التنقيب في ذاكرة المكان والصورة... مع المفكّر السوري ناصر الرباط

الجمعة 24 يوليو 202002:10 م

يأتي هذا المقال عقب تغطية رصيف22 للملتقى الثقافي (المجلس) الواحد والثلاثين الذي يديره الباحث الإماراتي سلطان سعود القاسمي، عبر الانترنت من خلال مؤسسة بارجيل المتخصصة بالشأن الثقافي والفني. يهدف المجلس الثقافي إلى الجمع بين الإبداع الفكري والفني في العالم العربي والبحث الأكاديمي في الولايات المتحدة عبر إقامة حوار شامل يربط الشعوب والأفكار والثقافات.

حمل الملتقى، الذي استضاف المعمار والمؤرخ والأستاذ ناصر رباط (18 يوليو) عنوان "رحلتي مع التاريخ"، وحاور فيه القاسمي الضيف بحضور عدد من الأساتذة والباحثين في فن العمارة والتاريخ، إضافةً إلى العديد من المهتمين بالشأن الثقافي ومتابعي نشاطات مؤسسة بارجيل.

ناصر رباط، مؤرخ ومعمار سوري، يشغل وظيفة أستاذ الآغا خان للعمارة الإسلامية، وهو حالياً مدير برنامج الآغا خان للعمارة الإسلامية في معهد ماساتشوستس في الولايات المتحدة الأمريكية. يدرّس ويكتب ويحاضر في عدة مواضيع تشمل تاريخ وثقافة العمارة والفن الإسلاميين، وبشكل خاص في الفترات الأموية والأيوبية والمملوكية، وحداثة القرن التاسع عشر وتاريخ العمران الكلاسيكي والإسلامي. هو، إضافة إلى ذلك، مهتم بالبحث التاريخي بدءاً من منظور دراسات ما بعد الاستعمار والاستشراق وانتهاءً بالتاريخ العربي المعاصر الفني والمعماري والسياسي والثقافي المعرفي.

نشر البروفيسور رباط أكثر من 80 بحث من مقالات وفصول كتب باللغات العربية والفرنسية والإنكليزية. كما صدرت له عدة كتب نذكر منها "ثقافة البناء وبناء الثقافة" (2002)، "التاريخ المملوكي من خلال العمارة" (2010)، "البيوت ذوات الباحات: من الدلالة الثقافية إلى التأثير العالمي" (2016)، وآخرها كان كتاب "عمارة المدن الميتة: نحو قراءة جديدة للتاريخ السوري" (2018).

"يلزمنا قرية لنجاح أستاذ"

هكذا اختار أن يخبرنا ناصر الرباط بامتنانه للعدد الكبير من الأشخاص الذين كانوا وراء نجاحه العلمي والمهني مقتبساً مثلاً إفريقياً يقول "يلزمنا قرية لتربية طفل". ولعله قبل أن يذكر هؤلاء لم ير بداً من الحديث عن مدينة دمشق التي ولد ونشأ فيها ودرس في كلية العمارة في جامعتها. عن دمشق يقول الرباط، "إنها مدينة ولادة الأمل ثم تحطمه، مدينتي التي تخلف في داخل كل واحد من أبنائها آثارها وبصماتها بشكل لا يمكن الإحاطة بأبعاده".


ناصر رباط للملتقى الثقافي: حبي لأسرتي هو حبي الأكبر. ما يبقيني عاقلاً وراضياً هو وجود زوجتي رندا وابني كنان، وهما شريكاي في رحلاتي للتنقيب عن تاريخ العمارة

وهناك في دمشق تعرف ناصر إلى من يرجح أن يكون من أوائل أجداد العائلة، أحمد الحلبي المعروف بالرباط بعد أن أهدى له أحد الأصدقاء مخطوطاً هو "سفينة أحمد الرباط" أي قصة حياته ومذكراته. وهو حكواتي ومؤرخ لتاريخ دمشق، كما أنه شخصية تشكل موضوعاً لدراسة الباحثين، حيث أعدت حوله وحول مكتبته العلمانية أطروحتي دكتورا وعدة أبحاث. وإذا كان أحمد الرباط هو جد محتمل لناصر، لكنه كما يقول "بالنسبة لجيناته أعتبره جداً مباشراً".

يذكر رباط للملتقى أن أسرته كانت شديدة التأثير على حياته وشخصيته ودراسته للعمارة واهتمامه بالتاريخ والفن كجده لوالدته الذي كان شاعراً، وجدته التي يقول عنها "حب حياتي الأول"، وأخيها ضياء الدين الشطي الذي عمل مدرساً في جامعة لوس أنجلوس في الولايات المتحدة وألهمه بالانغماس في التاريخ وخوض تجربة التدريس، كي يتمكن من أخذ دور فعال في تغيير العقلية السائدة في العالم العربي وعنه.

والدته، نهاد، التي يذكر تأثيرها على تفكيره وشخصيته وانفعالاته، درست القانون في جامعة دمشق ثم في بيروت وعملت قاضية في ديوان المحاسبات قبل أن تترك عملها، للتفرغ إلى عملٍ آخر وهو تدريس ناصر وأخته عزة. أما والده عمر الرباط، فكان صاحب التأثير "الوجداني والأيديولوجي العميق" لأنه كان من القوميين العرب ومناضل يحمل هوية انضمامه لمنظمة التحرير الفلسطينية ومرافقته لجيش الإنقاذ في 1948، وهذا الانغماس في القضية الفلسطينية، يقول الرباط، هو أهم ما ورثه عن والده.

وأخيراً شقيقته عزة الرباط، الحاصلة على دكتورا في الشريعة، هي الآن واحدة من أهم الباحثات في مواضيع حقوق المرأة في الإسلام والبيئة الإسلامية.

عمارة الفقراء

عندما زار المكتبة في باريس وهو طالب في السنة الثانية، وقعت عين ناصر الرباط على كتاب للمعماري المصري حسن فتحي "عمارة الفقراء" الذي حدد من خلاله توجهه في تخصصه المعماري، حيث قرر أن يشتغل على عمارة الطين التي اعتمدها حسن فتحي. فقام بتصميم قرية نموذجية لمشروع تخرجه، تستخدم فيها الطاقة الشمسية لتحسين حياة الفلاح.

وعلى الرغم من مكوثه لستة أشهر في ريف دمشق والقرى التدمرية، إلا أنه صُدم عندما واجهه أساتذته بجهله بحقيقة حياة الفلاح السوري، بحسب تعبيره "لم أكن أملك أي معرفة أنثروبولوجية تساعدني للتعرف عن قرب إلى حياة الفلاح". وقد اتهم بعدها بالميول البرجوازية، التهمة التي كان يمكن أن تأخذ حينها أبعاداً سياسية في سوريا السبعينات، لا سيما أنها كانت متجهةً للاشتراكية، وأن تكون برجوازياً يعني أن تكون إلى حد ما عدواً للشعب.

وفي كلية العمارة بدمشق أصبح الرباط من مرافقي الأستاذ البولوني يان مايسلر بسبب إتقانه للغة الفرنسية، حيث كان المترجم الذي نقل محاضراته إلى العربية للطلاب، ما جعله مقرباً منه على الصعيد الشخصي. ومنه تعلم أن يوازن بين الاحتياجات البيئية وواقع البيئة في التصميم المعماري حين ترك في أحد مشاريعه قطعة أرض فارغة لإنبات العشب، فعلق مايسلر قائلاً: وهل تتوقع أن ينبت العشب في بيئة شحيحة الماء كبيئة دمشق؟

الرحلة إلى أمريكا

تابع الرباط دراسته للعمارة في جامعة لوس أنجلوس UCLA، برغم أن حلمه في البداية كان الذهاب لمدرسة الفنون الجميلة أو بوزار في باريس، لكنه اكتشف أن أوربا لن تقدم له ما كان قرر المضي في دراسته وهو الطاقة الشمسية. إضافة إلى أن خاله ضياء الدين الشطي كان أستاذاً متقاعداً من الجامعة نفسها ومن هنا بدأ تأثيره في حياة الرباط.

كانت جامعة لوس أنجلوس هي المكان الأهم في العالم لدراسة الطاقة الشمسية السلبية Passive Solar Energy، وتعني استخدام العمارة في استخلاص الطاقة الشمسية، وهو الاختصاص الذي اختاره. وخلال تخصصه اكتشف أن البيوت ذات الباحات هي أفضل مصدر للطاقة الشمسية، "وهذا كان السبب الرئيس لانصرافي إلى العمارة الإسلامية التراثية"، كما يقول.

ناصر الرباط للملتقى الثقافي: يمكنك أن تترك دمشق، لكن دمشق لا تتركك... أنا عروبي التوجه، فلسطيني الهوى، دمشقي الانتماء

وبدافع من حبه لدمشق، أقام معرضاً عن البيت الدمشقي ساهم فيه معه مدير دائرة الآثار والمتاحف في سوريا آنذاك، الفنان التشكيلي والمؤرخ الفني عفيف بهنسي حين طلب من المصور القدير الدكتور مروان مسلماني. مشاركته بصوره لبيت خالد العضم، والتي كانت نواة لمعرض عن دمشق أقامه سنة تخرجه من جامعة لوس أنجلوس عام 1983.

أوليغ غرابار

يذكر الرباط لرواد الملتقى أنه اكتشف شغفه بالتاريخ في جامعة لوس أنجلوس تزامناً مع اكتشافه لولعه بالتدريس والبحث في التاريخ المعماري الإسلامي: "أليست واحدةً من سخريات القدر أن تكتشف حبك لتراثك عندما تكون خارجه وليس عندما تكون فيه؟".

بعد أن كتب أطروحة تخرجه كمقارنة بين بيوت دمشق والقاهرة، كان لم يتعرف بعد إلى بيوت القاهرة، فأخذ منحة للسفر إليها ودراسة البيوت ذات الباحات فيها، حيث وقع في "غرام" المدينة. ليعود إلى معهد ماساتشوستس ويكتب أطروحة الدكتوراه عن مدينة القاهرة، تحت إشراف البروفيسور أوليغ غرابار المؤرخ الفني والباحث الأثري الفرنسي الأصل.

غرابار، الذي كان من أهم مؤرخي الفن الإسلامي، كان أستاذاً لمجموعة كبيرة من الطلاب حيث أشرف على 50 أطروحة خلال فترة عمله كأستاذ الآغا خان "لحسن حظي أنني استطعتُ أن أكون من آخر سبعة طلاب أنجزوا أطروحتهم تحت إشرافه"، يقول الرباط الذي بقي على اتصال بأستاذه حتى وفاته عام 2011. ويصف علاقته بغرابار على أنها علاقة الابن بأبيه، "فيها الرفع والجذب والهجر والمعاداة، بمعنى آخر كانت علاقة فرويدية"، يتابع الرباط "حتى اليوم كلما بدأت ببحث أجد أوليغ صغير يطل برأسه من داخلي، أثره لن يمحى أبداً".  

غير أن الرباط كانت له محاولات ناجحة في الخروج من عباءة الوالد هذه، عندما كتب بحثاً تأهيلياً لكتابة الأطروحة ينتقد فيه بشكل مباشر كتاب أستاذه عن" قبة الصخرة" في مدينة القدس. أعجب أوليغ بهذا البحث كأول مقال علمي له، وبرغم أنه ينقد عمله، دفع به ليُنشر في مجلة مقرنس. اتجه بعدها للبحث في العمارة الفلسطينية "لِم لا، وأنا عروبي التوجه، فلسطيني الهوى، ودمشقي الانتماء، ووجدتُ في قبة الصخرة اختزالاً لكل هذا".

"لولا تلك السيدات لما كنت ما أنا عليه الآن"

يشارك في الملتقى قصته مع ثلاث سيدات كان لهن الأثر الأعمق على حياته البحثية والمهنية كمؤرخ وكاتب في التاريخ والثقافة. أولهن، آيرين بيرمان، المؤرخة والأستاذة التي أشرفت على كتابة أطروحته في لوس أنجلوس ويصفها ب "مُلهمتي والسيدة التي اكتشفتني". وهي أيضاً التي عرفته إلى أوليغ غرابار ورشحته ليكون مشرفاً على أطروحته حين كانت مسؤولة عن برنامج الآغا خان. "آيرين بقيت ملهمتي ومشرفةً عليّ وجدانياً حتى نهاية حياتها عام 2011" يقول الرباط.

أما السيدة الثانية فهي "عرابة القاهرة والوصية على آثارها"، كما يصفها الرباط، فكانت المؤرخة المصرية ليلى إبراهيم التي عرفته إلى كل معلم أثري وتاريخي في القاهرة: "لقد كانت أمي العلمية، وأعظم جندي مجهول في حفظ تاريخ القاهرة الإسلامي". وعندما تقدم الرباط لخطبة زوجته اتصلت بوالدها لتقول له أنها هي التي ستخطب رندا لناصر. وقد كتب الرباط نعياً لها عند وفاتها عام 2002.

وأخيراً، يذكر مديرة تحرير مجلة مقرنس، مارغريت شيفشينكو، التي عملت في مكاتب الآغا خان في الفترة ما بين 1977- 2000. وهي التي كانت صاحبة الفضل في تعليمه كيفية كتابة البحوث العلمية بلغة بسيطة وواضحة وسلسة: "كل ما كتبته بيت عامي 1985 و2000 مرّ عن طريق مارغريت، بما فيه كتاباتي السياسية".

ناصر الرباط للملتقى: مشروعي القادم هو التفرغ لكتابة السير الذاتية، وقد بدأت بهذا فعلاً بكتاب أقترب من إنهائه عن سيرة المؤرخ والعلامة المقريزي من القرن الثالث عشر

علاقة القوة بالمعرفة، ثقافة الإنسان، وإدوارد سعيد

يعتقد الرباط بحرية الفرد في اختيار شكل الحياة الذي يريده بغض النظر عن أي منظومة أخلاقية، لأنه يرى أن "القيمة الأخلاقية لحرية الفرد هي أهم من أي قيمة أخرى". ولهذا، يقول، "أحاول توجيه تلاميذي إلى الإيمان بالثقافة الإنسانية المبنية على جذور غير مادية". كما ينبههم إلى أن المعرفة هي أساس القوة، وإلى الطريقة التي استعملت بها المعرفة للسيطرة على الشعوب.

ناصر الرباط للملتقى الثقافي: أنا لم أزل أتعلم كيف أُعلّم، لكني أحاول دائماً تعليم تلاميذي كيف يعاملون أنفسهم كمنتجين للمعرفة، وأحضهم على البحث عن إجابة لسؤال: هل تعكس رغبة من هو أعلى منك، أم تنتج مساهمتك المعرفية الخاصة؟

وواحدة من الأفكار التي يطرحها ضمن هذا السياق هي أننا نرزح تحت مقولة "الحداثة الغربية" وأنه لكي نكون حداثيين فيجب أن نكون غربيين بتوجهاتنا، وهذا أمر يتعلق بالقوة والسيطرة برأيه. وينتقد هذه النظرية من زاويتين: الأولى، هي أن الثقافة الإسلامية هي جزء أساسي من الثقافة الحداثية، والثانية، أن الحداثة مطعمة بطعم عربي بفعل التأثير الكولونيالي على تكوينها ومداها المعرفي.

ومن هنا يأتي اهتمامه بفكرة الاستشراق وما بعد الاستعمار، ليظهر تأثره الشديد بإدوارد سعيد كمفكر وشخص "أنا سعيديّ بتوجهي المعرفي". مدفوعاً بهذا التأثر، يدرّس الرباط مادة Orientalism and Represntation يستوحي محتواها من كتابي سعيد "الاستشراق" و"الثقافة والإمبريالية".

وفي مقال له بعنوان "اليد الخفية: استشراق إدوارد سعيد وتاريخ العمارة" (2018)، يشير الرباط إلى أنه "من الصعب رصد التأثير الهائل لاستشراق إدوارد سعيد على مختلف مجالات العلوم الإنسانية في الأوساط الأكاديمية الغربية". فهو من خلال نقده، "فتح أبواب الشك أمام جميع الثقافات القمعية الشمولية في الخطاب الذي أنتجته عبر التاريخ". ويضيف: "كما أخبرتني آن فاغنر، المؤرخة البارزة لفن القرن التاسع عشر، قبل ثلاثين عامًا، أن العلماء في العلوم الإنسانية لا يمكنهم تجنب البيئة المعرفية "ما بعد السعيدية" التي يتعين عليهم العمل من خلالها، بغض النظر عن تخصصاتهم أو وجهات نظرهم حول نقد سعيد".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard