بعد قرابة ألف سنة على ظهوره... العمارة المغربية تعيد إحياء الفن المرابطي الأمازيغي

الأربعاء 11 ديسمبر 201910:00 ص

ساهم الموقع الفريد للمملكة المغربية بتأثرها بعدة حضارات عبر التاريخ، فقد ظلت البلاد لعدة قرون مكونة من خليط من القبائل الإفريقية التي قطنت الطرف الآخر من الصحراء، إلى أن أثرت فيها التقاليد الإسلامية والعربية، ومن ثم تأثرت بالاستعمار الأوروبي.

وكل هذا ترك أثره على حضارة البلاد وتجلى بوضوح في نمطها المعماري. ونجد اليوم أن العمارة المغربية عادت لتستوحي في الكثير من تصاميمها من الفنون المعمارية القديمة، وبخاصة النمط الذي ساد في عهد المرابطين الذين جمعت عمارتهم بين بساطة التقشف الصحراوي وزخرفات الترف الأندلسي واللمسة الإسبانية المورية، فنرى في البناء الحديث عودة للزخارف النباتية والأقواس والمقرنصات التي شهدت أول ظهور لها في المغرب في جامع تلمسان، الذي بناه المرابطون عام 530 للهجرة، ومنه شاعت في الأبواب والجدران والقباب.

ولعل فهم التنوع الكبير لنمط البناء المغربي ينضوي على عدة عوامل لها علاقة بالتاريخ وغنى التصاميم في الأبنية العمومية والخاصة، نناقشها في هذا المقال.

نشوء فن العمارة عند المرابطين

حكم المرابطون شمال أفريقيا والأندلس في الفترة ما بين 1062 و1150، وهم جماعة إسلامية في غالبيتهم من البربر، بدأ عهد خلافتهم في المغرب وتأسيس مراكش وتعيينها عاصمة لهم. وقد عرفوا بدعوتهم للإصلاح الديني، بعد فترة ملوك الطوائف في الأندلس، فظهر أثرهم على الحياة العامة في الأندلس، كما ظهر أثر الحياة الأندلسية عليهم، فهم تأثروا بفن العمارة الأندلسية وأعادوا صياغتها بطابع خاص بهم.

يؤكد الكاتب إبراهيم حركات في كتابه "المغرب عبر التاريخ"، أن الفن المعماري قبل المرابطين بالمغرب امتاز بالطابع البربري البيزنطي، لكنه بعد حكم المرابطين للأندلس أنتج مزيجاً مكوناً من الطابع المغربي والأندلسي، على أيدي أمهر الصناع الذين جاؤوا من قرطبة إلى مدينة فاس المغربية، ليضيفوا إليها فنادق وحمامات عامة وأنظمة للري. وبرغم أن المرابطين عنوا بالقوة والمناعة في العمران قبل عنصري الفن والزخرفة، إلا أن عصرهم يعرف بعصر الفن الأندلسي المغربي، على حد تعبير الكاتب.

ففي حين بدا الطابع المغربي الصحراوي في بناء الحصون والأسوار والقلاع، يبدو الطابع الأندلسي في القصور والدور وزخرفة المساجد وخاصة محاريبها.

الطابع المميز للتصاميم المغربية

توصف المغرب بأنها مملكة الجمال، ولتصاميمها المعمارية علاقة وثيقة بهذه الصورة، فبالرغم من الاضطرابات التي عانت منها البلاد خلال عدة حقب تاريخية، إلا أن معظم إرثها الفني لا زال باقياً حتى اليوم.

وبسبب تأثرها بالحضارة الإسلامية نجد أن عناصر مثل الزخرفة الهندسية الدقيقة والنباتية والخط العربي والموزاييك، تنتشر على جدران الأبنية الملكية كالقصور والمساجد، إضافة إلى وجود باحات بفتحات سقف وحدائق فخمة ومعظم المباني تحتوي على نوافير. أما من العناصر الإسبانية فنجد الجص المزخرف على الأقواس والأعمدة والقباب الضخمة، أما الجدران فتكون بيضاء أنيقة. وتكمن جمالية العمران المغربي في أن هذه الأنماط الغربية يمكن أن نجدها متمازجة مع الأبنية ذات الطراز الإسلامي مثل المساجد، ومدارس تحفيظ القرآن مثل مدرسة العطارين في مدينة فاس. وهناك الحصون التي نراها متأثرة بالنمط الصحراوي، ببساطة بنائها ولونها الرملي وتناغمها مع المحيط حتى مع وجود أسوار ضخمة تحيط بها، مثل القصبة المراكشية التي بنيت في القرن الحادي عشر الميلادي.

ومؤخراً بدأت بعض هذه الأنماط تعود بأشكال حديثة ولمرافق عامة مدنية متطورة، كالمطارات والمعاهد الدراسية والجامعات.

ماذا قدّم المرابطون الأمازيغ للثقافة المغربية؟ وأين نجد أثرهم في هويتها اليوم؟ 

حين تمتزج الحداثة بالتاريخ

أصبح الاهتمام في السنوات الأخيرة متجهاً إلى تقديم فن الغمارة المغربي ضمن إطار حداثي متطور ويلبي الحاجات التقنية المتجددة، مع الحفاظ على شخصيته التراثية وهويته التاريخية. نذكر أهم وأجمل هذه المنشآت التي لاقت اهتماماً معمارياً عالمياً لتميزها وفرادتها.

مطار كلميم

تم في العام الماضي تحديث مطار مدينة كلميم بالمغرب، ويتميز بواجهة ألواح من شبكات معدنية بألوان لها تدرجات البني والألوان الرملية الصحراوية، وتعمل في الوقت ذاته كفلاتر إضاءة. يقع المطار، الذي صممه مكتب الهندسة المعمارية ومقره الرباط، في موقع قاعدة عسكرية قائمة على بعد ثلاث كيلومترات شمال كلميم، جنوب غرب المغرب. ويشار لها بأنها بوابة الصحراء، نظراً لموقعها في الجهة الجنوبية بالقرب من الحافة الشمالية الغربية للصحراء.

تطل المناطق العامة بالمطار من خلال النوافذ الكبيرة باتجاه المناظر الطبيعية من جهة والممرات من جهة أخرى.

يتم حماية الأسطح الزجاجية من أشعة الشمس، من خلال شاشة مصنوعة من ألواح معدنية ملونة معلقة حول محيط المبنى، والخليط اللوني يساهم في إنشاء تأثير يهدف إلى إحياء الأساليب المعمارية التقليدية في المنطقة.

كما أن إنشاء فناء كبير تعلوه مظلات يتدفق منها ضوء النهار في المناطق المركزية للمبنى، يستدعي إلى الذاكرة فناءات القصور والمساجد المرابطية.

جامعة تارودانت

المطار ليس المبنى الوحيد الذي اعتمد الفناء أو الباحة، حيث نجده في جامعة تارودانت. يعد الطراز المعماري لمبنى الجامعة صرحاً مفعماً بالتاريخ وتعبيراً عن الجنوب المغربي. هذا المبنى هو محاولة لإعادة تفسير التراث المغربي ضمن رؤية مستقبلية. يستمد المشروع إلهامه من الأرض وتأثيرها على الحواس. يوجد حول الجامعة "رياض" أو حديقة داخلية من أشجار الأرغان، ما يتيح إطلالة بارعة على جبال الأطلس، والرياض هي الحدائق التي ألحقت بالقصور أو الدور في فن العمارة الإسلامي الأندلسي.

حضانة أطفال حجرية

Goodplanet وأيضاً، تلبية منها للحاجات التعليمية، قامت مؤسسة

بإنشاء مبنى حضانة ضمن المناخ الحيوي، مستوحى من النمط التراثي المحلي ومزود بالمواد والتقنيات الحديثة، من خلال رؤية معاصرة وتصميم مقاوم للزلازل. أسس المبنى من الحجر الطبيعي الذي أحضر من مصادر محلية، مع جدران من الطوب اللبن وسقف مسطح من الخشب والتراب، حاملاً إلى المشهد العام بساطة وتقشف الأبنية الصحراوية في فترة الخلافة المرابطية.

محطة القنيطرة

تم تصور محطة القنيطرة كصندوق مجوهرات في إطار تجسيد الهوية المتجددة للهندسة المعمارية المغربية التقليدية، ضمن سياق مدني متطور. على وجه الخصوص، تقدم واجهتها إعادة إحياء لنمط المشربيات والمقرنصات في نطاق المدن الحديثة، وتربط المحطة من خلال تصميمها بين التقدم الاجتماعي والاقتصادي والتكنولوجي الملموس، لتكون رمزاً لمواكبة هذه المدينة والمغرب لتطور العالم الحديث.

مدينة وليلي الأثرية (فلوبيليس)

ضمن هذا الموقع الأثري الأكثر زيارة في المملكة المغربية، يسعى مشروع إنشاء مركز للزوار إلى تعزيز الأهمية التاريخية والرمزية للموقع في التراث العالمي لليونسكو. يعد هذا الموقع مثالاً استثنائياً تم الحفاظ عليه جيداً لمدينة استعمارية رومانية قديمة، وواحداً من العديد من المواقع الأثرية في المغرب. من أجل تسليط الضوء على التأثير المرئي الدرامي للآثار القديمة عند الدخول إلى الموقع، فقد بني المتحف في جانب التل حتى لا يراه الزوار أول دخولهم.

أبراج وناطحات سحاب

ليست العمارة التراثية وحدها ما تبدو فريدة في المغرب، فالمملكة أيضاً سباقة لبناء الصروح العمرانية المدنية المعاصرة. واليوم يتم بناء أطول ناطحة سحاب في أفريقيا، في مدينة الرباط المغربية، على ارتفاع 820 قدم، من تصميم المهندس المعماري الإسباني رافائيل أركويستوريوس. استحوذ المبنى على لقب أطول برج من مركز كارلتون في جوهانسبرغ، حيث يتألف من 55 طابقاً تحتوي على فنادق وشقق فخمة ومكاتب. ومن المتوقع الانتهاء من بنائه بحلول العام 2022.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard