ما علاقة موسيقا البلوز بالأذان وترتيل القرآن؟

الأحد 6 أكتوبر 201905:17 م

"كنت في إحدى جلسات الذكر في بازارات اسطنبول، مع ثمانين درويشاً متصوفاً، وسط الكمنجات وآلة القانون وصوت غناء منفرد مليء بالشجن ويشبه أصوات المؤذنين. لقد كانت كموسيقا البلوز"، هذا ما قاله بيتر كالشو- صحيفة الغارديان.

يشير كالشو في مقاله "زوبعة الإله" إلى أنه وجد هذا النمط الصوفي في كل المناطق الإسلامية التي زارها، من الهند إلى باكستان فاليمن والمغرب والسنغال وحتى آسيا الوسطى وإندونيسيا. لكن هل الشبه الذي لاحظه بين المتصوّفين والبلوز محض صدفة أو مجرد ذائقة شخصية؟

في بحث بعنوان "ماذا قدم الإسلام للبلوز؟" تشير د. سلفيان ديوف، أستاذة في التاريخ الاجتماعي في جامعة براون، إلى أن موسيقا البلوز التي تستحضر صوراً من حقول القطن في دلتا الميسيسبي، عن الحصادين المستعبدين وآلامهم وعزلتهم تعود لآلاف الأميال بعيداً من هناك في المنطقة الإسلامية في غرب إفريقيا.

تتبع د. ديوف انتشار الإسلام في غرب إفريقيا منذ القرن الثامن، عبر الاتصال مع البربر والتجار العرب ورجال الدين من الشمال. وبدايته في السنغال ومالي في أوائل القرن الحادي عشر عبر التجار المحليين والكهنة والدارسين، وسرعان ما وصل من ضفاف نهر السنغال في الغرب إلى شواطئ بحيرة تشاد في الشرق، ثم قدمه التجار ورجال الدين الماليين إلى شمال نيجيريا في القرن الرابع عشر. "لقد كان العالم الإسلامي -الذي امتدّ في زمن من البرتغال إلى الصين- سوقاً عالمياً للأفكار والبضائع، وغرب أفريقيا كان له حصته منها"، على حدّ تعبير ديوف.

ما علاقة الأذان والتلاوة بالموسيقا في أفريقيا؟

كالعديد من الأراضي الإسلامية، انتشرت الصوفية في غرب أفريقيا، ومن أهم خصائصها، الموسيقا التي تشكل جزءاً حيوياً منها ووسيطاً لتقرب جماعة أو فرد من الله. وتستشهد ديوف بآية من القرآن في سورة المزمّل "ورتل القرآن ترتيلا" لتقول إن تلاوة القرآن والأناشيد الدينية والابتهالات عند الصوفية كانت نمطاً موسيقياً قائماً على الإنشاد الوجداني.

يلتزم المقرئون المختصون بقواعد صارمة في اللفظ والتجويد، ودائماً ما يرتل منفرداً، وبرغم أن التقاليد الإسلامية لا تعتبر التلاوة والأذان نمطاً غنائياً إلا أن لحناً يبرز فيها (الأذان على مقام الحجاز).



وتضيف ديوف أن أصوات المنشدين القوية تتنقل بين المقامات بنوتات مطولة وسكتات (مليسما) في انزلاق أو صعود نغميّ (غليساندو) وغنن لفظية، أو كما وصفها أخصائي في الموسيقا الإثنية برونو نيتل "الغناء الشرق أوسطي متوتر النبرة، ذو جِرس حلقي أجش بغنات حادة تتخللها بعض الرتابة".

لقد كانت الموسيقا بين التبادلات التي حدثت بين شمال أفريقية والساحل الغربي (المنطقة الممتدة من السنغال فغامبيا حتى شمال نيجيريا)، وتختلف الموسيقا كثيراً في شمال أفريقية عنها في الشرق الأوسط لتأثرها بالأفارقة المحليين في المناطق الجنوبية من المغرب، وضحايا العبودية من غير المسلمين.

وكما يذكر بحث ديوف، أن هؤلاء الرازحين تحت العبودية غالباً ما عملوا كموسيقيين، فنقلوا موسيقاهم وإيقاعاتهم إلى شمال أفريقيا. كما تأثر المسلمون -وخصوصاً في المناطق المدنية- بأنماط الموسيقا الإفريقية فأجروا تعديلات على موسيقاهم ليظهر اندماج الأنماط بين طرفي الصحراء.

وطور الموسيقيون التابعون للقصور والعوائل الثرية المناطق المسلمة من غرب إفريقية مخزوناً لحنياً عرقياً من ألحان التسابيح والملاحم، فغنوا منفردين أو ضمن مجموعات في نمط وجداني تحكمه نقلات متماوجة في مقام الصوت والطنين والاهتزازات والمؤثرات المتهدجة، مصطحبين آلات وترية كالعود، أو كمنجات الوتر الواحد، أو البالافون (الإكسيلفون).

وينقل بحث ديوف عن كتاب "أفريقيا والبلوز" للبروفيسور الموسيقي بجامعة ماينز الألمانية غيرهارد كيوبك، أن معظم الموسيقا المعزوفة غرب أفريقيا في أراضي السافانا الساحلية على الآلات الوترية، يميز نمطها المدرج الخماسي وبناء حركي بسيط بتناغمات صوتية منفعلة ومتماوجة الرنين، كالمد والأصوات الخشنة.

وحتى في استخدامه للطبول، يختلف هذا النمط بوضوح عن موسيقا الساحل الإفريقي ومنطقة الغابات، باعتماده على الخشخيشات والمشاركة الجماعية ونمط الغناء القائم على الطلب والاستجابة (وهو يشبه جواب السؤال حين يعزف جملة على آلة ويرد عازف آخر بنفس الجملة الموسيقية على آلة أخرى).

ما هي علاقة الأذان وتلاوة القرآن بالموسيقا في أفريقيا؟

البلوز ليست موسيقا إسلامية ولا هي إفريقية، بل هي نتاج المعاناة التي عاشها الأفارقة في أمريكا في ظل العبودية، ما يبرز فرادتها هو تطعيمها بأنماط ساحلية إسلامية وتعبيرها عن الانتفاضة ضد العبودية وتشريد الملايين في الجنوب الأمريكي ممن أطلقوا صرختهم للحرية عبر موسيقاها

الشتات الإفريقي والموسيقا الإفريقية الأمريكية

تشير دراسة ديوف إلى أن أوائل القرن 16 شهدت هجرات وتجارة للعبيد، فعبر المحيط الأطلسي وصل 12.5 مليون من الرجال والنساء والأطفال من غرب إفريقيا وإفريقيا الوسطى، كان بينهم مئات الآلاف من المسلمين. وأينما حلوا، حمل الأفارقة موسيقاهم ودمجوها مع أنماط أخرى، عبر الكاريبي وأمريكا الجنوبية من البرازيل إلى كوبا ومن الأورغواي إلى بيرو ومن هاييتي إلى غوادالوبي، فكولومبيا وفنزويلا.

وفي حين عرفت موسيقاهم بالطبول الإفريقية والغناء الجماعي، لوحظ غياب هذه الخصائص من الموسيقا التقليدية للأفارقة في الولايات المتحدة، حيث فضلوا الآلات الوترية على الطبول (كالبانجو والكمنجات أحادية الوتر ولاحقاً الغيتار).

إن خصوصية الموسيقا الأفروأمريكية موجودة بوضوح في البلوز، ويتفق الخبراء على أنها تعود إلى غرب أفريقية الإسلامي، أي أنها لم تأت من الغابات بل من مناطق السافانا، حسب ما يذكر المؤرخ الانكليزي بول أوليفر، من أنها انتشرت من سنيغامبيا إلى مالي فبوركينافاسو إلى شمال غانا والنيجر وشمال نيجيريا، ويقول كيوبك إن البداية كانت في غرب السودان الأوسط، في حين يؤكد المؤرخان روبرت بالمر وساميوئيل كارتز، أنها من سنيغامبيا.

لكن، بما أن المسلمين الأفارقة كانوا حاضرين في الأمريكيتين، كيف نفسر تطور موسيقاهم في الولايات المتحدة الأمريكية وليس في مكان آخر؟

تذكر ديوف أنه في سبتمبر من عام 1937، بدأ العبيد القادمون من مملكة الكونغو بالتظاهر مع الطبول في جنوب ولاية كارولاينا الأمريكية، بهدف الوصول إلى سانت أوغستين في فلوريدا الإسبانية ليحصلوا على حرياتهم. وفي السنة التالية أقرت ولاية جنوب كارولاينا قانوناً "يمنع تجمعات الزنوج في عطلة الأسبوع أو في العطل الرسمية، كما يحظر حملهم سيوفاً خشبية (عصي الطبول) أو أياً من أسلحتهم الخطرة، كالطبول والمزامير وأدواتهم الصاخبة التي تدعو إلى لتجمع في سبيل تحقيق غاياتهم الشريرة".

وسرعان ما طبق هذا القانون في كل الولايات الأمريكية، عدا لويزيانا التي شهدت أكبر انتفاضة ضد العبودية عام 1811 وسط قرع الطبول ورفع الأعلام. وهكذا ارتبط قرع الطبول في ذاكرة العبيد بتلك المناطق بثورة الزنوج أ،و جنائزهم. وهكذا عند وصول آخر شحنة للعبيد من العبيد من بنين ونيجيريا في أبريل من عام 1865 صنعوا الطبول ليحتفلوا بحريتهم عند إعتاقهم.

وتزامناً مع منع قرع الطبول الذي حصل، بقي الموسيقيون الساحليون يعزفون آلاتهم الوترية وأهمها آلة البانجو الإفريقية الأصل التي تشبه بأوتارها الأربعة السفلية آلة الغيتار، وهي من غامبيا وتعد أول آلة إفريقية في الأمريكيتين.

وفيما عرفت هذه الآلات الوترية بنقوش لملوك أفارقة زينتها، لم تحتو الآلات نفسها على هذه الرسومات الإفريقية عند الأفارقة المسلمين وذلك لأسباب دينية.

ومن ثم شهدت سنة 1800 هجرة غير مسبوقة للعبيد إلى الولايات الأمريكية في أدنى الجنوب، سواء عبر تجارة العبيد أو الخدم الذين رافقوا أسيادهم إلى حقول القطن وأراضي قصب السكر. عج الجنوب بحكايات العبيد الذين انتزعوا بلا رحمة من كنف عائلاتهم دون أمل باللقاء وعاشوا شقاء العمل المضني في الحقول، ومنهم أمهر العازفين والمغنين الذين احترفوا الموسيقا في أقاصي الجنوب قبل انتقالهم القسري.

العبادات الإسلامية والبلوز

أو ما يعرف بالصرخة (HOLLER)، يعني الغناء بطبقة عالية ونغمة موسيقية ممدودة تكون أحيانا بلا كلمات. 

نمط انتشر في دلتا المسيسيبي، غناء منفرد شجي النغم، بطيء الإيقاع، حر التواتر، تتخلله فواصل قصيرة من التنهيدات أو الأنين، وغالباً ما يكون مؤلفاً من ثلاث جمل.

بعد ست عقود من تاريخ البلوز- تذكر ديوف- يجادل آلان لوماكس، أخصائي أمريكي في الموسيقا الإثنية، أن ما أسماه غناء المناجاة أو الشكوى كان شائعاً في غرب وشمال أفريقيا جنوبيّ البحر الأبيض المتوسط وفي الشرق الأوسط، وهذا ما أطلق موسيقا البلوز في أمريكا. حيث بقي الأفارقة المسلمون من العبيد محافظين على صلواتهم في السر أو العلن، وبعضهم من غير المسلمين الذين شهدوا هذه الطقوس نقلوها دون دراية بها. يعتقد لوماكس أن الأغاني الحزينة قد تكون منحدرةً في ألحانها من تلاوة القرآن أو الأناشيد الصوفية أو الأذان.

هي مقطوعة سجلها لوماكس في أواخر 1947 تبدو وكأنها تنبعث من مئذنة في غربLevee Camp Holler أفريقيا.

عن نقاط التلاقي بين مقطوعة البلوز وأداء المؤذن الأفريقي، يقول الفنان السوري أنور جربوع -ملحن وأستاذ في الموسيقا- لرصيف22، أنه بالرغم من التنوع المقامي للنماذج المطروحة (العجم للبلوز، والحجاز والراست في الأذانين الأول والثاني) إلا أن السلم الموسيقي للنمط الإفريقي هو عبارة عن خمس علامات وكذلك سلم البلوز. ويلاحظ أن الأذان على مقام الحجاز قد استخدم الجنس الأول للمقام دون ان يستقر على درجة الأساس، أي أنه تأثر بالنمط الأفريقي للغناء، ويظهر هذا الشبه في البلوز بسبب تشابه الأبعاد الموسيقية.

وبرغم من أن البلوز تعتبر موسيقا لا دينية تعبر عن الخسارة أو الهزيمة، إلا أن هناك جانباً روحانياً فيها يتحدى الألم، أو كما يعبر عنها الكاتب الأفريقي من أصول أمريكية رالف إليسون "سخرية من العالم، والسخرية سر التراث والأسطورة"، وفي روحانيتها هذه لعلنا نجد صدى للموسيقا الإسلامية.

تؤكد ديوف أن البلوز ليست موسيقا إسلامية ولا هي إفريقية، بل هي نتاج المعاناة التي عاشها الأفارقة في أمريكا في ظل العبودية، لكن ما يبرز فرادتها هو تطعيمها بأنماط ساحلية إسلامية وتعبيرها عن الانتفاضة ضد العبودية وتشريد الملايين في الجنوب الأمريكي ممن أطلقوا صرختهم للحرية عبر موسيقا البلوز.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard