التحرر من قبضة الدكتاتور الناعم، والمستغل لتيه البوصلة الجماهيرية.

القوميات في أماكن مختلفة من العالم تعيش مع بعضها، وتتعايش، وتفهم بعضها بعضاً، ما عدا في الشرق الأوسط. ونحن كجزء صغير من هذا الشرق لا بد لنا من الوقوف على المحور ذاته؛ لنكن الصورة الأكثر إشراقاً. إننا ندعو إلى فهم الحاجة الفردية للمعالِم، وليس الحاجة الأيقونية التي تهمّش دور الجموع دائماً. هذه الحاجة الفردية ليست بمنأى عن مطلب العيش بأمان واستقرار، ويأتي ذلك من خلال تظاهرة فكرية عريضة تؤمّن للفرد أدواته ومكبّرات صوته التي من خلالها سيعلو هذا الصوت فوق صوت الإدارتين. إن هدفنا يرتكز على مراجعة تاريخ الصراع، فمراجعته تعني إعادة النظر الشاملة في ما وصل إليه. ستجد أنَّ الوتيرةَ نفسها منذ ما قبل الـ48 إلى اليوم، (حرب، هدوء، حرب)، وبسبب هذه النغمة فإنَّ جغرافيا العقل والمكان تعبت من هذا الاستنزاف والتحوّل الفج والمستمر، الذي مرّت فيه الأجيال، وملّت. المتغير هو محور الصراع في كل مرحلة، والمتمثل في إدارة الطرفين. ثم إنه لا يمكن أن نتجنّب كل النتائج التي أعقبت هذه السلسلة المقيتة، التي مرّت بها القوميات وأصحاب الأفكار على هذه الأرض، بما في ذلك دعاة السلام ودعاة الحرب.

كفلسطينيين، وخصوصاً في قطاع غزة المحاصر، وبعد أن فهمنا بشكلٍ عميق ودقيق نتيجة التكرار الجارف للخطايا والأخطاء والاضطهاد السياسي والقمع والحرب، وعشنا، وعايشنا نتائج قبضة اليمين على أعناقنا، فإننا لن نغفل دور بقية الشركاء كمنظمة التحرير التي احتكرت نفسها كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني. سؤالي: أين إرادة الشعب الفلسطيني بعد ما يقارب الستة عقود على تنصيب نفسكم هذا المنصب الاحتكاري؟ وأين حقه في اختيار ممثليه؟ لا أستطيع أن أقصي أو أنكر حجم ما قدمته المنظمة للشعب، لكنّي في اللحظة ذاتها لا أستطيع إنكار أنَّ المنظمة كانت لها يد في توثيق صورة حاضر الفلسطيني البائسة وربما تأكيدها. لذا، فالمنظمة التي تعيش حالةً من فقدان الوعي الشبيهة بالموت السريري، لا بد لها أن تفهم حالتها جيداً، وأن تفهم أنها ليست آلهةً، وأن تكون قابلةً للمرونة التي يصنعها الشعب الفلسطيني وتصنعها رغبته في العيش آمناً مستقراً، بعيداً عن الحروب وويلاتها. أما عن الشعب الإسرائيلي ذي الأغلبية اليهودية، فتاريخ معاناة اليهود من الاضطهاد القومي طويل وممتد منذ قرون طويلة... ومن الأمثلة على ذلك: مذابح رندفلاديش في أوروبا الوسطى، وجرائم محاكمة التفتيش الإسبانية، ومذابح شميلنيكي، وأزمة دريفوس، وأخيراً الهولوكوست...

كفلسطينيين، وخصوصاً في قطاع غزة المحاصر، وبعد أن فهمنا بشكلٍ عميق ودقيق نتيجة التكرار الجارف للخطايا والأخطاء والاضطهاد السياسي والقمع والحرب، وعشنا، وعايشنا نتائج قبضة اليمين على أعناقنا، فإننا لن نغفل دور بقية الشركاء كمنظمة التحرير التي احتكرت نفسها كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني. سؤالي: أين إرادة الشعب الفلسطيني بعد ما يقارب الستة عقود على تنصيب نفسكم هذا المنصب الاحتكاري؟ وأين حقه في اختيار ممثليه؟

وفي اعتقادي أنَّ مثل هذه الممارسات، لا يجب أن تكون مرتكزاً أو دافعاً للشعب اليهودي من أجل كراهية الشعوب الأخرى، أو تجلياً للنزعة الانتقامية والثأرية من شعب كالشعب الفلسطيني الذي لا ذنب له في كل ما حصل، والذي لم تكن غالبية أفراده تعلم عن تاريخ طويل من العنف ضد السامية، بل يجب أن تكون هذه الممارسات مدخلاً إلى بناء حالة من التعاطف مع الشعوب التي تتعرض للظلم كون الشعب اليهودي الأسبق في المعاناة، وأعلم أنَّ صورة العداء اليهودي لنا القائمة لا تجسد الكل اليهودي بل الجزء المتطرف اليميني منه، كما لا يمكن تدارك ويلات الشعب الفلسطيني الذي شكلت الاستعمارات المتعاقبة سلوكَ أفراده، وآلمته وحصدت عدداً كبيراً من أرواح أبنائه سواء في أثناء الاحتلال العثماني بحجة الخلافة، أو في أثناء الانتداب البريطاني الذي تلا معاهدة سان ريمو، أو الاحتلال الإسرائيلي الذي انطوى على وعد بلفور المشؤوم، وأخيراً؛ احتلال الأحزاب الفلسطينية الناعم، والتي أنهكت الفلسطيني من خلال الصراع العسكري، ومن ثم المناكفة التي جاءت نتيجةً للانقلاب الدموي بين حركتي حماس وفتح، والتي لم تترك إلّا العذابات والآلام والإنهاك وتعليق المصير والتجويع والإفقار والإذلال.

لهذا، كان من الحريّ أن نكفر بهذه الأحزاب، وبدورها السياسي والاجتماعي التدميري في حياة الفلسطيني، والذي هدفه فقط هو الكسب والثراء ورأس المال هو معاناة الشعب ودمه. قد يكون من الصعب علينا ملامسة هذا التجاوز واقعياً للدور الحزبي، ولكن من السهل الإيمان بطرحنا، الإيمان المشروط والمجرّد من أجل تحقيق لافتة خلّاقة يحفظها أفراد شعب مطحون وآخر سئم الصراع. قد نقفز ونتجاوز هذا الدور كردة فعل على أفعال، ولكن لا نفعل ذلك مع وجود هذه الأحزاب الفعلي، والذي يمتلك جدول أعمال وخطة. فنحن نخاطب أفراد الشعوب، والحزب الوطني هو مكان يجمع الأفراد على اختلاف الأطياف. كان من الممكن أن نفلسف الشعبين، ونؤرِّخهما، ونخرج بخطةٍ فكرية محكمة، وتنتظر التطبيق بالرغم من حضورها الذهني المستعد، لكن هذا ليس شأننا الآن، بقدر ما شأننا أن نلمسَ الجرح، ونشير إليه قائلين للشعبين: من هنا، من هذا المكان... يسيل الدم، وتصرخون أعزائي.

لا يمكن تدارك ويلات الشعب الفلسطيني الذي شكلت الاستعمارات المتعاقبة سلوكَ أفراده، وآلمته وحصدت عدداً كبيراً من أرواح أبنائه سواء في أثناء الاحتلال العثماني بحجة الخلافة، أو في أثناء الانتداب البريطاني الذي تلا معاهدة سان ريمو، أو الاحتلال الإسرائيلي الذي انطوى على وعد بلفور المشؤوم، وأخيراً؛ احتلال الأحزاب الفلسطينية الناعم

إنّنا كأفراد أولاً، وكمثقفين ثانياً، كان لزاماً علينا، ومن منطلق الأمانة الأخلاقية التي تقع على عاتق المثقف، أن نقول كلمتنا التي نؤمن بها، ونراها البوصلة الأصوب التي تحمي حقوق الشعبين اللذين أنهكتهما الحرب المفتوحة، وشتتت الشمل، وجعلت من المكان مسرحاً لآخَرٍ وآخَر... وليس ذلك هو المنشود إذا ما ارتبط ذلك بأرضٍ تاريخيّة ومقدسة كفلسطين، تلك التاريخية التي اكتسبت نفسها من كونها رمزاً دينياً مهمّاً للمسلم والمسيحي واليهودي وغيرهم... وليس حكراً على دين واحد أو جهة واحدة أو حزب واحد. من هذا المنطلق، يبقى الدين عقداً روحياً خالصاً يجمع تحت مظلته كل الأطياف، بعيداً عن كونه تبريراً باطلاً لحالة الصراع. ستبقى الشعوب حيةً، والأحداث ستموت وصداها، كما سيموت من ينادي بالدم، ومثل الشعوب: السلامُ سيبقى حيّاً أبديّاً.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard