إغراق حسن "كيف"... فصل آخر من الحرب التركية على تراث الأكراد

الأربعاء 2 سبتمبر 202012:45 م

"إغراق الحكومة التركية لبلدة حسن كيف الأثرية هو جريمة مخزية بحق الحضارة الإنسانية"، هكذا غرد منذ أيام الصحافي والناشط في مجال حقوق الإنسان والأستاذ المحاضر في العلوم السياسية بجامعة لندن، بامو نوري على حسابه في موقع تويتر، تعقيباً على تشغيل الحكومة التركية لسد إليسو المقام على نهر دجلة بكامل استطاعته، ما أدى إلى غمر عدد من القرى المجاورة ومنها بلدة حسن كيف االتاريخية.

ويتابع نوري " يتوقع بأن سد إليسو سيولد من الطاقة الكهربائية ما يكفي لثمانين عاماً فقط، وهذا أشبه بأن تقوم الحكومة المصرية بتدمير أهرامات الجيزة لبناء مجمع تجاري". ويعتقد بأن الحكومة التركية من خلال هذا "تحاول محو كل تاريخ يسبق الغزو التركي للأناضول والمذابح التي أحدثتها فيها".

تعد بلدة حسن كيف الأثرية الواقعة جنوب شرق تركيا، واحدةً من أقدم البلدات التي استمرت مأهولةً عبر التاريخ حيث يقدّر عمر آثارها ب 12 ألف سنة. أطلق عليها السريانيون اسم "كيفا" وأسماها العرب "حصن كيف" وفي أواخر عهد الدولة العثمانية تحول اسمُها إلى "حسن كيف" الحالي. وقد أُعلنت البلدة منطقة محمية في عام 1981.

وبالرغم من ذلك كان من المتوقع اختفاؤها كلياً منذ العام الماضي بسبب مشروع سد لتوليد الطاقة الكهرومائية "إليسو" المقام على نهر دجلة والذي يعود لعام 1950. ولأن السد سيتسبب بغمر 90% من البلدة في مياه بحيرته الاصطناعية، جمدت المعارك القانونية العمل فيه حتى عام 2006. وبالفعل حدث المحظور في إبريل الماضي من العام الحالي حين تم تشغيل السد بطاقته القصوى لتبتلع المياه قرية حسن كيف بشكل شبه تام وينقل سكانها، وغالبيتهم من الأكراد، إلى بلدة أخرى بديلة تم إعمارها حديثاً لهذا الغرض.

وفي حين يعتقد البعض أن هذه كانت خطة الحكومة التركية من البداية بتهجير الأكراد ومحو إرثهم بشكل ممنهج وتحت غطاء مشروع قومي تدعي أنه يشكل حاجةً ملحة لمد القسم الجنوبي الشرقي من تركيا بالطاقة الكهربائية وري الحقول الزراعية فيه، تبقى المشكلة بيئيةً بالدرجة الأولى ومؤثرةً على المناطق العراقية الحدودية.

سد إليسو هو مشروع الحكومة التركية الذي أغرق بلدة حسن كيف الكردية الممتدة إلى 12 ألف سنة في التاريخ، ولا زال يشكل خطراً بيئياً على الأهوار العراقية المحاذية ويهدد حصة العراق من نهر دجلة

إلى أين يمتد قدم البلدة في التاريخ؟ وما هي الخسائر البيئية والثقافية المترتبة على غمر البلدة؟ وهل يشكل هذا المشروع تهديداً لمستقبل العراق، ويخالف اتفاقية المياه الدولية؟ هذا ما نحاول الإجابة عنه في هذا المقال.

مشروع السد

في أواخر السبعينيات، أطلقت الحكومة التركية مشروع جنوب شرق الأناضول (مشروع GAP)، بهدف معلن هو إنتاج طاقة بتكلفة أقل وتشجيع إعادة توزيع الأراضي عن طريق زيادة مساحة الأراضي الصالحة للري عبر إنشاء 22 سد. ومع ذلك، فإن التكاليف الباهظة للغاية، والتأخيرات في المشروع، والآثار البيئية السلبية للسدود، والفشل في إنشاء العديد من أعمال الري، حولت تنفيذ GAP إلى مشكلة متفاقمة صعبة الحل على مر السنين.

مشروع سد إليسو هو ثالث أكبر مشروع للطاقة الكهرومائية في GAP، بسعة تزيد على 10 مليار متر مكعب وقدرة إنتاجية تصل إلى نحو 1200 ميغاواط من الكهرباء؛ ويغرق خزان البحيرة لاصطناعية حوالي 300 كيلومتر مربع في وادي دجلة. لكن على الرغم من بدء أعمال هذا المشروع في عام 1954، لم تتم الموافقة عليه حتى أواخر التسعينيات. منذ ذلك الحين، شرعت العديد من اتحادات الشركات الأوروبية في المشروع، لكنها لم تتلق دعم وكالات ائتمان الصادرات الوطنية (ECAs) بسبب الآثار الاجتماعية والبيئية والثقافية المثيرة للجدل التي قد تسببها؛ لذلك انسحبت العديد من هذه الشركات من المشروع.

كما حذر المجتمع المدني من الآثار الخطيرة لبناء السد منذ بداية إنشائه، ونظمت الاحتجاجات والمظاهرات وحملات في تركيا وأوروبا، والتي كان لها دور رئيسي في زيادة الوعي بين المؤسسات والمواطنين. من بينها حملة "مبادرة الحفاظ على حياة حسن كيف" التي بدأت في عام 2006 ونظمت مخيماً للاحتجاج في أكتوبر 2010. وعلى الرغم من عدم التوصل إلى اتفاق نهائي بين مختلف الجهات الفاعلة المشاركة في المشروع، فقد تم بالفعل تنفيذ تدابير النزوح وإعادة التوطين.

في عام 2010، أعرب الرئيس التركي عن استعداده لمواصلة المشروع مع البنوك الوطنية العامة والخاصة حتى بدون دعم مالي خارجي. وقد استؤنفت الأعمال بالفعل في عام 2011، بتمويل من شركات وطنية وأوروبية. وسط محاولة مهندسي وخبراء البيئة في تركيا إيقاف المشروع من خلال استدعاء المحكمة الإدارية في ديار بكر. وفي يناير 2013، بعد أن حكمت المحكمة بوقف المشروع بسبب عدم القدرة على تقييم الأثر البيئي بشكل دقيق، غيرت الحكومة التركية القانون متجاهلةً القرار ومتابعةً المشروع.

في سبتمبر 2014، سحبت النمسا وألمانيا وسويسرا دعمها لضمانات قروض التصدير لمقاولي البناء للمشروع لأن القيمين على المشروع لم يتمكنوا من تحقيق الشروط البيئية والثقافية التي حددها البنك الدولي. ومع ذلك، فإن بناء السد استمر في ظل ظروف بيئية غير آمنة. ورداً على ذلك، دمر في  أوائل عام 2015 حزب العمال الكردستاني آلات وأنبوب من موقع البناء، ليأتي الرد الحكومي بزيادة عسكرة الموقع، بإضافة 600 جندي إلى 1.000 جندي كانوا موجودين أصلاً في الموقع.

علاوةً على ذلك، أجبرت المعارضة الشديدة للمشروع من قبل السكان المحليين الشركات على توظيف عمال غير محليين. حيث أقيم في 20 تشرين الأول (أكتوبر) 2015 يوم حسن كيف العالمي ضد سد إليسو وهدفت إحدى الحملات إلى إعلانه موقع تراث عالمي من قبل منظمة اليونسكو، إلى جانب الأهوار العراقية. ومع ذلك، فإن بناء السد استمر لتتحقق مخاوف المجتمع المدني والناشطين بشأن التهديدات التي يمثلها كنزوح آلاف القرويين الأكراد إلى المدن وتشريد نحو 80 ألف شخص من 199 قرية بحسب وكالة رويترز ونقص مياه الري في الوديان العراقية.

أضرار المشروع البيئية والثقافية

يؤثر سد إليسو على مجموعة مهمشة من السكان القاطنين على بعد بضع مئات من الأميال جنوبًا وهم عرب الأهوار الذين يعيشون في السهل الغريني لنهر دجلة والفرات، في السفوح الواطئة لجبال طوروس في تركيا، ويعتمدون على النظام البيئي للأراضي الرطبة في الزراعة وصيد الأسماك. إضافةً إلى أن التأثير البيولوجي للسد على التنوع البيئي والأحيائي لحوض النهر يحمل نتائج كارثية تؤدي إلى انقراض العديد من الأنواع المحلية.

وأما من جهة تأثير السد على حصة العراق من مياه النهر، فيعتقد رمضان حمزة محمد، كبير خبراء الاستراتيجيات والسياسات المائية، وعضو هيئة التدريس في جامعة دهوك بالعراق، أن "الوضع المائي في العراق يتجه نحو العوز المائي، وستتفاقم الأزمة المائية بسبب تحكم دول الجوار في حصصه المائية، وسوء الإدارة المائية داخلياً". ويستطرد: ”هذا بالإضافة إلى عدم وجود مخزون استراتيجي يعتمد عليه في سنوات الجفاف والشحة، بسبب عدم وجود سدود كبيرة وتقادم عمر سدي دوكان ودربنديخان واستمرار المناخ المتطرف في المنطقة". ما يترك للعراق مخزون مائي وحيد يؤمنه سد الموصل، الذي يخزن ما لا يتجاوز سبع مليارات متر مكعب.

تزخر بلدة حسن كيف بالأوابد التاريخية من العصر البيزنطي إلى الإمبراطورية الأيوبية وعهد الدولة الأرتقية، التي كانت تؤمن نشاطاً سياحياً ينعش اقتصاد المنطقة، فما مصير هذه الآثار وإلى أين مآل سكان البلدة؟

وإضافةً إلى ما خلفه السد من تداعيات سلبية بيئياً وسكانياً، يشكل انتهاكاً لمنطقة تاريخية وسياحية يفترض أن تكون محميةً وفق القوانين الدولية. يذكر تقرير لقناة الجزيرة أن السلطات التركية نقلت كافة الآثار التاريخية من البلدة ومن ضمنها آثار تعود إلى العهد الأيوبي أهمها المدرسة التي تلقى صلاح الدين الأيوبي تعليمه فيها. وما استعصى على النقل فكك قطعةً قطعة ليتم تركيبه مرةً أخرى.

وتزخر المنطقة بالأوابد التاريخية مثل قلعة حسن كيف، واحدة من القلعتين اللتين استولى عليهما الإمبراطور البيزنطي قسطنطين عند دخوله مدينة ديار بكر، والقصر الكبير الذي يقع في شمال القلعة تحت الأنقاض. وبسبب عدم وجود أي كتابة على جدرانه فإنّ زمان بنائه وهوية بانيه لا زالا مجهولين حتى يومنا هذا. لكن خصائص المبنى رجحت التخمينات إلى أنه يعود إلى عهد الدولة الأرتقية أو سلالة بني أرتق التركمانية التي حكمت جنوب شرق الأناضول (ديار بكر ومردين) وشمال الجزيرة الفراتية في الألفية الميلادية الأولى.

ويجدر الذكر أن في البلدة جامعاً أثرياً هو جامع الرّزق، الذي بني بأمر من السلطان سليمان الأيوبي في عام 1409 ميلادي. حيث كُتبت عليه أسماء الله الحسنى التسعة وتسعين. ولكن لم تبق منه سوى المنارة وباب المدخل. ويعد جسر حسن كيف من أكبر الجسور الحجرية التي بُنِيَت في العصور الوسطى. وتُشير معلومات غير مؤكدة إلى أن الجسر بُني بعهد الدولة الأرتقية عام 1122. وعلى مدى التاريخ المديد لهذه المدينة، مر عليها الآشوريون والرومان والسلاجقة وغيرهم تاركين وراءهم تراثاً استثنائياً في موقع يستقطب آلاف السياح بسبب الكهوف المنتشرة فيه والتي بقيت مأهولة حتى السبعينات.

فإذا تمكنت الحكومة التركية فعلاً من نقل كل هذه الآثار، هل تستطيع نقل دلالة الأرض وتاريخها الطويل ومكانتها بالنسبة لسكانها الأكراد؟

الحرب المائية التركية ضد الأكراد

ما فعلته الحكومة التركية ببلدة حسن كيف الكردية والبلدات المجاورة لم تكن آخر معاركها في حربها المائية ضد الأكراد. ففي الشهر الماضي يونيو من العام الحالي، كما تذكر آريان شاهفيسي، أستاذة جامعية في فلسفة الأخلاق في جامعة برايتن، في مقالها "وداعاً حسن كيف" قطعت الحكومة التركية الإمدادات عن مدينة الحسكة في سوريا، تاركةً نحو مليون نسمة بدون مياه للشرب. كما خفضت التدفق إلى المناطق المحيطة بكوباني (عين العرب) بمقدار الثلثين، الأمر الذي قلل من المياه المتاحة للري والكهرباء، وهدد الإمدادات الغذائية المحلية نتيجةً لذلك.

تواصل الحكومة التركية حربها على الأكراد في معيشتهم وثقافتهم، والبعض يعتقد أن مشروع السد هو خطة ممنهجة لتهجيرهم

وإلى جانب العنصرية وعنف الدولة التركية ضد الأكراد، يواجه الأكراد في تركيا منذ فترة طويلة محاولات شرسة لقمع لغتهم وثقافتهم والقضاء عليها. وبرأي شاهفيسي "يبدو أن القضاء على التاريخ العريق الذي احتضنته بلدة حسن كيف والتراث الحضاري الذي مثلته للشعب الكردي هو خطوة أخرى لمحو الثقافة الكردية".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard