نائب رئيس البنك الدولي وراعي مكتبة الإسكندرية الجديدة... رحلة اسماعيل سراج الدين

الجمعة 20 نوفمبر 202003:21 م

يأتي هذا المقال عقب تغطية رصيف22 للملتقى الثقافي (المجلس) الثامن والأربعين، الذي يديره الباحث الإماراتي سلطان سعود القاسمي، عبر الإنترنت، من خلال مؤسسة بارجيل المتخصصة بالشأن الثقافي والفني. يهدف المجلس الثقافي إلى الجمع بين الإبداع الفكري والفني في العالم العربي والبحث الأكاديمي في الولايات المتحدة، عبر إقامة حوار شامل يربط الشعوب والأفكار والثقافات.

حمل الملتقى، الذي استضاف المفكر والبروفيسور المصري إسماعيل سراج الدين، عنوان "رحلة عمر: ما بين التعلم والعمل"، وحاور فيه القاسمي الضيف الذي قدمه شادي عرفة، المساعد الخاص السابق له أثناء إدارته لمكتبة الإسكندرية، بحضور عدد من المهتمين بالشأن الثقافي ومتابعي نشاطات مؤسسة بارجيل.

نال إسماعيل سراج الدين دكتوراه من جامعة هارفارد في دور التعليم بالتنمية، وعمل نائباً لرئيس البنك الدولي، ثم عمل مديراً لمكتبة الإسكندرية في مصر منذ تأسيسها عام 2002 وحتى عام 2017. له العديد من المؤلفات باللغات العربية والفرنسية والإنكليزية في مختلف المواضيع الثقافية والأدبية والعلمية، تصل إلى 115 كتاباً وأكثر من 500 مقال وفصل في كتاب، نذكر منها: "شيخ الجامع الأزهر في العصر العثماني، 2016"، "ابن خلدون: إنجاز فكرى متجدد، 2008"، "قضايا المياه في العالم، 2008"، "طه حسين: معلم الأجيال، 2007"، "حداثة شيكسبير، 2002".

لنتعرف إلى إسماعيل سراج الدين، البروفيسور المصري الذي شغل منصب نائب رئيس البنك الدولي، وأعاد إحياء مكتبة الإسكندرية الأثرية

عائلة من الرواد

"عرابة القاهرة والوصية على آثارها" هي المؤرخة والفنانة ليلى علي إبراهيم، والدة إسماعيل سراج الدين، كما وصفها المعمار والمؤرخ السوري ناصر رباط، الذي اعتبرها أهم جندي مجهول في حفظ تاريخ القاهرة المعماري الإسلامي. وهي ابنة علي باشا إبراهيم، من أوائل جامعي آثار الفن الإسلامي بين عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، ومجموعته كانت من أهم المجموعات في متحف الفن الإسلامي في القاهرة عند تأسيسه، بحسب سراج الدين. كما أنه رائد النهضة الطبية في مصر الحديثة، فقد اختير عميداً لكلية الطب عام 1929، ليكون أول عميد مصري لكلية طب قصر العيني، وقد فتح علي باشا إبراهيم الباب أمام الفتيات المصريات لدراسة الطب، وألف الجمعية الطبية المصرية، وكان من مؤسسي المجلة الطبية المصرية، وعين وزيراً للصحة عام 1940.

وابنته ليلى إبراهيم، ورثت عنه شغفه بجمع الفنون والآثار الإسلامية، وقد تطوعت بوقتها لتدريس تلاميذ المرحلة الابتدائية عن روائع التراث الإسلامي المحيطة بهم. كما كانت تلقي محاضرات عن التاريخ والآثار الإسلامية في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وتستضيف الباحثين الدوليين المهتمين بدراسة العمارة والتاريخ الحضري المصري، "كانت تعرف كل حجر من آثار القاهرة"، يقول سراج الدين.

وهي فنانة تشكيلية تعرض أعمالها في متحف الفن الحديث في القاهرة، وناشطة نسوية وشخصية غير اعتيادية: "بعد وفاة أبي وزواج شقيقتيّ، آثرت والدتي إكمال دراستها الجامعية، وخيبت توقعات دائرتها المجتمعية التقليدية"، وقد حازت على العديد من الجوائز من ألمانيا وهارفرد وغيرها.

ومن جهة الأب، ينتمي إسماعيل سراج الدين لأسرة سراج الدين التي كان جدها شخصية سياسية، فؤاد باشا سراج الدين، مؤسس حزب الوفد الجديد، ووالده، أنيس سراج الدين، أحد رواد الهندسة المعمارية المصرية الحديثة، حيث تبرز أعماله الهندسة المصرية في أوائل العصر الحديث. قام برنامج الأرشفة الرقمية في مكتبة الإسكندرية بأرشفة ستة عشر مشروعاً من مشروعاته الهندسية، ويحتفظ قسم الكتب النادرة والمجموعات الخاصة بمكتبة الإسكندرية بمجموعة تخصه، وتضم 260 رسماً معمارياً عن مشروع مقبرة الآغا خان الأثرية في مدينة أسوان الجنوبية، وفيلم الوصايا العشر.

ولد إسماعيل سراج الدين لهذه العائلة عام 1944، ولأن والده لم يرغب بإلحاقه بمدرسة أجنبية، تلقى سراج الدين تعليمه في مدرسة حكومية مصرية، وفضّل تعليمه اللغات في المنزل: "هذا يسمح لي بأن أقول أحياناً، ما العيب في المدارس الحكومية المصرية؟ لقد كنت نتاجاً لها". دخل المدرسة في عمر الرابعة، وكان يقرأ شيكسبير ويلقي شعره في هذا السن، وظهر اهتمامه بالكتابة الصحافية في سن مبكرة، حين طلب من والده أن يساعده ليعد مقابلة مع الصحافي المصري فكري أباظة، وينشرها في مجلة الحائط المدرسية، "لينتهي الأمر بإجراء فكري أباظة مقابلة معي أيضاً نشرت بعنوان: مقابلة مع أصغر صحافي في مصر"، كما يقول سراج الدين.

وأنهى تعليمه المدرسي بزمن قياسي، ليلتحق بكلية الهندسة في جامعة القاهرة بعمر الخامسة عشر، ويحصل على جائزة "عيد العلم" من الرئيس المصري آنذاك، جمال عبد الناصر، لنيله المرتبة الأولى على دفعة الهندسة على مستوى الجمهورية. وقبل ميلاده الواحد والعشرين، التحق سراج الدين بجامعة هارفارد: "أرسلت لهم طلباً كتبت فيه: أرجوكم اقبلوني وأرسلوا لي منحة فوراً لأنه لا يمكنني تحويل المال من القاهرة".

إسماعيل سراج الدين: لا تقوم تنمية الدول على رؤوس الأموال كعامل أساسي، بل تتعلق بالعنصر البشري بالدرجة الأولى، ومن هنا جاء اهتمامي بدور التربية في عملية التنمية

حصل سراج الدين على درجة الماجستير بامتياز في الرابعة والعشرين من عمره، وحصل على شهادة الدكتوراه بعد أن ناقش في بحثه دور التربية في التنمية: "قلت للبروفيسور المشرف على رسالتي: لقد اكتشفت أن كل ما تعلمناه في الاقتصاد خاطئ، وعندما طلب مني توضيح ما أعنيه، أخبرته أننا قد ركزنا في دراستنا على علاقة رؤوس الأموال بتنمية الدول، لكن التنمية في الحقيقة تتعلق بالعنصر البشري". وهكذا بدأ سراج الدين بحضور محاضرات في كلية التربية لإعداد بحثه.

إحياء مكتبة الإسكندرية

بعد تخرجه من هارفارد بدأ سراج الدين عمله في البنك الدولي في العاصمة الأمريكية واشنطن، حيث شغل عدة مناصب، منها رئيس المجموعة الاستشارية لمساعدة الفقراء: "ألقى روبرت أس مكنامارا، رئيس البنك الدولي آنذاك، محاضرةً مؤثرة، حثنا فيها على التركيز على الفقراء وهو يدرك أن الكثير من المدراء لا يرتاحون لهذه الفكرة، لكنه كان يعول علينا نحن الشباب".

وهكذا أمضى 28 سنة في العمل من خلال البنك الدولي على مشاريع التنمية في أفريقيا والعالم. وفي عام 1993 عينه رئيس البنك الدولي، لويس تي بريستون، أول نائب له للتنمية البيئية والاجتماعية. وعلى حد تعبير سراج الدين، فإن البنك كان مكاناً هاماً للعمل، لأنه على عكس باقي الأمم المتحدة: "لم يكن يهم ما هو جواز السفر الذي تحمله في كل المناصب، وصولاً إلى نائب الرئيس، لأن الرئاسة دائماً ما كانت لشخص أمريكي".

حصل بعدها سراج الدين على عرض يصفه بـ "ما لا يمكن رفضه لأنه تحويل الحلم إلى حقيقة"، وهو إعادة خلق فكرة مكتبة الإسكندرية الأثرية بروح المكتبة القديمة وتقنيات القرن الواحد والعشرين، ليبدأ رحلة جديدة من هذا المكان.

كانت مكتبة الإسكندرية القديمة "ببلتيكا دي لاكسندرينا" أقدم مكتبة حكومية عامة في العالم القديم، ومركزاً حضارياً للعولمة مزج بين علوم الشرق والغرب، وقد أحرقت بأكملها كما تذكر بعض المصادر التاريخية على يد يوليوس قيصر. ليشهد عام 2002 محاولة لبعثها من جديد بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والتعليم والثقافة "اليونيسكو"، في عهد الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك.

محاولة بعث مكتبة الإسكندرية القديمة، هي إعادة إحياء لمركز كان يعد نموذجاً للعولمة في العالم القديم، بكل ما جمعته من علوم والغرب والشرق

يقول الدكتور إسماعيل سراج إن مبنى المكتبة أتمّه مجموعة من الشباب والشابات، والتصميم المعماري للمكتبة عبارة عن مبنى أسطواني غاطس في منتصف المسافة بالأرض، مماثلاً لشروق الشمس، حيث يرتفع المبنى 33 متراً فوق سطح الأرض، بينما يوجد 12 متراً منه تحت السطح. وتكسو الجدران المحيط بالمكتبة أحجار الغرانيت الأسواني غير اللامع، التي حفرت عليها أحرف أبجدية من كل لغات العالم.

ويتكون شعار المكتبة من ثلاثة عناصر هي قرص الشمس ومياه البحر والفنار. ويعبر "قرص الشمس" غير المكتمل عن فكرة استمرار البعث والإحياء: حيث يخرج قرص الشمس من مياه البحر باعثاً الحياة والنور على أرض مصر التي ارتبط قرص الشمس بحضارتها على مر العصور، كما يعبر قرص الشمس غير المكتمل أيضاً عن فكرة إشراق مكتبة الإسكندرية من جديد لإحياء دورها الحضاري الذي أشعَّ على دول العالم قاطبة. ويعبر عنصر "الفنار" المرتفع فوق "سطح البحر" عن مدينة الإسكندرية الساحلية، موطن المكتبة الكبرى القديمة، ذلك أن الفنار كان أحد معالمها ورموزها الشهيرة وإحدى عجائب الدنيا السبع.
ومكتبة الإسكندرية تعد من أوائل المكتبات الرقمية في القرن الواحد والعشرين، وتضم ضمن مبناها مكتبة تتسع لأكثر من ثمانية ملايين كتاب، ست مكتبات متخصصة، 19 متحفاً ومعرضاً فنياً، 15 مركزاً للبحوث والتوثيق، قبة سماوية، قاعة استكشاف ومركزاً للمؤتمرات يتسع للآلاف، وقاعة للمطالعة، هي واحدة من كبريات قاعات المطالعة في العالم، وغيرها من الأقسام.

"وصلنا لـ 1.4 مليون زائر للمكتبة بحلول عام 2010، وإلى تنوع في نشاطاتها لتحتضن الأوركسترا الأولى في الإسكندرية، أوبرا عربية، عروضاً مسرحية وغنائية راقصة في "مهرجان الصيف" من كل أنحاء العالم، حظيت بحضور كبير، وهو ما لم يرُق لبعض فئات المجتمع المحافظة الذين انتقدوا هذه العروض"، يقول سراج الدين.

وقد جمعت المكتبة فعاليات تنوعت بين الفن والعلوم، فأقامت أول معرض دولي للكتاب في الإسكندرية، و73 دورة تعليمية و316 نشاط فني مدرسي.

رسالة أوصلناها لشباب ثورة يناير

يذكر سراج الدين أن شارع مكتبة الإسكندرية شهد تظاهر ثوار يناير وحملة العلم الضخم التي أحاطت بالمكتبة من جميع جوانبها: "أدركت أنهم لم يحموا المكتبة فقط لقيمة المبنى ومحتوياته، وإنما فهموا جوهرها ورسالتها من خلال غرافيتي رسموه على أحد الجدران المقابلة للمكتبة، للأهرامات المصرية الثلاثة ورابعها كان المكتبة، يعلوه جامع وكنيسة. وبذلك أثبتت المكتبة أنها لا تتبع لحزب أو لمؤسسة سياسية بل تنتمي لكل فئات الشعب".

ليس غريباً أن يتضارب المشهد الثقافي والإبداعي الحالي المزدهر في المنطقة العربية مع الوضع السياسي الكارثي، فالنصف الأول من القرن العشرين كان أهم حقبة إبداعية في الغرب، وأسوأ فترة سياسية في العالم

بعد خدمة دامت 14 عاماً في المكتبة، تعاقب خلالها 4 رؤساء على جمهورية مصر، تمكنت المكتبة من الحفاظ على استقلاليتها عن السلطة. عُرض على سراج الدين تمديد إدارته للمكتبة لخمس سنوات أخرى، فآثر البقاء لسنة واحدة ليغادر في 2017: "كانت فترة عملي في المكتبة غنية جداً، تمكنت خلالها من تكوين صداقات قيمة مع شخصيات عربية وعالمية، مثل بيل غيتس، نيلسون مانديلا، غورباتشوف، كلينتون، جاك كوستو، أحمد زويل، وغيرهم الكثير من الشخصيات العلمية والدينية والفنية".

من الجدير بالذكر أن إسماعيل سراج الدين وجهت له تهم من نيابة الأموال العامة في مصر تتعلق بإهدار المال العام، لتعيينه مستشارين بمرتبات كبيرة تصل إلى عشرات الآلاف من الجنيهات في الشهر، وتعاقده على إنشاء كافتيريات ومطاعم ملحقة بالمكتبة، لكن تمت تبرئته من هذه التهم بالكامل، وقد وقعت العديد من الشخصيات المرموقة أكاديمياً ودبلوماسياً في مصر رسائل دعمته فيها حينها، كما وقعت عريضة من قبل عدد من رؤساء الدول والعلماء والحائزين على جائزة نوبل لمؤازرة قضيته.

وبعد عقود من العمل الاقتصادي والأكاديمي والبيئي، كان خلالها سراج الدين محاضراً في أهم المحافل الدولية، وتلقى العديد من الجوائز و40 شهادة دكتوراه فخرية من كل أنحاء العالم، يقول: "العالم منزلي، الإنسانية عائلتي واللاعنف عقيدتي. لطالما كانت أهدافي هي تحقيق السلام، العدالة، المساواة والكرامة للجميع، هذا كان العامل المشترك بين عملي في البنك الدولي بمكافحة الفقر أو بإعادة إحياء مكتبة الإسكندرية، وسأتابع دفاعي عن هذا المبادئ".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard