"أنا بكتب كيف بحكي"...سعاد العامري المعمارية التي أصبحت كاتبة بالمصادفة

الأحد 5 يوليو 202003:23 م

يأتي هذا المقال عقب تغطية رصيف22 للملتقى الثقافي (المجلس) السابع والعشرين الذي يديره الباحث الإماراتي سلطان سعود القاسمي، عبر الانترنت من خلال مؤسسة بارجيل المتخصصة بالشأن الثقافي والفني. يهدف المجلس الثقافي إلى الجمع بين الإبداع الفكري والفني في العالم العربي والبحث الأكاديمي في الولايات المتحدة عبر إقامة حوار شامل يربط الشعوب والأفكار والثقافات.

حمل الملتقى، الذي استضاف المعمارية والروائية الفلسطينية سعاد العامري (1 يوليو) عنوان "المعمارية التي أصبحت كاتبة بالصدفة البحتة"، وحاور فيه القاسمي الضيفة بحضور السفيرة الفلسطينية السابقة ليلى شهيد والأستاذة الجامعية روشيل ديفيس والعديد من المهتمين بالشأن الثقافي ومتابعي نشاطات مؤسسة بارجيل.

ولدت سعاد العامري في دمشق (1951) لأب فلسطيني وأم سورية درست الهندسة المعمارية في الجامعة الأمريكية في بيروت، وتابعت دراستها في جامعتي أدنبرا وميشغان حيث نالت شهادة الدكتورا. عادت بعد ذلك إلى فلسطين لتتزوج من الدكتور سليم تماري، باحث في مؤسسة الدراسات الفلسطينية. وقد عملت كأستاذة جامعية في كلية العمارة في جامعة بيرزيت- رام الله.

ساهمت العامري بالحفاظ على الموروث المعماري الفلسطيني عبر المشاركة في تأسيس "رواق" مؤسسة غير حكومية معنية بإعادة إحياء المراكز التاريخية في الريف الفلسطيني. حازت المؤسسة على عدة جوائز عالمية.

صدر باسمها عدد من الكتب المعمارية، ومؤلفات روائية نذكر منها "شارون وحماتي" (2004)، "مراد مراد" (2009)، "جولدا نامت هنا" (2014)، وكتابها الأخير "دمشقي" (2019).

الحكواتية

"أنا بكتب كيف بحكي، إذا أمي حكت لي تضربي مرتين، بكتب بنفس الصفحة: تضربي تضربي"

هكذا عرفت سعاد العامري بأسلوبها الروائي أو الحكائي، كما تصر دائماً على القول "أنا حكواتية أكثر من كوني كاتبة". وهذه حقيقة، حيث تعج كتبها بالتفاصيل الحية في مزج بين الأحداث الواقعية المعاشة ومبالغاتها الأدبية التي تقع في المخيلة أو الانطباعات الشخصية للكاتبة.

كما يشي عنوان الملتقى، دخلت سعاد عالم الكتابة بالصدفة البحتة حين اضطرت لاستضافة حماتها البالغة 92 عاماً لأكثر من أربعين يوماً في منزلها لدى فرض حظر التجول في عهد شارون. تقول سعاد: "كانت القوات الإسرائيلية في الخارج وحماتي في الداخل وكلاهما كانا يقودانني إلى الجنون، فلم أجد ملاذاً إلا الكتابة". بدأت بإرسال الرسائل الإلكترونية المحملة بالشكاوى من الوضع الذي تعيشه إلى أصدقائها. حتى وجدت هذه الرسائل طريقها إلى ناشر عن طريق إحدى الصديقات، فرأى فيها بذرة تبشر بكاتبة، وهكذا جاءت روايتها الأولى "شارون وحماتي" (2004).

الكاتبة الفلسطينية سعاد العامري: أنا بكتب كيف بحكي، إذا أمي حكت لي تضربي مرتين، بكتب بنفس الصفحة: تضربي تضربي، أنا حكواتية أكتر من كاتبة

الرواية تتحدث عن الإحباطات وبؤس الحياة اليومية في مدينة رام الله بالضفة الغربية. ومثلما تحدثت في الملتقى الأدبي بأناقة وروح دعابة محببة عن المآسي، كذلك في روايتها التي تشبه المذكرات تنقل إلى قارئها بالروح نفسها العراقيل التي يفرضها الاحتلال على الفلسطينيين في التنقل، وعن عذاب الوقوع في حب شخص من بلدة أخرى؛ وعلى سبيل المفارقة والعبثية، حصول كلبها على بطاقة هوية في القدس، بينما يعجز آلاف الفلسطينيين عن ذلك.

"إنها العبثية التراجيكوميدية التي تجعل نص العامري فلسطينياً بحتاً"، تقول الكاتبة مورين مورفي في مدونتها الانتفاضة الإلكترونية عن الرواية التي كتبت بالإنكليزية وترجمت إلى 12 لغة بعدها، وتتابع: "ينتزع الفلسطينيون أكبر قدر من الفكاهة من ظروفهم التعيسة، كي يتمكنوا من متابعة الحياة". 

 كل ذلك يكلله عقاب متمثل في إقامة حماتها المسنة في منزلها خلال حظر التجول بآذانها الحادة المصغية بشدة لأي حوار وعينها الحريصة على متابعة التفاصيل وتعليقاتها اللاذعة. في كل هذه التفاصيل تعطي العامري قارئها لمحة ساخرة من قلب الحدث لعبثية وصعوبة الحياة في الأراضي المحتلة. وقد وصفت صحيفة الغارديان الكتاب بأنه يختلف عن أي كتاب فلسطيني آخر "لا بد أن تلك الحياة المجنونة في فلسطين، تحتاج إنساناً عاقلاً ليرسم تفاصيلها، وهنا يكمن اختلاف العامري".

لماذا يتحدث المجانين مع أنفسهم؟

في كتابها "مراد مراد" تعرض سعاد العامري التناقضات اللامنطقية في الأراضي المحتلة:
"إذن، نحن لا نتعرض للمساءلة عندما نكون في إسرائيل، لكننا نتعرض لها عندما نكون في فلسطين. نحن آمنون في إسرائيل، لكننا في خطر في فلسطين. سرعان ما كنت أتحدث مع نفسي، وللمرة الأولى عرفت لماذا يتحدث المجانين مع أنفسهم"

تروي العامري قصة فلسطينية تدور في العوالم المرهِقة للعمال الفلسطينيين من المهاجرين غير الشرعيين إلى إسرائيل بأسلوب تهكمي غير مألوف في كتابها "مراد مراد: لا شيء تخسره إلا الحياة" (2009). وتعرض يومياتها برفقة مجموعة من العمال: مراد، سعيد، محمد بأسلوب بسيط، أقرب للشاعرية في بعض الأحيان، لرحلتها التي استمرت 18 ساعة عبر الحدود الفلسطينية الإسرائيلية وهي تتنكر في زي رجل. الرحلة التي قضت معظمها في الركض أو الاختباء، كانت محاولة للتسلل إلى إسرائيل للوصول إلى سوق العمال، حيث أرباب العمل الإسرائيليون يطلبون هؤلاء الشباب للقيام بمختلف الأعمال اليدوية. تقول العامري في الرواية:

"هل قلت من الضفة الغربية إلى إسرائيل؟ سألتُ بصوت عال. "مراد، هل تقصد أن تقول لي أننا كنا في "جانبنا "كل هذا الوقت؟ وماذا كنا نفعل في العشر ساعات الأخيرة؟ ماذا كانوا يفعلون؟ كل هذا الوقت كانوا فقط يختبئون ويتحاشون الأمن الإسرائيلي، بانتظار فرصة التسلل عبر الحدود".

تستعرض العامري تأملاتها، ذكرياتها، أحلام اليقظة، وكوابيسها في تلك الساعات العصيبة. مضفية العمق التحليلي الذاتي لأفكارها الشخصية، مبتعدة عن اللغة التقريرية ومقتربة من مساحة التعبير الشعبية فيما لو أتيحت لأي من هؤلاء العمال. وتنسج استنتاجات وجودية وكأنها واحدة منهم، لتصل إلى عمق المأساة، عندما لاحظت بأن نقاط التفتيش العسكرية، والاختباء، والمطاردة، والاعتقالات، والطلقات النارية كانت تحدث في الضفة الغربية، أي في الأراضي الفلسطينية، وليس في إسرائيل:

"إذن، نحن لا نتعرض للمساءلة عندما نكون في إسرائيل، لكننا نتعرض لها عندما نكون في فلسطين. نحن آمنون في إسرائيل، لكننا في خطر في فلسطين. سرعان ما كنت أتحدث مع نفسي، وللمرة الأولى عرفت لماذا يتحدث المجانين مع أنفسهم".

 ترسم الرواية بوضوح ملامح الارتباك وسخرية الحياة في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وفي ثنائية من التناقضات تستعرض فيها حياة الفلسطينيين مقابل أرباب العمل الإسرائيليين، و العمل في المستوطنات مقابل العمل داخل إسرائيل.

في مقال نشر في مجلة جامعة ميشغان تقول مارسيا لينكس كيلي: "كقارئ للكتاب تفرك عينيك أحياناً رغبة في الاستيقاظ! هل جنت هذه المرأة؟ ما الذي تكسبه هي ورفاقها من المخاطرة بحياتهم هكذا؟" لكن يبدو أن سعاد مثل هؤلاء العمال الذين يفضلون الاعتقال على  عار العودة إلى عائلاتهم خاوي الوفاض، هي أيضاً تفضل احتمالية الاعتقال على العودة دون هذا الكتاب. ,ولهذا السبب ربما وصفت صحيفة الآيريش تايمز الكتاب بأنه "كتاب امرأة غير عادية تعيش ظروفاً استثنائية".

أرقام بوجوه، ركام بتاريخ

للتقارير الصحافية عن الحروب طريقتها الغريبة في أن تجرد الكارثة من العامل الشخصي، فتصبح أعداد الضحايا مجرد رقم كبير وواقعي، وبرغم الرعب الذي يمثله إلا أنه لا يمس عواطفنا. وما تفعله سعاد العامري في كتابها "غولدا نامت هنا" (2013) هو إضفاء وجوه على أرقام ضحايا الاحتلال الإسرائيلي، وسرد للتاريخ الطويل القابع تحت ركام القرى الفلسطينية. عن زوج لن يعود إلى المنزل بعد اليوم، عن زوجة لن ترحب به بابتسامة على الباب، عن طفل لن يلطخ بأقدامه بلاط الدار، ولن يكبر أبدًا، عن "ركوة قهوة لا تزال دافئة في غرفة المعيشة المهجورة"، وعن قرى بأكملها يُروى تاريخها في الكتب فقط، تكتب العامري، كي لا ننسى:

"لم أدرك سوى في مرحله متقدمة من حياتي أن الفلسطينيين يسعون جاهدين لأن ينسوا عندما يجدر بهم أن يتذكروا، بينما يسعى الاسرائيليون جاهدين لأن يتذكروا عندما يجدر بهم أن ينسوا. وفي حين يرفض الفلسطينيون أن يكونوا ضحايا، يصرّ الإسرائيليون أن يظلوا الضحايا الوحيدين".

في هذا الكتاب، لا يعود الفلسطيني إرهابياً هستيرياً يرمي الحجارة على جيرانه الوادعين، بل تُزال غشاوة التقارير الإعلامية عن وجه أسرٍ ترفض أن تنسى أنها في أحد الأيام كانت وادعةً في منازلها قبل أن تهجّر منها قسراً. أن يصبح الفلسطيني، المالك الحقيقي للأرض، غائباً لأن قوات الاحتلال ببساطة لا تراه، هو ما يرفض أن يدعه يمر بسلام.

وفي الفصل الثالث من الكتاب تعرفنا العامري عن سبب اختيار العنوان. في قصة هدى الإمام المقدسية، وعلاقتها التي لا تنتهي مع منزل عائلتها الذي صادره الإسرائيليون. تحكي هدى، ضمن قصص لمنازل كثيرة، عن فيلا هارون الرشيد التي بناها حنا بشارات وأصبحت المنزل المؤقت لرئيسة الوزراء الإسرائيلية (غولدا مائير) حين كانت وزيرة الخارجية، وقد استقبلت فيه (داغ همرشيلد) مبعوث الأمم المتحدة، وقبيل الزيارة طلبت من العمال إزالة اسم هارون الرشيد من واجهة المنزل كي لا يكتشف أنها تقيم في منزل فلسطيني.

غولدا، التي صادرت المنزل بالقوة وحرمت أهله منه بموجب قانون مصادرة أملاك الغائبين، لم تتبع إلا ما تفعله الصهيونية بشكل ممنهج في القدس وفلسطين، من طمس لملامح التاريخ العربي في المكان لتدعي أنه ملك شرعي لها، بينما المنزل، الذي لا يزال صامداً حتى اليوم، ككل بقاع فلسطين يفوق بتاريخه عمر دولة إسرائيل. وهذا الكتاب، كما يذكر الكاتب الأمريكي جوزيف دينا "يجدد الحداد على تلك الممارسات الكولونيالية التي سرقت الأماكن التاريخية في فلسطين".

دمشقها... رحلة في الذاكرة

تخبرنا العامري في الملتقى الثقافي عن دور دمشق الكبير في حياتها الشخصية والمهنية: "أشعر بأنني أصبحت معمارية بسبب دمشق وبيوتها التي لم أر أجمل منها في العالم". ويبدو أن المدينة التاريخية تستمر في إلهام الكاتبة حتى الآن، إذ تذكر: "لطالما عشت طفولة طغى عليها غياب دائم لمدينة يافا وحضور قوي لمدينة دمشق، وعندما بدأت الحرب في سوريا أحسست بضرورة التحدث عن هذا الجزء الآخر مني".

سعاد العامري: أشعر بأنني أصبحت معمارية بسبب دمشق وبيوتها التي لم أر أجمل منها في العالم

في كتابها "دمشقي" (2016) تأخذنا الكاتبة في رحلة إلى الذاكرة تنتقل فيها عبر أجيال ثلاثة من عائلتها تبدأ من الجد المولود عام 1860 وحتى الحاضر. العائلة، التي أسسها "جدو" الشامي نعمان البارودي و"تيتا" بسيمة النابلسية من عرابة، توثق الترابط التاريخي والاجتماعي الذي ساد ضمن محيط سوريا الكبرى، ضمن مواقف اجتماعية وحياتية، عن عادات ويوميات وعلاقات وولائم يوم الجمعة، ثم تنتهي بالمرحلة الأخيرة حين يموت جدو نعمان ويغلق البيت في دمشق، ويتوزع الأولاد والبنات كل واحد في بلد، وينتهي المشهد ما بين بيروت وعمّان.

قد يبدو الكتاب للوهلة الأولى قصصاً من الذاكرة، غير أنه كما تشير الكاتبة مارسي نيومان "هو أكثر من مذكرات عائلة، أنه قصة منزل، حكاية مدينة، وتاريخ جميع سكانها". بل ربما هو مصدر تاريخي- اجتماعي للحياة في سوريا الكبرى قبل النكبة، أو للعالم العربي الممتد والذي تقلص اليوم بفعل التقسيم والخلاف. الجد، التاجر الشامي الذي كان يتنقل بين دمشق والحجاز وفلسطين وإسطنبول دون تصاريح أو جواز سفر، لا تستطيع حفيدته اليوم التنقل بين جزأي فلسطين دون أن تمر على حواجز التفتيش الإسرائيلية.

سعاد العامري عن كتابها "دمشقي": لطالما عشت طفولة طغى عليها غياب دائم لمدينة يافا وحضور قوي لمدينة دمشق، وعندما بدأت الحرب في سوريا أحسست بضرورة التحدث عن هذا الجزء الآخر مني

تذكر العامري لمستمعيها اكتشافها المرّ مع انتهائها من هذا الكتاب: "لطالما اعتقدت أنني أنحدر من عائلة من النساء السعيدات والقويات، ولكن مع انتهائي من كتابة هذه الرواية أحسست أن تيتا بسيمة كانت من أتعس النساء وهي التي تركت مدرستها في نابلس في عمر الرابعة عشر لتجد نفسها في مواجهة "أربع حموات"، أمي التي لا تعترف بالمدن خارج أسوار دمشق وجدت نفسها تعيش بعيدة عنها لمعظم حياتها، وأنا، بهويتي الفلسطينية-الأردنية المزدوجة خسرتُ الثابت الوحيد في حياتي "دمشق" حيث بيت جدو".

إذا كانت سعاد العامري تؤرخ كتابياً بوحي من دراستها للعمارة، فلا يبدو أن الذاكرة النسوية الفلسطينية كُتبت كتاريخ كلاسيكي. إنها لا تشبه الأكاديميات الرجالية التاريخية، ولا جلسات النساء اليومية. فصوت القاصة المقتبس من الأمهات والجدات، يعبر حدود الوثائقي المجرد ليكتسي بالشخصي- الجماعي. "أنا أكتب عن الجمال الذي رأيت، ذاك الممزوج بالألم" تقول العامري في نهاية حديثها للملتقى.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard