"القمع وصل ذروته والمستقبل مقلق"... 2019 العام الأسوأ لحقوق الإنسان في السعودية

الأربعاء 22 يناير 202006:39 م

"صحيح إن المملكة العربية السعودية لم تكن ديمقراطية في العهود الماضية، ولكن القمع لم يصل لهذه الدرجة، فقد تم تجفيف البلد من أي صوت مختلف، وحتى موقع المنظمة على الإنترنت يتعرض لهجمات قرصنة مستمرة"، هذا ما قاله عادل السعيد لرصيف22، نائب رئيس المنظمة السعودية الأوروبية لحقوق الإنسان، أبان نشرها لتقريرها السنوي لعام 2019.

وقد أشار التقرير الذي يحمل اسم: "حقوق الإنسان في السعودية 2019: سرطان الطغيان"، بالوقائع والأسماء والأرقام إلى حال حقوق الإنسان في السعودية للعام المنصرم.

كما ونتيجة لغياب أي أطراف محلية أو خارجية مستقلة للمساهمة بالمشهد الحقوقي، ومع دور أحادي للملك سلمان وولي عهده، رصد معدو التقرير مساراً منحدراً يتوقعون من خلاله أن يكون عام 2020 أسوأ من سابقه.

المصدر: المنظمة السعودية الأوروبية لحقوق الإنسان

منذ 2015 الى اليوم، تشهد السعودية على المستوى الداخلي تضاؤلاً في الأطراف الفاعلة التي تشارك بتشكيل المشهد الحقوقي: لا أحزاب، لا قضاء مستقل ولا مجتمع مدني أو رأي عام ضاغط، ليتعاون مع القضاء الدولي أو الرأي العام الدولي، من أجل الضغط وتحسين حالة حقوق الإنسان في المملكة، فقد شهدت السعودية تدميراً ممنهجاً لكل القوى المتنوعة من جمعيات وأفراد، بحسب التقرير، لتصبح أجهزة نظام العدالة والأجهزة التنفيذية موصولة بالملك مباشرة.

خارجياً، يُظهر التقرير أن السعودية لا تكترث بالمؤسسات والمواثيق الدولية الراعية لحقوق الإنسان وتتفلّت من التزاماتها، خصوصاً في ظل الغطاء الذي يوفّره لها حلفاء سياسيون مثل الولايات المتحدة، وبعض الدول الأوروبية التي لها مصالح اقتصادية مع المملكة.

وترى المنظمة السعودية الأوروبية لحقوق الإنسان بأن العام 2019 قد اختُتم بمشهد هزلي، حيث تمت تبرئة مسؤولين حكوميين كبار، تورطوا في جريمة قتل الصحفي جمال خاشقجي في إسطنبول.

ويؤكد نائب رئيس المنظمة عادل السعيد لرصيف22، أن ما يصل للخارج وما تقدر المنظمة على توثيقه هو جزء بسيط من الانتهاكات التي تحصل في السعودية في الواقع، ويشدد السعيد أن هناك عملية تجفيف تمت في المملكة للناشطين الذين يمكن أن يقوموا بنشاط لتحسين الحالة الحقوقية في البلد.

الانتهاكات الحقوقية ضد المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان

في العام 2019 زادت السعودية من إحكام الطوق على المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان والنشطاء، من خلال الاعتقالات والمحاكمات، وكان من اللافت توسيع دائرة الاستهداف لتشمل من يرفع الصوت من المقيمين في الخارج بأساليب مختلفة، منها الترغيب ومنها الترهيب.

يوثّق التقرير انتهاكات عديدة، نذكر منها قضية المدافع عن حقوق الإنسان محمد العتيبي وزميله عبد الله العطاوي، بسبب إنشاء جمعية حقوقية، والشيخ محمد الحبيب، الذين تعرضوا للاعتقال التعسفي ومحاكمات ثانية إضافية. زد على ذلك، الناشطات مثل لجين الهذلول ونوف عبد العزيز ونسيمة السادة وسمر بدوي، إذ تستمر الحكومة السعودية باعتقالهن بدون إصدار أحكام بحقهن.

المصدر: المنظمة السعودية الأوروبية لحقوق الإنسان

هنا يؤكد عادل السعيد لرصيف22، بأن محاولات جدية وحثيثة من النظام لإرجاع المعارضين والناشطين في الخارج إلى السعودية، ويتابع: "ففي السابق، لم يكن النظام يتعرض لأهالي الناشطين، أما الآن فيتم تهديد الأهل بأبنائهم أو الأبناء بأهلهم، في حال صرّحوا عما يحصل معهم. يتم تهديد المعتقلين بجلب زوجاتهم وبناتهم إلى المعتقل في حال لم يوقعوا على الاعترافات التي يكتبها المحققون بأنفسهم". ويعطي التقرير أمثلة عديدة على الملاحقات الخارجية، منها استهداف طالب الدكتوراه في القانون الدستوري حمزة الكناني في 5 أيار/ مايو 2019، إذ أقدمت المباحث السعودية على منزل أسرته بمحافظة مكة، وتم استدعاء إخوته وأبناء عمومته للتحقيق عدة مرات، وتم منع عدد من أفراد أسرته من السفر. هذا بالإضافة الى منع خمسة أطفال وأمهم من السفر في آب/ أغسطس 2019، ومثلهم عائلات أخرى كثيرة.

في العام 2019 زادت السعودية من إحكام الطوق على المدافعين عن حقوق الإنسان والنشطاء، وكان من اللافت توسيع دائرة الاستهداف لتشمل من يرفع الصوت من المقيمين في الخارج، بالتخويف والترهيب، حسب تقرير المنظمة السعودية الأوروبية لحقوق الإنسان

التعذيب والمعاملة القاسية اللاإنسانية بات مؤسساتياً

بالرغم من انضمام السعودية لاتفاقية مناهضة التعذيب عام 1997، إلا أن ذلك لم يؤد الى أي التزام بإيقاف التعذيب أو مكافحته، بل تستمر السعودية بإنكار حدوث حالات التعذيب أمام مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، وبالرغم من شكاوى التعذيب الكثيرة التي قدمها الضحايا أمام المحاكم السعودية، وفقاً لتقرير المنظمة السعودية الأوروبية لحقوق الإنسان لعام 2019.

وتلفت المنظمة النظر في التقرير نفسه، إلى أن جرائم تعذيب المدافعات عن حقوق الإنسان في عامي 2018 و2019، والتي اشتهرت محلياً وعالمياً، أثبتت أنه لا يوجد في السعودية نظام قضائي عادل ومستقل، إذ لم تتم محاسبة أحد بالرغم من مطالبة الضحايا وذويهم.

يؤكد التقرير أن جهاز رئاسة أمن الدولة التابع للملك سلمان، يشرف مباشرة على التعذيب، وذلك يجعل من المستحيل محاسبة أي من الضالعين بعمليات التعذيب.

كما وتجد المنظمة أن العديد من حالات أحكام الإعدام السياسية قد تمت بعد انتزاع اعترافات تحت التعذيب، وتلفت المنظمة النظر بالأخص الى ما تسميه "مجزرة أبريل" 2019، حيث تم إعدام 37 شخصاً، من بينهم أفراد تعرضوا للتعذيب لانتزاع اعترافات، استخدمت فيما بعد لمحاكمتهم، ولم يكترث أي من القضاة لشكاواهم العديدة من التعذيب، كما ولا تتوفر، تبعاً للتقرير، شروط المحاكمات العادلة.

المصدر: المنظمة السعودية الأوروبية لحقوق الإنسان

تصحيحات جزئية تُبقي المرأة رهينة

يذكر التقرير أنه بعد سنوات من النضال النسوي الذي قادته ناشطات سعوديات ومدافعات عن حقوق الإنسان، وما تضمنته من اعتقالات وتعذيب ومحاكمات غير عادلة، لا تخجل الحكومة السعودية من الترويج لما تصفه بإصلاحات جذرية في ملف حقوق المرأة، فبعد التوقف عن حرمان المرأة من قيادة السيارة، وبعد التصحيحات الطفيفة التي صدرت في تموز/ يوليو 2019، في أربعة قوانين تتعلق بنظام الأحوال الشخصية، وثائق السفر، نظام العمل والتأمينات الاجتماعية، لا تزال المرأة رهينة الرجل في كثير من قراراتها وتحركاتها.

والتصحيحات، يضيف التقرير، قدمت في وقت لا تزال فيه انتهاكات وجرائم مريعة تحصل بحق المرأة، بين السجن والمحاكم واللامبالاة بشكاوى التعذيب والتحرش الجنسي الذي تتعرض له المدافعات عن حقوق الإنسان.

براءة الطفولة لا تحمي من الإعدام

في العام 2019 استمرت السعودية بالقيام بانتهاكات جسيمة بحق الأطفال، في مخالفة واضحة لاتفاقية حقوق الطفل التي صادقت عليها المملكة عام 1996، كما تستمر بتجاهل ملاحظات وتوصيات لجنة حقوق الطفل في الأمم المتحدة، إذ لا تكتفي السعودية بإعدام متظاهرين ومعارضين بالغين بل وقصّر أيضاً. وبحسب تقرير المنظمة السعودية الأوروبية لحقوق الإنسان، قامت السعودية بإعدام 6 قاصرين في نيسان/أبريل 2019، بعد أن أخضعوا لتعذيب وحشي في فترة التحقيق، من أجل التوقيع على اعترافات كتبها المحققون بأنفسهم.

المصدر: المنظمة السعودية الأوروبية لحقوق الإنسان

رقم قياسي جديد في الإعدامات في السعودية

حسب التقرير، بلغت السعودية في 2019 رقماً قياسياً جديداً في أحكام القتل المنفذة، حيث بلغت 185 حالة إعدام، في حين كان الرقم الأكبر المسجل 157 في 2015، السنة الأولى التي تولى فيها الملك سلمان حكم البلاد. فضلاً عن ذلك، يشير التقرير إلى القتل خارج نطاق القضاء، وهو القتل الذي يتم كنتيجة لاستخدام القوة المفرطة بين الأحياء السكنية وأثناء المداهمات.

المصدر: المنظمة السعودية الأوروبية لحقوق الإنسان

أعداد الصحفيين المعتقلين إلى تزايد

يرى عادل السعيد أن الإعلام للدولة طبعاً، ولكن كان هناك نشاط له دور معين على وسائل التواصل الاجتماعي في تويتر، تحديداً منذ العام 2011، ولكن بعد 2016 و2017، واعتقال مجموعة كبيرة من المغردين وموجة القمع الشديد، صار هناك خوف شديد وتم إسكات تلك الأصوات. ويوضح السعيد أنه كان يتم التغاضي عن رأي عابر أو شخص مغمور، ولكن الآن لا، لا رأي آخر ممكن أن يكتب في وسائل التواصل الاجتماعي، هذه المساحة الصغيرة لم تعد موجودة.

بحسب التقرير، تزايدت القيود على حرية الرأي والتعبير خلال 2019 في السعودية، واستمرت ملاحقة الصحفيين وتزايدت أعداد معتقلي الرأي في السجون. وفيما أكد تقرير المقرّرة الخاصة المعنية بحالات الإعدام خارج القضاء، أو بإجراءات موجزة أو تعسفاً، أغنیس كالامارد، الذي صدر في یولیو 2019 تحميل المسؤولين السعوديين قتل الصحفي جمال خاشقجي، على خلفية تعبيره عن رأيه بما يخالف التوجهات الرسمية، لم تطبق الحكومة توصيات كالامارد في اتخاذ خطوات جدية لمحاسبة المسؤولين، إنما قدمت محاكمة هزلية جلبت سخطاً واسعاً. وعلى الرغم من الانتقادات الدولية التي وجهت إلى السعودية وتخفيض مرتبتها الى 172 من أصل 180 دولة عالمياً، في التصنيف الدولي الذي تصدره منظمة "مراسلون بلا حدود"، لا زالت أعداد الصحفيين المعتقلين في تزايد.

في العام 2019 استمرت السعودية بالقيام بانتهاكات جسيمة بحق الأطفال، في مخالفة واضحة لاتفاقية حقوق الطفل التي صادقت عليها المملكة عام 1996، كما تستمر بتجاهل ملاحظات وتوصيات لجنة حقوق الطفل في الأمم المتحدة، حسب المنظمة السعودية الأوروبية لحقوق الإنسان

يعتبر عادل السعيد أن "سرطان الطغيان" قد تفشى في المملكة، وهناك ظلم شديد يقع على الناس، ويضيف: "كان من المعروف في السابق أن انتقاد العائلة المالكة أو التحدث عن ملكية دستورية هو خط أحمر في السعودية، لكن الآن لا يمكن الحديث حتى عن البطالة مثلاً. كما وأن الاقتصادي إن تحدث بموضوع اقتصادي ممكن أن يعتقل، والشيخ إذا كانت لديه أفكار دينية متسامحة أيضاً، والتقرير يقدم أمثلة موثقة على ذلك".

لا شك بأن عام 2019 انتهى مغلقاً المنافذ المحلية أمام الكثير من الضحايا، للمطالبة بحقوقهم والحصول على العدالة، خصوصاً وأن أجهزة الدولة القضائية تحولت الى أداة لاستهداف المضطهدين بدلاً من حمايتهم، في ظل ذلك، ترى المنظمة السعودية الأوروبية لحقوق الإنسان، أن مسار العمل القانوني الدولي والمتنوع، بات أكثر أهمية من أي وقت مضى لتحقيق أي تقدم في 2020.

في تصريح لرصيف22، يقول علي الدبيسي، رئيس المركز السعودي الأوروبي لحقوق الإنسان، بأن هناك إرادة ترعاها أطراف متعددة في العالم لإفراغ العمل الحقوقي من التأثير، وبالمقابل هناك جموع من المنظمات والمختصين والنشطاء تكافح لتحويل العمل الحقوقي لأداة قوة نافذة.

في المنظمة نؤمن بأنه لا مناص من تطوير وتجديد آليات العمل في حالة حقوق الإنسان في السعودية، وندرك مدى شراسة وعدوانية الحكومة السعودية لحقوق الإنسان، ومدى دعم حلفائها لها، لذا نسعى في 2020 لتحركات تواكب هذه الانتهاكات والجرائم غير المسبوقة في التاريخ السعودي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard