أمريكا وملوك الأردن… الحسين حمت عرشه الاستخبارات المركزية وعبد الله تجاهله ترامب وقرّبه بايدن

الخميس 7 أكتوبر 202108:54 ص

تمحور التفاعل الأمريكي مع المملكة الأردنية الهاشمية حول رجلين هما الملك الراحل الحسين بن طلال ونجله الملك عبد الله الثاني، العاهل الحالي للبلاد، فيما يبقى ولي العهد الذي يحمل اسم جده غير معروف على نحو جيد للأمريكيين، في تحدٍ كبير أمام بلد مُحاط بدول طموحة لدى بعضها مخططات توسعية على حساب الأردن.

في تقرير له نشره معهد بروكينغز، أوضح بروس ريدل، الذي خدم في وكالة الاستخبارات الأمريكية المركزية لمدة 30 عاماً، مطامع الدول المحيطة في الأراضي الأردنية. قال إن سوريا كانت تتوق إلى ضم الأردن الذي كان جزءاً من المملكة العربية السورية حتى عام 1920، وإن العراق كان له مخطط مشابه، في حين سعت السعودية للاستيلاء على العقبة ومعان في الجنوب، وحاولت مصر لسنوات ضم الأردن في "الجمهورية العربية المتحدة" التي شملت مصر وسوريا.

علاوة على استيلاء إسرائيل على الضفة الغربية وتفكيرها في الاستيلاء على الجولان الأردني. وذلك على الرغم من أن لدى هؤلاء الجيران اقتصادات أقوى وجيوشاً أكبر من الأردن الشحيح الموارد الطبيعية والذي يعتمد بشكل كبير على المساعدات الخارجية، بدءاً من بريطانيا، ثم من أمريكا ودول الخليج، لإبقاء جيشه قوياً واقتصاده مستقراً.

لكن الأردن يبقى رغم ذلك "حليفاً إستراتيجياً" لواشنطن بفضل موقعه الإستراتيجي وامتلاكه حدوداً طويلة مع إسرائيل، يضاف إليهما قربه من دول الخليج النفطية، بحسب ما قاله لرصيف22 المحلل السياسي الأردني والأكاديمي منذر الحوارات.

أمريكا والملك حسين

ورث الحسين حكم الأردن في السابعة عشرة من عمره. لم يتوقع أحد أن يستمر في الحكم إذ نجا من عدة محاولات اغتيال نفّذ بعضها مصريون وسوريون وفلسطينيون وأفراد من جيشه، حسب قول ريدل الذي عمل مستشاراً لأربعة رؤساء أمريكيين من جورج بوش الأب حتى باراك أوباما.

نجا الملك حسين أيضاً من هجوم جوي إسرائيلي على قصره في حزيران/ يونيو عام 1967. أكد ريدل أن "شجاعته" لم تكن موضع شك منذ شهد مقتل جده عبد الله في القدس عام 1951، مبرزاً أن تلك الشجاعة حازت إعجاب كل رؤساء أمريكا من دوايت أيزنهاور إلى بيل كلينتون.

"تعلّم من أخطائه ولم يكررها تقريباً. لقد بقي خارج حرب عام 1973 باستثناء انتشار رمزي لدعم القوات السورية"... عن علاقة العاهل الأردني الراحل الملك حسين والولايات المتحدة

مع ذلك، أشار ريدل إلى عوامل خلاف بين الملك حسين وأمريكا حين كاد أن يتورط في حرب ضد إسرائيل عام 1956، قبل مشاركته بالفعل في حرب عام 1967 إذ ذهب إلى القاهرة وسلّم قيادة الجيش الأردني إلى مصر، ما ترتب عليه استيلاء إسرائيل على الضفة الغربية من الأردن.

واستدرك ريدل بالقول إن الملك حسين "تعلّم من أخطائه ولم يكررها تقريباً. لقد بقي خارج حرب عام 1973 باستثناء انتشار رمزي لدعم القوات السورية".

خطأ آخر للملك حسين أثّر على علاقته بأمريكا لفت إليه ريدل وهو دعمه سياسات "صديقه"، الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، خلال الحرب العراقية الإيرانية وحتّى إبان غزو العراق للكويت. كلّف هذا الأردن حسن علاقاته مع الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والسعودية. اعترف الملك حسين بخطئه بعد عام 1995 ودعم جهود الإطاحة بصدام حسين.

قال المحلل الحوارات إن الخلاف حول حرب الخليج الأولى (الحرب العراقية الإيرانية بين عامي 1980 و1988) كانت "أول الخلافات القوية بين البلدين"، مبرزاً أن التحالف الإستراتيجي بين البلدين للعوامل التي ذكرها سلفاً ساهمت في "تجاوز" هذه الخلافات.

وبيّن ريدل أن الملك حسين "أحب الأمريكيين وأمريكا منذ زيارته الأولى للولايات المتحدة عام 1959. وكان يستمتع بالسفر إلى أمريكا. وامتلك منزلاً خارج واشنطن يُدعى ‘ريفر هاوس‘، منحه مقراً للقاء أقوى الأشخاص نفوذاً وتأثيراً في البلاد". وذكر أنه في المقابل، ساعدت وكالة المخابرات المركزية الملك حسين في البقاء في السلطة أكثر من مرة كما أحبطت محاولات لإزاحته.

عبد الله قرّبه بايدن

أما الملك عبد الله، فتلقى تعليمه في الولايات المتحدة في جامعة جورج تاون، كما حضر العديد من الدورات العسكرية في قواعد عسكرية بكنتاكي وكانساس، وهو كثير التردد إلى الولايات المتحدة. ضمن تسريبات وثائق باندورا الأخيرة، ورد أنه يمتلك العديد من العقارات في جميع أنحاء الولايات المتحدة. 

في رأي ريدل، الملك عبد الله "يشبه والده كثيراً" لكنه "تعلّم من تهوره" فأصبح قائداً حذراً ورزيناً حتى في خلافاته مع حكام البيت الأبيض. قال ريدل إن الملك عبد الله كان معترضاً على قرار الرئيس جورج بوش الابن بغزو العراق عام 2003 لكنه لم يجاهر بذلك تفادياً للخلاف مع واشنطن. ثم أُصيب بـ"خيبة أمل" فشل أوباما في وضع سياسة صارمة تجاه سوريا خلال فترة حكمه الثانية، واكتفى بالتعبير عن ذلك للمشترعين الأمريكيين الذين زاروا بلاده.

لفت ريدل إلى أن الملك عبد الله كان حريصاً على الدعم العسكري والاستخباري الأمريكي أكثر من الخلافات السياسية. بل قال إن العاهل الأردني الحالي وأباه الراحل كانا "قليلي الحيلة" في التعامل مع الولايات المتحدة، فيما كان لدى إسرائيل والسعودية الكثير لتقدماه للرؤساء الأمريكيين، مضيفاً أن بعض الإدارات الأمريكية، لا سيما إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب، "تجاهلت عمان إلى حد ما".

في غضون ذلك، نبّه ريدل إلى أن الأردنيين اهتموا بدور العلاقات العامة في التواصل مع البيت الأبيض والحكومة الأمريكية والكونغرس. على سبيل المثال، رُحب بوفود الكونغرس في عمان، وحرصت "الملكة" على التعامل مع وسائل الإعلام الأمريكية، على الأقل منذ ظهور الملكة علياء في الصحافة الأمريكية.

"يشبه والده كثيراً" لكنه "تعلّم من تهوره"... محلل أمريكي بارز يوضح كيف تمكّن الملك عبد الله الثاني من "إعادة ضبط العلاقة" مع أمريكا من "التجاهل" في عهد ترامب إلى الدعم الصريح من بايدن

قال الأكاديمي والباحث السياسي كورتيس رايان، في تقرير نشره "المركز العربي واشنطن دي سي"، إن سنوات ترامب تمحورت حول إسرائيل والخليج، خاصةً السعودية والإمارات، والقلق بشأن إيران وطموحاتها مع تهميش الشعب الفلسطيني والحلفاء التقليديين مثل الأردن الذي اعتاد حكامه القيام بدور كبير مع حليفتهم، الولايات المتحدة، في المنطقة.

وعليه، اعتبر أن سنوات حكم ترامب كانت مزعجة وغير مألوفة، لا سيّما أن سياسة البيت الأبيض كانت تتعارض مع تفضيلات السياسة الأردنية الرئيسية، بما في ذلك اعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل سفارتها إليها، وقطع تمويل وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا).

في هذا الصدد، قال الحوارات إن سياسة ترامب أثّرت بشكل كبير على دور الأردن في المنطقة، بل ساعد ترامب هو وصهره جاريد كوشنر مع دول أخرى في محاولة قلب نظام الحكم التي عُرفت بقضية "الفتنة" في نيسان/ أبريل الماضي. وإن كان شدد على أن هذا الخلاف لم يدخل في أساس العلاقات الإستراتيجية ولم يؤثر على استمرار المساعدات العسكرية والتنسيق الأمني، متابعاً بأن "كل هذا تغير مع قدوم الرئيس جو بايدن". 

يعرف عبد الله جو بايدن جيداً، وفق قول ريدل الذي أشار إلى أن بايدن سارع إلى تقديم الدعم العلني للملك عبد الله ومحادثته هاتفياً لدى الكشف عن قضية "الفتنة". 

وفي تموز/ يوليو الماضي، عقد الزعيمان اجتماعاً وصفه ريدل بـ"الممتاز". كان العاهل الأردني أول زعيم عربي يلتقي بايدن الذي أعاد التأكيد على دعم أمريكا الأردن والملك عبد الله في رمزية مهمة.

وفي رأي رايان فإن زيارة الملك عبد الله إلى واشنطن أتاحت الفرصة لإعادة ضبط العلاقة المتبادلة. علماً أن الطرفين كانا قد وقعا اتفاقية تعاون دفاعي جديدة في كانون الثاني/ يناير عام 2021، وتم تصنيف الأردن رسمياً كحليف رئيسي من خارج الناتو.

في تموز/ يوليو الماضي أيضاً، كانت الولايات المتحدة قد أغلقت القواعد الرئيسية ومستودعات الإمداد في قطر، ونقلت بعض قواعدها وموظفيها وإمداداتها إلى الأردن بدلاً منها. يعني هذا أن الأردن سيكون له دور في الإستراتيجية الأمريكية لمواجهة إيران، ربما ليس بالمعنى العسكري المباشر بل كمضيف لبعض القوات الأمريكية على الأقل.

كذلك، أرسلت الولايات المتحدة 500 ألف لقاح للأردن لمكافحة فيروس كورونا.

عصر تفشي الوباء والإرهاب يفرض على الأردن تحضيراً خاصاً لولي عهده ليكون جاهزاً وقادراً على تولي زمام السلطة حين يحين دوره.

وعلى الرغم من أن الشعب الأردني ينظر بشكل سلبي للتقارب مع أمريكا، فإن الحكومة ترحب به خاصةً أنها تأمل في الحصول على استثناءات أمريكية تساعدها في تجاوز قانون "قيصر"، الذي يقيد التجارة بسوريا.

أخيراً، انضم الأردن إلى الدول العربية التي كسرت الحصار المفروض على الرئيس السوري بشار الأسد. وبات يهتم أكثر بزيادة التجارة الأردنية السورية لتحقيق فوائد اقتصادية وعملية بينها تأمين حدوده الشمالية.

أظهر بيان البيت الأبيض عقب لقاء الملك عبد الله وبايدن توافقاً بين الجانبين في عدة ملفات حيوية. ورد أن "الرئيس (بايدن) أعرب عن دعمه القوي لحل الدولتين للصراع الإسرائيلي الفلسطيني واحترام دور الأردن الخاص كوصي على الأماكن الإسلامية المقدسة في القدس". وأشاد بالاتفاق الإسرائيلي الأردني على زيادة إمدادات المياه للأردن و"بالدور المهم الذي يلعبه الأردن في الاستقرار الأوسع للمنطقة".

غير أن ريدل يعتقد أن الحل لم يشمل جميع القضايا، مشيراً إلى أن الملكين الحسين وعبد الله أخبرا الرؤساء الأمريكيين بلا كلل أن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني هو أحد الأسباب الجذرية للتوتر في المنطقة، وعبرا عن شعورهما بالإحباط لأن الرؤساء الأمريكيين المتعاقبين  فشلوا في معالجة القضية أو تجاهلوها.

"السياسات الأمنية هي مسألة عابرة للرؤساء وطويلة الأمد، وهو ما يعني أن الأردن والملك القادم سيظلان حليفين إسترايجيين للولايات المتحدة"... 

مستقبل العلاقة الإستراتيجية

في حين تبدو العلاقات الأردنية الأمريكية مزدهرة راهناً في ظل التوافق بين الملك عبد الله وبادين، رأى ريدل أن مستقبل هذه العلاقة الإستراتيجية غير محدد المعالم إذ لم يتم عمل الكثير لإلقاء الضوء على ولي العهد الأردني الأمير الحسين الذي يحتاجه للتحضير ليصبح ملكاً ولكي يعرفه الأمريكيون وغيرهم من الحلفاء عن كثب.

ألمح أيضاً إلى أن تنصيب ولي العهد غير المتزوج يترك خط الخلافة غير واضح، منبهاً إلى أن عصر تفشي الوباء والإرهاب يفرض على الأردن تحضيراً خاصاً لولي عهده ليكون جاهزاً وقادراً على تولي زمام السلطة حين يحين دوره.

علماً أنه أقر بأن الملك عبد الله "فعل الكثير" لإعداد ابنه للعرش مستقبلاً. أبرز أن الحسين ولد في حزيران/ يونيو عام 1994، ودرس في جامعة جورجتاون والأكاديمية العسكرية الملكية في ساندهيرست، مثل والده، وخدم في كتيبة النخبة من القوات الخاصة في الجيش الأردني أيضاً مثل والده.

أصبح الحسين ولياً للعهد عام 2009، بعد خمس سنوات من إطاحة عبد الله أخاه غير الشقيق حمزة من خط الخلافة.

من وجهة نظر الحوارات، لن تتخلى الولايات المتحدة  عن الأردن في المستقبل، ويظهر هذا من خلال نقل القوات العسكرية إلى المملكة أنها تحتفظ بمكانها في خطة مستقبلية أمنية لواشنطن على المدى البعيد. بيّن أيضاً أن الأمريكيين الآن يجددون الدعم الاقتصادي للمملكة الهاشمية.

وختم المحلل السياسي الأردني بالقول إن السياسات الأمنية هي مسألة عابرة للرؤساء وطويلة الأمد، وهو ما يعني أن الأردن والملك القادم سيظلان حليفين إسترايجيين للولايات المتحدة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard