صلاح الفرد في قوّته لكيلا ينتهي ذبيحاً

الثلاثاء 23 نوفمبر 202109:12 ص

المجتمع العربي، مجتمعان: مجتمع نهاري، مجازاً، ومجتمع ليلي، أيضاً على سبيل المجاز. أما مجتمع النهار، فهو المجتمع القيمي، والقانوني، والأخلاقي، وعلى العكس تماماً ينتصب المجتمع الليلي، فالقيم والقوانين والضوابط الأخلاقية، تُخترَق وتنتهَك وتُستباح بقوانين وقيم وضوابط معاكسة، في أي وقت، آناء الليل وأطراف النهار، وما من مشكلة أو ملامة أو حساب، طالما أن هذا يحدث في السرّ، والسرّية هنا، تشبه سرّية "العادة السرية": الكل يعلم بها على الرغم من التسمية الشكلية!

هذه ليست أحجية الدكتور "جيكل"، بل هي من الواقع الحياتي المعيش لعموم المجتمعات العربية، التي تخشى القانون ولا تحترمه، وترتدي زي القيم وتخلعه حسب الظرف، وتحض على الضوابط الأخلاقية علناً، ثم تحزّ رأسها متى دعت الحاجة إلى ذلك.

ما من مشكلة أو ملامة أو حساب، طالما أن هذا يحدث في السرّ، والسرّية هنا، تشبه سرّية "العادة السرية": الكل يعلم بها على الرغم من التسمية الشكلية!

الأمثلة على ذلك أكثر من أن تُحصى، ولكن يمكن إيراد بعض هذه المتناقضات التي يحيا العربي على إيقاعها، فالرشوة مثلاً، مجرّمة قانونياً، ومرفوضة أخلاقياً، وخارجة عن مفهوم القيم، لكن هذا لا يعني أنها ليست صاحبة الكلمة الفصل في شأنٍ وظيفي، أو مهني، أو دراسي... إلخ، والجميع يعرفون أنها كذلك، ويمارسونها حتى من تأذّى منها!

الفساد، آفة الآفات في مجتمعات العالم الثالث، الجميع يرفضونه وينددون به، لكن متى دعت الحاجة إليه، فهو السيّد، حتى أن دائرة الفساد تصبح حلماً يسعى كل من هو خارجها، ليكون داخلها، فمن خلالها، ومن خلال علاقاتها وشبكتها المترامية الأطراف، وفي الاتجاهات كلها، يستطيع أن يكون من طبقة السادة، حتى لو كان لصاً حقيراً، ولن يصبح كذلك من دونها، مهما كان إنجازه الشخصي يستحق الاحترام والتقدير.

وعلى هذا الشكل، أو الحال، يمكن أن تنسحب العديد من القيم والمفاهيم الاجتماعية والأخلاقية، في المجتمعات العربية، خصوصاً تلك التي يحكمها نظام شمولي، يهتم بالحفاظ على الشكل القانوني، والعرفي، والديني منها، وهو في الواقع، يكرّسها ويرعى تفشّيها بين الأفراد.

هذا التناقض الأخلاقي، والقيمي، والقانوني، حرّض الفنون على الخوض في تفاصيله، وكان للأدب الدرامي، أن نقل هذا المزاج السائد، من الشارع إلى الشاشة الصغيرة، الأكثر قدرةً على الوصول إلى الجمهور، قبل ظهور الشبكة ومواقع التواصل الاجتماعي؛ من بين القصص الرمزية في إسقاطاتها، الواقعية بمجرياتها، تأتي القصة التي كتبها الفنان الفذّ نهاد قلعي كدراما تلفزيونية، متصلة ومنفصلة، حملت عنواناً رمزياً، دالّاً، "صح النوم"، وفيها ترد هذه الحكاية المعبّرة أيما تعبير عن التناقض القيمي، والأخلاقي، والقانوني، الذي تحيا المجتمعات العربية عموماً على إيقاعاته العجائبية.

الفساد، آفة الآفات في مجتمعات العالم الثالث، الجميع يرفضونه وينددون به، لكن متى دعت الحاجة إليه، فهو السيّد، حتى أن دائرة الفساد تصبح حلماً يسعى كل من هو خارجها، ليكون داخلها

المصلح الاجتماعي "غوار الطوشة"

مع بداية الجزء الثاني من مسلسل "صح النوم"، يقرر "غوار الطوشة" (الشخصية)، وبعد خروجه من السجن، وبالتزامن مع حلول شهر رمضان، أن يُصبح إنساناً صالحاً، بعد أن تم إصلاحه وهو داخل السجن، بعد قراءته كتباً لم يفهمها! ويعتزم أيضاً إصلاح مجتمع حارة "كل مين إيدو إلو"، المجتمع الذي يُخبر اسم حيّزه الجغرافي، عن طبيعة أفراده، والسلوك العام لنهجهم في الحياة.

يستهلّ غوار مشواره الإصلاحي بمساعدة المثالي/ الأخلاقي "حسني البورظان" الذي أصبح مختار الحارة، وباحثة ومُصلحة اجتماعية (صباح الجزائري)، يقع غوار في حبّها.

يُحدث قطيعةً مع الجانب الشرير فيه، فيتخلى عن قوّته، وخبثه، ويهجر فلسفة "المخ والعضلات" (عقله المتّقد دهاء ومكراً، وقوة أبي عنتر الجسدية)، ويتحول إلى الجانب اليسوعي الكامن فيه، فيسلك طريق البرّ والتقوى والخير والمحبة، بدلاً من طريق الشر والعدوان التي سلكها طوال حياته.

منذ انطلاقة مسيرته الإصلاحية، يصطدم "غوار" بجهل الناس، وشرّهم. أخلاقياته اليسوعية الجديدة، تأخذ بالتهاوي أمام جشعهم، وطمعهم، وأذيتهم، وفسادهم. الفساد لم يكن محصوراً بالمجتمع/ الناس، فلقد كان قائماً في أعلى السلطة أيضاً، مُمثلةً في رئيس المخفر بدري أبو كلبشة (الفنان الراحل عبد اللطيف فتحي). لكنه لا يستسلم، ولا يقطع الأمل في إصلاح المجتمع، ويصرّ على المضي قدماً في مشروعه الرومانسي، فيفتتح "دكاناً للإصلاح"!

يبدأ غوار، بحصد ثمار تخلّيه عن واقعيته وقوّته، ورضوخه لإرادة الضعف المتدثّرة بعباءة "الأخلاق"، فيتعرّض لمختلف أشكال الاعتداء والظلم من سكان الحارة، بدءاً من ممثل السلطة رئيس المخفر، وانتهاء بالأقل شأناً من أهل الحارة، "ياسين" أو "ياسينو"! كل جريمة، وكل سرقة تحصل في الحارة، تُلصَق به، فيُسجَن، ويُهان، ويُذَلّ حتى من المرأة التي كان متيّماً في عشقها، "فطوم حيص بيص".

لا يقف معه إلّا حسني البورظان، ربما لمثاليته، والمُصلحة "المثالية أيضاً" التي تقع في حبّه، وأبو عنتر، والذي على الرغم من أنه "خرِّيج سجون" ولا أحد يأمن شرّه، إلا أنه عفوي، وصادق، ومُخلص لصديقه غوار، ربما لتحرره من منظومة النفاق الاجتماعي، وتمرُّده على القوانين؟!

بعد محاولات يائسة لإصلاح نفوس صدئة، لا يمكن إصلاحها بالكلام المنمّق عن الخير والصلاح والاستقامة والتكافل والتعاضد، يتصالح غوار مع حقيقة استحالة الإصلاح، ويعترف بها، ويستسلم لها، لكنه لا يعود إلى عهده السابق، ويبقى مصرّاً على لعب دور الإنسان المستقيم، فيتلقّى المزيد من الذلّ والمهانة، ويرثي نفسه، ويهجو ضعفه، ويمتدح القوّة بأغنية "يا عنيّد يا يابا"، وهي من التراث العراقي بصوت مشهور دياب، لكنّه يقدّم نسخةً معدّلةً منها، ويغيّر كلماتها لتعبّر عن حالته.

بعد فشل مشروعه الإصلاحي، وانتكاسه، وكفره بالبشر، واكتشافه جوانب مظلمة في أعماقهم كان يظنّها محصورةً فيه، يقرّر غوار الانتحار مرات عدة، لكنه في كل مرة يفشل، وكأن الطبيعة كانت تعطيه فرصةً، وتقول له: إياك، ليس هذا طريقك. كأنها تُرسل له رسائل أن عُد إلى رشدك، وإلى سبيلك الذي اصطفيته لك، سبيل الأقوياء والمقتَدِرين.

إن صلاح الفرد في قوّته، وفي تصالحه مع ما اختارته الطبيعة له، أي ضرورة أن يكون قوياً، وذئباً، وغولاً، لكيلا يفنى وينتهي ذبيحاً، وفي أحسن السيناريوهات مُهمّشاً ومنسياً ومذلولاً، على حَلبة مصارعة الحياة

ومع نهاية شهر رمضان، ومع سماع غوار مدفع العيد، يستجيب لرسائل الطبيعة، ولنداء القوّة، فيعود إلى غوار القديم، القوي، المتَّسق مع طبيعته البشرية، والعَالِم بجهل الناس وشرّ نفوسهم، والمؤذي، والثعلب المكّار الذي يتلاعب بمجتمع كامل، ويعود إلى التحالف القديم بين المخ والعضلات، بينه وبين حليفه الإستراتيجي "أبو عنتر"، ويستأنف مقالبه بأهل الحارة، ويبدأ بسدّ دين الإهانة والذلّ الذي أذاقوه إياه في فترة صلاحه وإصلاحه.

عند هذه النقطة تحديداً، عند عودة "غوار" إلى أصله، إلى نهجه القديم، إلى الاستجابة الإثباتية للحياة -التعبير لنيتشه- إلى الالتحام بروح القوة والتناغم مع سلطتها، والتمتع بامتيازاتها، وقطيعته مع نهج المُصلحين المثاليين، يكون قد تم إصلاحه فعلاً، وأصلح نفسه كما أراد، ونجح مشروعه الإصلاحي الفردي لا المجتمعي، لأن صلاح الفرد في قوّته، وفي تصالحه مع ما اختارته الطبيعة له، أي ضرورة أن يكون قوياً، وذئباً، وغولاً، لكيلا يفنى وينتهي ذبيحاً، وفي أحسن السيناريوهات مُهمّشاً ومنسياً ومذلولاً، على حَلبة مصارعة الحياة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard